دراسات في الشخصية الكردية ( الحلقة الثامنة )
الجبل: مفتاح الشخصية الكردية (1)
البيئة والإنسان

ابتكر العالم الألماني إرنست هيكل Ernst Haeckel مصطلح (إيكولوجيا) Ecology عام (1869)، وقصد به دراسة العلاقة بين الكائنات العضوية وبيئتها الشاملة. وفي إطار هذا التعريف لم يعد من المقبول أن نتصوّر (البيئة) على أنها مجرّد سطح جغرافي Geography، نتّخذ فيه بيوتاً وملاعب، ومراعي ومزارع، ولا مجرد امتداد جيولوجي Geology، يتكوّن من رفوف (طبقات) متراكبة، هذه فيها مياه، وتلك فيها ذهب، وثالثة فيها حديد، ورابعة فيها بترول، ولا مجرد مُناخ (هواء، حرارة، برودة، رطوبة، جفاف إلخ). وإنما صار مصطلح (البيئة) يشمل جميع هذه العناصر متكاملةً ومتفاعلةً.
وصحيح أننا- البشر- نختال بأننا حَمَلة هُوِّيّات جينية متميّزة، بها نختلف عن جيراننا من الكائنات الأخرى، لكن لا ننس أن تلك الهُوّيّات تشكّلت أصلاً في أحضان مملكة (البيئة)، ولا ننس أيضاً أن استمرارنا في الحياة يعني أننا نتفاعل مع البيئة على نحو صحيح، نتكيّف معها، وأنه لا استمرارية لوجودنا خارج قدرة جيناتنا على التكيّف مع البيئة، وعلينا أن نأخذ في الحسبان أن البيئة تسهم في إنتاجنا (تكويننا)؛ إنها تسهم في صياغتنا شكلاً (طول، عرض، لون)، وفي صياغتنا إحساساً ومزاجاً وثقافة، إننا جزء من البيئة، فيها نبدأ وجودنا، وفيها ننتهي، ولا يمكننا أن نهرب منها، أو نتجاهلها، أو نتعالى عليها، إنها قَدَرنا.

ولعل الشك يداخلك، إذاً دعني أسالك: هل أنت ذو بَشَرة سوداء؟ حسناً، أنت كنت في الأصل، ومنذ لا أقلّ من مليوني عام، ذا لون بنّي، لكن البيئة التي خرج فيها سلفك الأول إلى الحياة، كانت غنية بالأشعة فوق البنفسجية، وكانت تلك الأشعة تهدده بسرطان الجلد، فأنتجت بعض جيناته مادة اسمها (ميلانين)، ووظيفتها منحُ الجلد لوناً مناسباً، فمنحت جلدَ سلفك الأول لوناً أسود، امتصّ الأشعة فوق البنفسجية، ومنعها من التغلغل في كيانه، وأتاح له فرصة الاستمرار في الحياة، فاشكر لونك الأسود إذاً، ودعك من الأحكام الجمالية العابرة، إن لونك الأسود هو الأجمل وجودياً، إنه حماك من انقراض مؤكَّد. (دونالد جوهانسون وبليك إدغار: من مرحلة لُوسي إلى مرحلة اللغة، ص 06 – 107).
وهل أنت ذو بَشَرة بيضاء؟ يا صاحبي، أنت أيضاً كنت في الأصل، ومنذ لا أقلّ من مليوني عام، ذا لون بنّي، لكن البيئة التي خرج فيها سلفك الأول إلى الحياة كانت فقيرة بأشعة الشمس، وكان نقص تلك الأشعة يهدده بالأمراض الوبائية، فأصدرت بعض جيناته الأمر إلى مادة (ميلانين)، فمنحت جلده لوناً فاتحاً جداً، أتاح لأشعة الشمس أن تخترق جلده، وتقدّم لجسده ما يلزم لاستمرار الحياة، فاشكر لونك الأبيض إذاً، ليس من منظور جمالي، وإنما من منظور وجودي؛ إنه حماك من انقراض مؤكَّد.
إن لونك نتاج تفاعلك مع البيئة، وكذلك أنفك وعيناك، هل لك أنف طويل ضيّق المنخرين؟ يا صاحبي، أنت لم تكن هكذا في الأصل، لكن البيئة التي وُجد فيها سلفك الأول كانت باردة جداً، ودخول الهواء البارد إلى رئتيه مباشرة كان مضرّاً به، فأنتجت بعض جيناته- بالتفاهم مع البيئة- ممرّاً طويلاً بعض الشيء نسمّيه ( الأنف)، وضيّقت مدخليه اللذين يسمّيان (المنخرين)، كي يدخل الهواء قليلاً قليلاً، ويمّر بعدئذ بجهاز تدفئة (صوفاج) طبيعي، فيدفأ قليلاً، ثم يحلّ ضيفاً عزيزاً على رئتيك، ويمدّهما بالأوكسجين اللازم.
وهل أنت ذو أنف أفطس (قصير واسع المنخرين)؟ يا صاحبي، أنت لم تكن هكذا في الأصل، لكن البيئة التي وُجد فيها سلفك الأول كانت حارة، ومعلوم أنه بقدر ما يكون الهواء حاراً يتمدّد، وتقلّ فيه نسبة الأوكسجين، وكانت رئتا سلفك بحاجة إلى كمية مناسبة من الأوكسجين مع كل عملية شهيق، وكانتا من ثَمّ بحاجة إلى استضافة كمية كافية من ذلك الهواء المتمدّد، فأنتجت بعض جيناته- بالتفاهم مع البيئة- ممرّاً قصيراً (الأنف)، ووسّعت مدخلي ذلك الممر (المنخران)، كي يدخل الهواء بدفعات كافية، ويحلّ بسرعة ضيفاً عزيزاً على رئتيك، ويمدّهما بالأكسجين اللازم.
وفي إطار سلطة (البيئة) لك أن تفسّر سَعة عينيك وضِيقهما، ولا شأن لمعاييرنا الجمالية بهذا الأمر، إن ظروف الغابة الكثيفة أنتجت لسلفك الأول عينين واسعتين، تقول: كيف؟! إن الغابة- يا صاحبي- تحجب كثيراً من أشعة الشمس، فتوسّعت مساحة عيني سلفك، لتستقبل أكبر قدر ممكن من الأشعة المنعكسة من الأشياء، ولتمارس الرؤية على نحو أفضل. كما أن انعكاس الضوء على الثلج الكثيف معظم أيام السنة، كان مضرّاً بسلفك الأول، فعمدت بعض جيناته- بالتفاهم مع البيئة طبعاً- إلى جعل العين أضيق، لتستقبل أقلّ قدر ممكن من ذلك البياض الناصع المزعج، هل تودّ التأكد؟ انظر إذاً إلى ضوء مُبهِر، وراقب زاوية عينيك من حيث الاتساع والضيق.
وهل أطرافك السفلية طويلة أم قصيرة؟ وهل جِِْذعك طويل أم قصير؟ وهل ذقنك قصيرة أم نامية؟ وهل أنت كبير الهامة أم صغيرها؟ وهل أنت واسع المنكبين أم ضيّقهما؟ وهل أنت طويل القامة أم قصيرها؟ وما نسبة التناسق بين أعضاء جسدك؟ وما طبيعة مزاجك النفسي؟ وما خصائصك الذهنية؟ وما البنى الميثولوجية الدفينة في طيّات ثقافتك؟ كي تعرف إجابات مفيدة عن هذه الأسئلة وغيرها، توجّه مباشرة إلى (البيئة) من المنظور الإيكولوجي الشامل، حاول أن تفهمها بعمق، ولست أزعم أنك ستجد، على الدوام، إجابات دقيقة عما تسأل عنه، ولكن أضمن أنك ستمتلك كثيراً من المفاتيح المعرفية، وستفتح بها كثيراً من الأبواب المُوصَدة.

الجبل في ثقافات الشعوب
ودعونا نركّز الحديث على عنصر بيئي مهمّ، ألا وهو (الجبل)، فالحقيقة أن له مكانة متميّزة في ثقافات الشعوب شرقاً وغرباً، حتى إنه تحوّل إلى رمز له دلالاته المتعددة في كل ثقافة، وتتمحور معظم تلك الدلالات حول (التسامي/ الشموخ/ الجلال/ الصلابة/ الثبات/ التأمل)، وما يتفرّع على هذا الدلالات من معان فرعية كثيرة.
وفي إطار هذه الدلالات، أو في إطار بعضها على الأقل، يمكننا أن نفهم بناء زِقورة Ziquratu السومريين (معبد متعدد الطبقات) وبرج بابل في سهول ميزوپوتاميا، وأهرامات المصريين في سهول وادي النيل، وأهرامات الهنود الحمر في سهول أمريكا، وأسقف المعابد البوذية المتصاعدة على نحو متدرّج نحو السماء، وقِباب الكنائس المسيحية، والمنارات المنتصبة بجانبها، وانتقلت تلك الرمزية، في النصف الثاني من القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)، إلى العمارة الإسلامية، فظهرت القباب والمنارات في هندسة المساجد.
كما أن حضور (الجبل) في التراث الميثولوجي والديني مثير للانتباه؛ بلى، أليس من المثير أن تحطّ سفينة زيوسودرا Ziusudra (نوح السومري)، وأوتنابشتم Utnabeshtem (نوح البابلي)، على (جبل نِيسير)؟ وأن تحطّ سفينة نوح العبراني على (جبل آرارات)؟ وتحطّ سفينة نوح الإسلامي على (جبل جُودي)؟ أليس مثيراً أن من ألقاب (آشور) الإله القومي للآشوريين لقب (الجبل الكبير)؟ أليس مثيراً أن مَجْمَع آلهة اليونان كان يُعقَد على قمة جبل الأولمب الشاهق، بقيادة الإله الأكبر زيوس؟ أليس مثيراً أن الإله الإغريقي الأكبر زِيوس غضب على الإله الأصغر بروميثيوس؛ لأنه أهدى النار للإنسان خلسة، فعاقبه بأن أمر بربطه بالسلاسل إلى صخرة في قمة (جبل القوقاز)؟ (جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 24، 66. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، ص 12. ب.كوملان: الأساطير الإغريقية والرومانية، ص 23، 88).
أليس من المثير أن الله اختار (جبل الطُّور) في صحراء سِيناء ليكلّم النبي العبراني موسى عليه السلام؟ أليس مثيراً أن النبي العبراني الآخر عيسى-عليه السلام- كان يلتقي بحوارييه- غالباً- على (جبل الزيتون) في القدس؟ أليس مثيراً أن النبي الميدي زَرْدَشْت- عليه السلام- اتخذ غاراً في جبل أوشيدارنه Oshidarena مكاناً للتعبّد عشر سنوات، وهناك، لمّا بلغ الأربعين، نزل عليه الملاك فاهومانو بالوحي من آهورامازدا؟ أليس مثيراً أن النبي العربي محمداً- عليه السلام- اتخذ غار حِراء، في أحد جبال مكّة، مكاناً للتعبّد، وهناك، لمّا بلغ الأربعين، نزل عليه الملاك جِبريل بالوحي من الله؟

الجبل والتكوين الكردي
والآن ماذا عن الأساس البيئي (الإيكولوجي) في الشخصية الكردية؟
إن الجبل هو العامل البيئي الأكثر تأثيراً في الشخصية الكردية، ويمكننا القول: إن الكردي والجبل رفيقان متلازمان، كانا كذلك في العصور الحجرية، وظلاّ كذلك في العصور التالية، وما زالا كذلك إلى الآن، ويكفي أن تمرّر أمام عينيك مواطن الكرد في عصرنا هذا، لتجد أنهم يقيمون- في الغالب- حيث تكون الجبال، أو تكون سفوح الجبال، أو تكون السهول القريبة من الجبال، وقلّما تجد جماعة من الكرد منعزلة في منطقة سهلية أو صحراوية بعيداً عن الجبال، وإن وجود حالات كهذه يعود إلى أسباب قاهرة، كفرار الكرد من القهر والإبادة، أو كقيام بعض الدول بترحيلهم قسرياً، وإسكانهم في مواطن أخرى؛ إما عقاباً لهم على ثوراتهم، وإما لوضعهم في مواجهة قبائل وشعوب كانت تسبّب وجع الرأس لتلك الدول.
ولتوضيح طبيعة العلاقة بين الكرد والجبال، دعونا نسافر إلى عصور تكوين السلالات البشرية الأولى، فقد مرّ أن الكرد شعب (قوم/ أمة) قائم بذاته، عُرف منذ لا أقل من (25) خمسة وعشرين قرناً بهذا الاسم (كرد) على نحو صريح، ومرّ أنه، ومنذ العصر الحجري القديم (الپاليوليثي) Paleolithic ، كان أسلاف الكرد يقيمون في جبال زاغروس وعلى حوافّها، وأن الفروع الكبرى من أجداد الكرد (سومري، لوللو، سوبارتي، گوتي) تعود إلى أولئك الأسلاف الزاغروسيين.
ومرّ أيضاً أن ثمة فروعاً آرية (هندو أوربية) ضخمة هاجرت- على فترات- إلى مواطن أولئك الأسلاف الزاغروسيين، منذ أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، واندمجت معهم بالتدريج، وتسلّمت دفّة القيادة في التكوين الجديد، ولا سيّما على الصعيد السياسي والثقافي، وأبرز تلك الفروع (كاشّي، ميتانّي، مانني، خالْدي، ميدي)، وجدير بالذكر أن هذه الفروع الآرية انجذبت إلى جبال زاغروس ثم إلى جبال طوروس؛ لأنها كانت في الأصل قادمة من جغرافيا جبلية الطابع في الغالب، قال بونغارد ليفين:
" يجري رسم إيكولوجيا موطن الأجداد الهندو أوربي بموجب المفردات الهندو أوربية السلفية؛ التي رمّمها اللغويون، والخاصة بالتضاريس والمناخ وعالم النبات والحيوان. وتصف معطيات علم اللغة الخاصة بالبيئة الإيكولوجية لموطن الأجداد الهندو أوربي هذا الموطن بأنه بلد ذو تضاريس جبلية، وشبكة متشعّبة من الأنهار، وطقس معتدل، وتشابك نباتي مدهش". (بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 273).
وقال بونغارد ليفين أيضاً: " إن التضاريس الجبلية لموطن الأجداد الهندوأوربي أمر أكّده عدة باحثين، وبعد ظهور دراسات غامكريليدزه وإيڤانوف لم يعد يثير الشك، فإن القائمة التي وضعاها للمفردات الهندو أوربية السلفية، تقنعنا بأن الهندو أوربيين كانوا يقيمون في مناطق جبلية أو سفحية". (بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 273).
إن هذه الأدلة- وغيرها كثير- تؤكد أن الجبال جزء أصيل ومهم من بيئة التكوين الكردية، سواء أكانت في عهد الأسلاف الزاغروسيين أم في عهد الأسلاف الآريين، أم في العهد الذي توحّد فيه الأسلاف الزاغروسيون والآريون، وأنتجوا- منذ حوالي ثلاثين قرناً- الشعب الكردي بهويته المعروفة عبر العصور، وظلّت الجبال تواكب مسيرة الكردي الطويلة إلى يومنا هذا، وعلى جميع الأصعدة؛ ميثولوجياً، ودينياً، وذهنياً، واقتصادياً، وسياسياً، واجتماعياً، ونفسياً، وجمالياً، إلى درجة أنه يمكننا القول: إن الجبل مفتاح الشخصية الكردية، وكي نفهم الكردي ظاهراً وباطناً ينبغي أن نفهم (الجبل).
ويتراءى لي- من خلال تأملاتي في الشخصية الكردية- أنه حيثما يكون الكردي يكون الجبل معه، إنه موجود في شكله ومزاجه، وفي عقيدته وتفكيره، وفي أزيائه وأغانيه وموسيقاه، وفي نظامه الاجتماعي، وفي ثوراته وانكساراته. وهذه ليست عبارات شاعرية نُرخي لها العِنان، فتنطلق كيفما تشاء، وإنما ثمّة أدلة على كل كلمة نقولها، وسيظهر كل دليل في سياقه الملائم وفي وقته المناسب.

الجبل والميثولوجيا الكردية
ولنبدأ بالميثولوجيا الكردية، فإن في كتاب الزردشتية المقدّس (أڤستا) أدلة كثيرة على العلاقة الوثيقة بين (الجبل) وجغرافيا التكوين الآري بشكل عام، وجغرافيا التكوين الكردي بصورة خاصة، وسواء أكانت حياة النبي زَرْدَشْت (زاراتوشترا)- عليه السلام- بين عامي (660 - 573 ق.م)، أو (630 – 553 ق.م)، أو (628 – 551 ق.م)، أو (618 – 541 ق.م). (صمويل نوح كريمر: أساطير العالم القديم، ص 294. جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 133)، فالمؤكد أنه ميدي، وأنه أعلن دعوته الدينية في ميديا قرب بحيرة (أُورْمِيَه)، والمؤكد أيضاً أن الزردشتية تشتمل على كثير من البنى والمبادئ والمفاهيم والقيم والرموز الميثولوجية الآرية القديمة جداً، قبل أن يغادر الآريون موطنهم الأصلي آريانا- ڤيدجا (آريانام- ڤايدجا).
وفيما يلي بعض الأدلة ذات الصلة بالميثولوجيا الكردية:
• دعاء زردشتي يتلى عند تقديم القرابين: " نُعلنها، ونقدّمها بخاصة لجبل أوشي- دارينا الذي خلقه مازدا، الساطع والمتألق بالقداسة، لكل الجبال المشعّة قداسة، المنيرة، التي خلقها مازدا". (أڤستا، ياسنا، هايتي 4، آية 19، ص 61).
• دعاء زردشتي آخر: " فلنُصلّ بسعادة لنجمة تيشتريا [=عَشْتار] المشعّة، الطائرة بسرعة فوق بحر ڤارُوكاش، مثل السهم السماوي الذي أطلقه أَرْخِيش من قوسه، من جبال الآريين". (أڤستا، ياشت 8، آية 6، ص 442- 443).
• جاء في وصف بلاد آريانا- ڤيدجا: " حيث القادةُ الشجعان ينظّمون جيوشهم المتعددة، في أرتال عسكرية، حيث الجبالُ العالية، الوافرة بالمراعي والمياه". (أڤستا، ياشت 10، آية 13، 14، ص 471).
• إن طقس شراب (هاوْما) من الطقوس المقدسة جداً في الديانة الزردشتية، وهو شراب يُتّخَذ من نبات (هاوْما) الجبلي، ذي اللون الصفر الذهبي، وجاء في كثير من الابتهالات الزردشتية ذكر (هاوْما) مع (الجبل): " أمجّد الغيمة التي تسقيك، وأمجّد الأمطار التي تجعلك تنمو على قمم الجبال، وأمجّد الجبال الشامخة حيث تنتشر أغصانك". (أڤستا، ياسنا، هايتي 10، آية 4، ص 79). " هناك، يا هاوْما، على السلاسل الجبلية تنمو بأنواع عديدة، الآن تنمو ببياض حليبي، الآن تنمو بلون ذهبي، وبعد ذلك شرابك الشافي يتدفق من أجل إلهام المؤمن التقي". (أڤستا، ياسنا، هايتي 10، آية 12، ص 80).
• كان (ميثرا) معبود الشعوب الهندوإيرانية منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وكان إلهاً للعقود، يراقب عن كثب تنفيذ العقود والمعاهدات المبرمة بين القبائل الآرية حول المراعي والمياه، وفي وقت متأخر قُدِّس باعتباره إلهاً للحرب، وبوصفه إلهاً للشمس، ومرافقاً لها في رحلتها السماوية، ولكلمة (ميهر/ ميرا) صلة باسم ميثرا " الذي شيّد آهورامازدا مسكنه فوق قمة جبل هارا، مسكنٌ عال وساطع، حيث لا يوجد فيه الظلام والليل، لا البرد ولا الصقيع، لا الأمراض ولا الموت، ولا نجاسة الأبالسة". (أڤستا، ياشت 10، آية 50، 51، ص 484).
• لم تكن الزردشتية تسمح بإقامة الهياكل أو الأصنام، بل كان الزردشتيون يقيمون المذابح المقدسة على قمم الجبال، وأحياناً في القصور، ويوقدون فيها النار تكريماً لآهورامازدا، كما أنهم كانوا يشيّدون أبراجاً منعزلة عالية الجدران فوق قمم الجبال، تُحمَل إليها جثث الراحلين إلى الأبدية، وتسمى تلك الأبراج (دَكْما) Dekhme. (ول ديورانت: قصة الحضارة، مجلد1، 2/433. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، ص 59).
• كلما وقعت عيناي على مشهد قباب معابد الكرد الأيزديين، وهي تشمخ بشكلها المخروطي المحزَّز الصاعد، وبلونها البيض الناصع، وتكلّل هامات المعابد في لالَش وغيرها، استحضرتْ مخيّلتي صورة (الجبل) المهيب، بتصاعده نحو السماء، وبشكله المخروطي، وبقمته وهي ترفل في حلّة ثلجية ناصعة، وأقول لنفسي: ها هو ذا (الجبل) قد تحوّل إلى رمز ميثولوجي، ربما منذ ما قبل الميلاد بأكثر من ألفي عام، وظلّ يتسلسل في الثقافة الكردية جيلاً بعد جيل، إلى أن تجلّى في هذه القباب الأيزدية.

الجبل وأسلاف الكرد
الجبل في الهوية السومرية:
سبق أن رجّحنا أن السومريين من أسلاف الكرد الأقدمين، وأنهم انحدروا من منطقة حضارة حَلَف الجبلية في كردستان المركزية، واستقروا في سهول جنوبي ميزوپوتاميا، حينما انحسرت عنها مياه الخليج، وصارت صالحة للسكنى والزراعة، والحقيقة أن السومريين لم ينسلخوا من (الجبل)، وإنما انحدر معهم وفيهم، وتجلّى في مختلف مجالات حياتهم، تارة على نحو صريح، وأخرى على شكل رموز؛ وفيما يلي بعض الأدلة.
• أطلق السومريون على موطنهم الجديد في جنوبي ميزوپوتاميا اسم Kur - ra، أي (البلاد العليا)؛ هذا رغم أن المنطقة كانت سهلية، فالمسألة سيكولوجية، والجبل ساكن فيهم، ومستقر في لاشعورهم، ويريدون الاحتفاظ بذكرى موطنهم القديم العزيز على قلوبهم، ويبدو أنهم لم يقطعوا علاقاتهم بأبناء مواطنهم القديمة في الجبال، فكانوا يستقدمونهم لاستخدامهم في مختلف الأعمال، ويطلقون عليهم اسم Lu – Kur-ra؛ أي (أهل الجبال/ أبناء الجبال). كما أنهم كانوا يكثرون من استخدام الحجر في النحت وبناء البيوت، تعبيراً عن استمرار الارتباط بصخور موطنهم الجبلي القديم. (جمال رشيد: ظهور الكرد في التاريخ، 1/175. محمد بيّومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 9).
• قال الدكتور سامي سعيد الأسعد بشأن السومريين: " ونراهم في كل الأحوال يعبّرون عن جبل وعن بلد بنفس العلامة (كُور)، وربما كان الاثنان في نفس المعنى عندهم، ويدل على كون بلدهم الأصلي جبلياً، ثم ولعهم ببناء الزِّقورات بمعابدهم، ووجود أشجار وحيوانات جبلية في أختامهم الأسطوانية؛ أمثال الأَرْز، والسَّرْو، والوَعْل الجبلي ذي القرون، والماعز الجبلي الطويل القرون". (سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، ص 42. وانظر فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، ص 22).
• يتجلّى (الجبل) في الميثولوجيا السومرية أيضاً، فالإله (إنليل) Enlil، أو (إلّيل)Ellil ، هو أكبر آلهة السومريين، والمعنى الأصلي لاسمه المركّب (إن - ليل) En-lil هو (سيد الريح)، والريح تهبّ في اعتقادهم من الجبل، ولهذا لقّب إنليل في السومرية بـ (الجبل الكبير) Kur – gal. (سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 253، هامش 21).
• جاء في قصيدة سومرية:
" يا سومر، يا أيها البلد العظيم بين بلدان العالم…
سيّدُك سيّدُ مبجَّل، وملكُك يجلس مع الإله (آن) على المنصّة السماوية.
إنّ ملكك هو الجبل العظيم، هو الأب إنليل والأنونّاكي الآلهة العظام".
(صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 179 – 180).
• جاء في قصيدة أخرى خاصة بمدينة أور السومرية:
" أيتها المدينة الموفورة الزاد، ...
أنتِ منصّة خير البلاد، أنتِ خضراء كالجبل.
أنتِ غابة (خاشور) ذات الظلال الوارفة، ...
لقد أعلن (الجبل العظيم) إنليل اسمَك المتسامي في السماء والأرض".  ( صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 180 – 182).
• جاء في لوح سومري: " ثم بعد آلة البناء، وتشييد المساكن، ملأ إنكي [= أنگي/أنجي: إله الأرض] السهول بالنبات والأعشاب والحياة الحيوانية، وعيّن على شؤونها الإله سُومُجان Sumugan الموصوف بملك الجبل". (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 182).
الجبل في الهوية الحورية:
الحوريون من أسلاف الكرد القدماء أيضاً، وذكر جرنوت فلهلم أنهم انطلقوا، حوالي نهاية الألف الثالث قبل الميلاد، من المناطق الجبلية الواقعة في شمال شرقي بلاد الرافدين (شمالي كردستان المركزية). وما يهمّنا الآن أنهم لما انتشروا في شمالي سوريا، ووصلوا إلى سوريا الداخلية والجنوبية، كانوا يستقرون في المناطق الجبلية، أو المتاخمة للجبال، إنهم استقروا في حوض نهر العاصي، وخاصة في أَلالاخ، ووصلوا إلى سوريا الساحلية (فينيقيا) وخاصة أُوغارِيت، وتوغّلوا جنوباً، فاستقروا في مدينة يَبُوس (أورشليم/القدس)، وهي تقع في منطقة جبلية، وتوغّلوا جنوباً أكثر، فاستقروا في منطقة جبل سَعِير، بوادي عَرَبة (جنوبي الأُردن حالياً) .
(جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 24، 107. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 200. بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 162. العهد القديم، سِفْر التَّكوين، الأصحاح 36، الآيتان 20، 21).

الجبل في الهوية الكاشّية:
مرّ سابقاً أن الكاشّيين أيضاً فرع كبير آخر من أسلاف الكرد الأقدمين، وأنهم كانوا من سكان جبال لُورستان (في جنوب غربي إيران حالياً)، وقد سيطروا على بلاد بابل، واتخذوا مدينة بابل (تقع على الفرات 90 كم جنوبي بغداد) عاصمة لهم، ثم اتخذ الملك كوريجالزو (كوريگالزو) الثاني (1345 – 1324 ق.م) عاصمة جديدة للكاشّيين اسمها (دور كوريجالزو)، على مسافة (32) كم غربي بغداد.
ومع أن الكاشّيين استقروا في المناطق السهلية، فقد ظل (الجبل) يلازمهم، ويتجلّى في رموزهم الميثولوجية، إذ يظهر الإله والإلهة في المعمار الكاشّي، وقد أمسك كلٌّ منهما بيده، وأمام صدره، بإناءً، يتدفّق منه الماء، ويسيل على هيئة جداول جارية، ويظهر المعبود في تلك الرسوم على أنه (إله الجبل)، وقد مُثِّل وهو يرتدي ثوباً مزيّناً على هيئة حَراشِف، وكانت الحراشف رمز (الجبل) عند أسلاف الكرد القدماء. (انظر محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 301).
وفي عهد الملك الكاشّي كرندش- وقد اشتهر بكثرة مبانيه في المدن البابلية- كانت تماثيل الأرباب والربّات تبرز من جسم البناء، " مع تشكيل رأس كل معبود وجِذعه الأعلى تشكيلاً كاملاً، والاكتفاء بتشكيل الخطوط العامة لبقية جسمه على هيئة الثوب الطويل المحبوك، وتشكيل لبنات هذا الثوب بما يرمز إلى مدرّجات الجبال بالنسبة للأرباب، وتموّجات الماء بالنسبة للربّات". (محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 305).

الجبل في الهوية الميدية:
ولننتقل إلى الميديين، الفرع الكبير الأخير من أسلاف الكرد الأقدمين، تُرى ماذا عنهم وعن (الجبل)؟ الحقيقة أنهم كانوا جبليين خُلّصاً، ولن نقف الآن عند تجلّيات (الجبل) في عشقهم للحرية، وفي شدّة بأسهم، وفي صلابتهم وعنادهم، وفي نزوعهم إلى الثورة على القهر والعسف، وفي شجاعتهم وروحهم القتالية، وفي ذهنيتهم السياسية اللامركزية، وفي نظامهم الاجتماعي القَبَلي، وفي أزيائهم؛ إذ المأمول أن يأتي الحديث عن جميع ذلك في سياقه المناسب، ونكتفي الآن بظاهرة مصاحبة (الجبل) للميدي حيثما حلّ وارتحل، ولنأخذ قصة (الحدائق المعلَّقة) مثالاً على ذلك.
فقد مر- في الاستعراض الموجز لتاريخ الميديين- أنهم لم يرفعوا راية الاستسلام لملوك آشور، وظلوا يفجّرون ثورة تلو أخرى، وأدرك الملك الميدي كَيْخُسْرو kai-Khosru أو كَيْ أخسار Cyaxares (633 – 584 ق.م)، أن من الحكمة تشكيل جبهة إقليمية موحَّدة، تضم الشعوب الواقعة في قبضة السلطة الآشورية، والشروع من ثمّ في العمل للقضاء على إمبراطورية آشور، فضمّ الفرسَ إلى دولة ميديا، باعتبار القرابة الإثنية والثقافية بين الشعبين الميدي والفارسي.
وتوجّه كَيْخسرو بعدئذ إلى البابليين، فعقد تحالفاً مع الملك البابلي نَبُوپولاصّر Nabopolassar (627 - 605 ق.م)، وكان والياً على بابل من قبل الملك الآشوري آشور بانيپال Ashurbanipal ، ولتوثيق الصداقة بين الملكين وافق كَيخسرو على تزويج ابنته أُوميد (آميتيداAmutida / أميتس) من نَبُوخَذْنَصَّر Nabuchadnazzar بن نبوپولاصّر (ديورانت: قصة الحضارة، 2/400. دياكونوف: ميديا، ص 283. طه باقر وآخران: تاريخ إيران القديم، ص 40 - 41). وقد وصف وِل دُيورانت Will Durantحدائق بابل المعلَّقة الذائعة الصيت، وكان اليونان يعدّونها إحدى عجائب العالم السبع، وذكر أنها كانت مقامة على أساطين مستديرة متتالية، كل طبقة منها فوق طبقة، وقال:
" ولم تكن هذه الأميرة قد اعتادت على شمس بابل الحارة وثراها، فعاودها الحنين إلى خضرة بلادها الجبلية، ودفعت الشهامة والمروءة نبوخدنصّر، فأنشأ لها هذه الحدائق العجيبة، وغطّى سطحها الأعلى بطبقة من الغرين الخصيب، يبلغ سمكها جملة أقدام، لا تتسع للأزهار والنباتات المختلفة، ولا تسمح بتغذيتها فحسب، بل تتسع أيضاً لأكبر الأشجار وأطولها جذوراً، وتكفي تربتها لغذائها".(ديورانت: قصة الحضارة، مجلد 1، 2/199).
وأضاف ديورانت قائلاً: "وكانت المياه تُرفَع من نهر الفرات إلى أعلى طبقة في الحديقة، بآلات مائية مخبّأة في الأساطين، تتناوب على إدارتها طوائف من الرقيق، وفوق هذا السطح الأعلى، الذي يرتفع عن الأرض خمسة وسبعين قدماً، كان نساء القصر يمشين غير محجّبات آمنات من أعين السوقة، تحيط بهن النباتات الغريبة والأزهار العطرة". (ديورانت: قصة الحضارة، مجلد 1، ج 2، ص 199).
إن أوميد هي ابنة مدينة أگبَتانا (هَيگمَه تانا/ جَمَه زان/ هَمَذان) عاصمة ميديا الملكية، المدينة الواقعة في واد جميل المنظر، أخصبته المياه الذائبة من الثلوج على قمم الجبال، وبتعبير آخر: إن أوميد ابنة جبال ميديا الشامخة، ابنة الصخر والنهر، ابنة الشجر والزهر، رحلت إلى سهول ميزوپوتاميا الحارة، فرحلت معها، وعبرها، جبالُ ميديا بصخرها ونهرها وشجرها وزهرها، ولعل ما لم يقله المؤرخون أن أوميد استقدمت أشجار وأزهار وربما أطيار جبال بلادها، لتُكحّل بها عينيها صباح مساء، بلى، من أين لبابل أن تحمل أوميد على الانسلاخ من هويتها الجبلية؟! وكيف لأوميد أن تنعم بالحياة؛ ما لم تستحضر (الجبل) في حياتها ولو بشكل رمزي؟!

المراجع
1. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007.
2. ب. كوملان: الأساطير الإغريقية والرومانية، ترجمة أحمد رضا محمد رضا، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1992.
3. بُونْغارد – ليفين (إشراف): الجديد حول الشرق القديم، دار التقدم، موسكو، 1988.
4. جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جَدَل، حلب، الطبعة الأولى، 2000.
5. الدكتور جمال أحمد رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان العراق، الطبعة الأولى، 2003.
6. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكرة، ترجمة عامر سليمان، جامعة الموصل، 1986.
7. دونالد جوهانسون، بليك إدغار: من مرحلة لوسي إلى مرحلة اللغة، ترجمة إياد ملحم، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2005.
8. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
9. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرقي، بيروت، 1986.
10. صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الأستاذ طه باقر، مكتبة المثنّى، بغداد، ومؤسسة الخانجي، القاهرة، 1970.
11. الأستاذ طه باقر، الدكتور فوزي رشيد، الأستاذ رضا جواد هاشم: تاريخ إيران القديم، مطبعة جامعة بغداد، بغداد، 1979.
12. الدكتور محمد بَيُّومي مهران: تاريخ العراق القديم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1990.
13. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، منشورات دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، 1999.
14. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بَدْران، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية، 1968، المجلد الأول.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 15 - 2 - 2010
dralkhalil@hotmail.com