دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية
( الحلقة الرابعة )
الجيل الثاني من أسلاف الكرد

الانتشار الآري
يؤكد معظم المؤرخين أن جغرافيا التكوين للشعوب الآرية (الهندو أوربية)The Indo- Euroean كانت تقع في جنوبي روسيا، فهناك تحدّ جبال تيان شان وجبال ألتاي أقاليم الاستبس من ناحية الشرق، وتفصلها عن الهضبة المغولية الممتدة شرقاً، وكانت تلك الجبال حاجزاً طبيعياً بين بيئتين وحضارتين مختلفتين اختلافاً كبيراً: بيئة وحضارة توران شرقاً، وبيئة وحضارة آريان غرباً.
كانت التضاريس الغالبة على جغرافيا التكوين الآرياني (الهندو أوربي) جبلية أو سفحية، وكانت أحياناً أراضي منخفضة متاخمة للمرتفعات، وكانت تمتاز بشبكة متشعبة من الأنهار، وبطقس معتدل، وتشابك نباتي متنوع، وكانت تحظى بالريّ الكافي والمراعي الكثيرة، وأدّى ذلك إلى وجود اقتصاد قائم على منتجات الألبان وزراعة الحبوب، ونستطيع تسمية حضارة بلاد آريان باسم (حضارة الماشية). (رالف لنتون: شجرة الحضارة، ج 2، ص 162. بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 273).
أما السهوب المغولية فكانت أكثر جفافاً، وفيها مناطق واسعة جدباء مثل صحراء جوبي Gobi، وكانت في الوقت ذاته كافية لرعي الأغنام والجمال والخيول. ولما كان الجواد أهم تلك الحيوانات شأناً في الاقتصاد المحلي، ففي استطاعتنا أن نطلق على حضارة هذه المنطقة اسم (حضارة الخيل)، وكانت الصراعات تنشب بين الأقوام الآرية والأقوام التورانية (المغولية)، ويبدو أن الآريين اكتسبوا طريقة استخدام الخيل في الركوب والحرب من التورانيين. (رالف لنتون: شجرة الحضارة، ج 2، ص 162. هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ج 2، ص 309).
ولم تكن تلك الأقوام الآرية في استقرار دائم، وإنما كانت تغيّر مواطنها باستمرار، وتخوض صراعات على محورين: محور داخلي فيما بينهم، بسبب ازدياد أعدادهم، وتصارعهم على الموارد. ومحور خارجي يتمثل في صراعهم الطويل مع الأقوام التورانية الطامعة في التمدد نحو الغرب. وقد أشار الفِرْدَوْسي إلى ذلك في (شاهْنامَه)، ومن الأدلة البارزة على ذلك أيضاً: زحف قبائل الغُزّ (الأُوغوز) عام (429 هـ/1037 م) غرباً باتجاه كردستان، والغزو السلجوقي لغربي آسيا ودخولهم بغداد عام (447 هـ/1055 م)، والغزو المغولي لغربي آسيا، ودخولهم بغداد عام (656 هـ/ 1258 م)، ومجيء قبيلة (قايي) الغُزّية (الأُوغوز) وبداية توسعها عام (1326 م) بقيادة أُورْخان بن عثمان، واحتلالهم القُسطنطينية عام (1453 م) بقيادة السلطان محمد الثاني (الفاتح)، ثم الغزو التتري لغربي آسيا بقيادة تيمورلنك عام (805 هـ/1402 م).
ومنذ الألف الثالث قبل الميلاد، ونتيجة للصراعات على ذينك المحورين، وربما لأسباب مُناخية أيضاً، انتشرت الأقوام الآرية جنوباً باتجاه شبه القارة الهندية، وشهد القرن الثامن عشر قبل الميلاد هجرات آرية واسعة باتجاه الغرب، فاستقر الخاتيون (الحثيون) في آسيا الصغرى، والحوريون (الخوريون) في المناطق الشمالية الغربية من نهر الفرات، والكاسّيون (الكاشّيون) في مرتفعات بلاد النهرين، ووصل فريق منهم إلى البلقان، عبر الدوران حول البحر الأسود، أو عن طريق البوسفور والدَّرْدَنيل، ونزل بعضهم في مناطق من سوريا وفلسطين، وبعد أن استقروا فيها بعض الوقت وامتزجوا بأهلها، اتخذ هذا المزيج طريقه غرباً، واحتلوا مصر، وعُرفوا باسم (الهِكْسُوس). (هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ج 2، ص 308. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 296. جمال رشيد أحمد: ظهور الكرد في التاريخ، ج 2، ص 233- 34. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 208).

ونتناول فيما أوائل الآريين الذي شكلوا الجيل الثاني من أسلاف الكرد.

1 - الكاشّيون Kashshu
يسمّى الكاشّيون: (كاشّي، كيشّي، كوشّو، كاسّي، كاسّاي، كاسّيت)، وسُمّوا في العهد القديم (كوش)، ويُنسب اسمهم إلى إلههم (كاش/كاشّو)، ويعني (السيّد)، وقد يكون لهذا الاسم علاقة بكلمة (كاش) التي يطلقها الكرد على الجبال المرتفعة الوعرة، ومعروف أن معظم أسماء مظاهر الطبيعة في الكردية تعود إلى الجذور الآرية العريقة، وإذا صحّ ذلك فإن اسم الإله (كاش) يعني إله الأراضي المرتفعة (إله الجبال). (جمال رشيد أحمد: ظهور الكرد في التاريخ، ج 1، ص 581).
أما بشأن أصل الكاشّيين فقال الباحث الأرمني أرشاك سافراستيان:
" تختلف آراء الباحثين قليلاً فيما يتعلق بهوية الكاسّيت (كاشّو)، ويبدو أنهم كانوا من الشعوب الجبلية ذاتها، كالقبائل الكردية في لُورستان بجنوب غربي بلاد فارس، في سلسلة زاغروس. أما اسمهم (كاشّو) الوارد في الكتابة المسمارية فربما يكون باقياً في اسم إقليم خوزستان الفارسي؛ إنهم كانوا من الشعوب الهندو أوربية، وهم مقاربون جغرافياً وإثنولوجياً لشعب گوتيوم". (أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ص 41).
ونستدل مما رواه أرشاك وغيره أن الكاشّيين يتألفون من أقوام زاغروس القدماء، ومن أقوام آرية (هندو- أوربية)، وفدت إليهم من مركز الانتشار الآري في وسط آسيا، وأقامت بينهم، وامتزجت بهم، وأصبحت الطبقة السائدة والحاكمة فيهم، وكانت مواطنهم تقع في الجزء الأوسط من جبال زاغروس، والمعروفة باسم (لُورستان) Luristan، وهي المنطقة التي يقع فيها الطريق التجاري الشهير (طريق الحرير)، والمشهورة بإنتاج أفضل الخيول في العالم. (محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 298. عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 133. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 205).
وقد امتدت مواطن الكاشّيين من كرمنشاه حتى الضفاف الشرقية لنهر دجلة، وكوّنوا طبقة حاكمة بين أقوام زاغروس القاطنين هناك، وكانوا مهرة في ركوب الخيل وترويضها، وهم أول من أدخل الخيول إلى بلاد بابل، واستخدم العربات التي تجرها الخيول في أيام السلم والحرب؛ وهذا دليل قوي على سيادة العنصر الآري والثقافة الآرية في المجتمع الكاشّي. (جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 212. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 203. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 571).
وفي إطار الصراع الطويل بين أقوام الجبال وأقوام الصحراء على (السهول) بدأ أول ظهور كاشّي ضاغط على إمبراطورية بابل منذ عهد الملك البابلي آمي زادوكا (الملك الرابع بعد حمورابي)، فقد عقد هذا الملك اتفاقية مع العيلاميين عام (1977 – 1956 ق.م) لصدّ هجمات الكاشّيين، وأيضاً ثمة ذكر للهجمات الكاشّية في السنة التاسعة عشرة من حكم الملك البابلي سَمْسُو- إيلُونا Samsu – Iluna (1749 – 1712 ق.م) ومن أبرز ملوكهم في تلك الفترة گانداش (غانداش/جانداش) الذي حكم ٍبين (1741 – 1726 ق.م)، وأطلق على نفسه لقب (ملك جهات العالم الأربع). (جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 211. دياكونوف: ميديا، ص 127. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 252).
وتغلغل الكاشّيون في بلاد بابل خلال عهد سلالة بابل الأولى، ولما صدّ ملوك تلك السلالة هجماتهم توجّه الكاشّيون نحو الشمال الغربي، وأقاموا في منطقة عانَة (خانا قديماً) كياناً سياسياً مستقلاً عن النفوذ البابلي. وحوالي عام (1594 ق.م) أو في عام (1531 م) شنّ الملك الحثّي مورشيلي الأول Mersilis 1 حملة فجائية على بلاد بابل، وأنهى سلالة بابل الأولى، ثم عاد بسرعة إلى عاصمته خاتوسّا/حاتوشّا (بوغاز كوي) بسبب مؤامرة حيكت ضده، تاركاً وراءه في بابل فراغاً سياسياً، فتحرك الكاشّيون بقيادة ملكهم أگوم (آغوم) الثاني لملئه. (جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 173. جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 56. عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 134. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 305).
وقد اتخذ الكاشّيون مدينة بابل (تقع على الفرات (90) كم جنوبي بغداد) عاصمة لهم، ثم اتخذ الملك كوريجالزو (كوريگالزو) الثاني (1345 – 1324 ق.م) عاصمة جديدة للكاشّيين اسمها (دور كوريجالزو)، بمعنى مدينة أو حصن كوريجالزو، وتقع في مكان عقرقوف الحالية، على مسافة (32) كم غربي بغداد. وأطلق الكاشّيون على بلاد بابل اسم (كاردونياش)؛ أي (بلد الرب دونياش) وهو إله آخر للكاشّيين، ولعله من صفات إلههم (كاشّو)، واتبع الملوك الكاشّيون سياسة اللين والترضّي تجاه سكان بابل المحليين، وألغوا كثيراً من الضرائب والخدمات المفروضة على السكان، واتبعوا سياسة التعايش السلمي مع البلدان المجاورة، وعدم الدخول في صدامات مسلّحة قدر المستطاع، وخاصة مع بلاد آشور المجاورة، كما أنهم أقاموا علاقات وطيدة مع فراعنة مصر وحكام سوريا وملوك آشور، فكانت فترة حكمهم في بلاد الرافدين فترة هدوء نسبي على الرغم من طولها. (فاضل عبد الواحد وعامر سليمان: عادات وتقاليد الشعوب القديمة، ص 23. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 305 – 306. سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، ص 5. عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 137).
غير أن سياسة الكاشّيين السلمية لم تحدّ من أطماع ملوك آشور في بلاد بابل، واستغل هؤلاء كل فرصة للتدخل في الشؤون الداخلية للمملكة الكاشّية، واغتنموا فرصة نشوب النزاعات في البلاط الكاشّي حول السلطة، وتمكنوا أخيراً من تنصيب (كوريجالزو) الثاني على عرش المملكة الكاشّية، وبذلك ضمنوا وقوف المملكة الكاشّية إلى جانبهم ضد المملكة الحثية، وازداد تدخّل ملوك آشور في شؤون المملكة الكاشّية مع الزمن، وكان ثمة عدو آخر يتربّص بالكاشّيين، ألا وهم العيلاميون، فقد تحرر هؤلاء من السيطرة الكاشّية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ولمّا دبّ الضعف في المملكة الكاشّية هاجمها العيلاميون بقيادة ملكهم شُوتْروك نَاخُونْتَى Shutrauk Nakhunte (1207 – 1171 ق.م)، واحتلوا العاصمة، وذبحوا الملك الكاشّي (زابابا – شوما – أدينا)، ثم انسحبوا، وكان آخر ملوك الكاشّيين هو (أنليل- نادين- أهى) Enlil- Nadin- Ahhe (1159 – 1157 ق.م)، وفي النهاية صارت مملكة الكاشّيين جزءاً من المملكة الآشورية. وقد استمرت المملكة الكاشّية حوالي ستة قرون، أما حكمهم في بلاد بابل فاستمر لا أقل من أربعة قرون. (جمال رشيد أحمد: ظهور الكرد في التاريخ، ج 1، ص 600. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 320 - 321. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 307. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 550).


2 - الحوريون Hurrites
هذا هو الاسم الشائع للحوريين، أما اللفظ الصحيح له فهو (خُورّي) (بالخاء وتشديد الراء)، ولهذا الاسم صلة بكلمة (خُرَدي) التي ترد في النصوص الحورية والأورارتية، وتعني Huradi (الجندي اليقظ). وورد اسم الحوريين في كتاب العهد القديم باسم (حُورِيم)، مع ملاحظة أن الياء والميم علامة الجمع في العبرية. وثمة اختلاف في تحديد هوية الحوريين؛ فذكر عبد الحميد زايد أنهم ليسوا ساميين ولا آريين (هندو أوربيين)، وأنهم جاؤوا من المرتفعات الواقعة شمال شرقي الهلال الخصيب، بين بحيرة أورميا وجبال زاغروس، وكانوا يقيمون هناك منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ودخلوا في أواخر القرن (13 ق.م)، شمالي بلاد الرافدين وشمالي سوريا، وأسسوا إحدى الممالك القوية هناك، ولم تكن لغتهم سامية ولا آرية، ويميل بعض العلماء إلى اعتبارها قوقازية. (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 373، 561. جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 17، 29).
أما الدكتور توفيق سليمان فذكر أن القبائل الحورية هاجرت إلى شمال غربي بلاد ما بين النهرين، واستوطنت المناطق الواقعة في أعالي الخابور، وقد شكّلت جزءاً مما يسمّى الموجة الهندو- آرية الكبرى، وكانت هذه القبائل قد سلكت طريقة سلمية في انتشارها، شبيهة بالطريقة التي اتبعتها القبائل الكاشّية في بداية دخولها إلى بلاد بابل، وكانت عشائرها بادئ الأمر بدواً رحّلاً، ثم اشتغل بعضهم عمالاً ومستخدمين لدى سكّان القرى والمدن (العمورية)، وخاصة في مملكة (ماري) المجاورة. (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 312).
وأفاد جرنوت فلهلم أن الحوريين لعبوا درواً مهماً في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد في نقل هذه الحضارة إلى سوريا وآسيا الصغرى. وأضاف جرنوت أن المناطق الواقعة على جانبي المجرى العلوي لنهر دجلة وروافده الشرقية كانت المواطن الأولى للحوريين في الشرق القديم. وقد أكّد الدكتور جمال رشيد هذه المعلومات، مستدلاً على ذلك بما جاء في الكتابات المسمارية في الألف الثاني قبل الميلاد، وذكر أن الحوريين (الخوريين) كانوا سكان المناطق الشرقية على نهر الزاب الأسفل، ووصلت مناطق انتشارهم إلى وان شمالاً، وإلى آسيا الصغرى وحلب في شمالي سوريا غرباً. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 24، 29. جمال رشيد أحمد: ظهور الكرد في التاريخ، ج 1، ص 601).
ونخرج مما سبق إلى أن الحوريين هم في الأصل يتألفون، كالكاشّيين، من أقوام زاغروس القدماء، امتزجت بهم عناصر آرية قادمة من الشرق، وتشكّل تكوين جديد عُرف بهذا الاسم. وكانت مدينة (أوركيش) Urkish مركز المملكة الحورية في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد، والأرجح أنها كانت تقع في منطقة الخابور، كما كانت في الوقت ذاته مدينة دينية مهمة، ومركزاً لعبادة الإله (كوماربي) الإله الأساسي في الأساطير الحورية. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 35).
والحقيقة أن الانتشار الحوري تجاوز الجغرافيا الزاغروسية، ووصل إلى شمالي سوريا منذ نحو (2200 ق.م)، وامتد إلى سوريا الداخلية وخاصة حول نهر العاصي، كما أنه وصل إلى سوريا الساحلية (فينيقيا) وخاصة أوغاريت، وذهب الحوريون بعيداً باتجاه الجنوب، يقول جين بوترو: "علينا ألا نستهين بنسبة السكان الخوريين في شمال وادي الرافدين وشمالي سوريا، فهناك نسبة عالية من الأسماء الخورية في نصوص العصر البابلي القديم في (أَلالاخ)، وإن كانت السلالة المحلية سلالة أمورية. ومع القرن الخامس عشر كانت (أَلالاخ) قد أصبحت بشكل عام حورية "؛ هذا مع العلم أن (ألالاخ) تسمّى حالياً (تل عطشانة)، وتقع على ضفاف نهر العاصي. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 107. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكرة، ص 200. بونغارد – ليفين: الجديد حول الشرق القديم، ص 162).
ووصل الحوريون إلى فلسطين، وخاصة مدينة يَبُوس (سمّاها العبرانيون أورشليم، وسماها العرب المسلمون القدس). وقد جاء في كتاب (العهد القديم) أن الحوريين كانوا سكّان جبل (سَعِير) في وادي عَرَبة (بجنوبي الأردن حالياً)، وبعدئذ سُمّيت تلك المنطقة (أَدُوم) نسبة إلى الأدوميين أبناء عيسو بن إسحاق بن إبراهيم، وجاء في (سِفْر التَّكوين، الأصحاح 36، الآيتان 20، 21): " هؤُلاَءِ بَنُو سَعِيرَ الْحُورِيِّ سُكَّانُ الأَرْضِ: لُوطَانُ وَشُوبَالُ وَصِبْعُونُ وَعَنَى وَدِيشُونُ وَإِيصَرُ وَدِيشَانُ. هؤُلاَءِ أُمَرَاءُ الْحُورِيِّينَ بَنُو سَعِيرَ فِي أَرْضِ أَدُومَ". وجاء في (سِفْر التَّثْنِيَة، الأصحاح الثاني، الآية 12): "وَفِي سِعِيرَ سَكَنَ قَبْلاً الْحُورِيُّونَ، فَطَرَدَهُمْ بَنُو عِيسُو وَأَبَادُوهُمْ مِنْ قُدَّامِهِمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ".
وكي نكون أقدر على فهم الصراعات بين القوى الإقليمية في غربي آسيا قديماً؛ ينبغي أن نعرف المصالح التي كانت كل قوة تسعى إلى تحقيقها، وفي هذا الإطار يتضح أن (الجغرافيا) كانت الهدف الرئيسي كل مرة، لكن ليس بالمدلول الطوبوغرافي فحسب، وإنما بالمدلول الاقتصادي والجيوسياسي في الدرجة الأولى، وقد وقفنا أكثر من مرة، وخاصة في سلسلة (دراسات في التاريخ الكردي)، عند أهمية طريقي التجارة العالميين (طريق الحرير وطريق البخور) في السياسات الغرب آسيوية القديمة. ولن نسير في الاتجاه الصحيح- ونحن نبحث في تاريخ الحوريين - ما لم نأخذ في الحسبان دور هذين الطريقين في مسارات التاريخ الحوري.
إن الحوريين كانوا يهيمنون على الجغرافيا الممتدة بين منطقة كركوك في جنوب شرقي جبال زاغروس، وإلى سواحل البحر الأبيض المتوسط في الشمال الغربي، وهذا يعني أنهم كانوا يسيطرون على جزء مهم من طريق البخور القادم من شرقي آسيا، وكانوا يسيطرون على نهايات طريقي الحرير والبخور في السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى سيطرتهم على الشريان التجاري المهم الذي كان يربط بلاد الرافدين بموانئ البحر الأبيض المتوسط، مروراً بمنطقة الجزيرة، وبمدينة كِرْكِميش (قِرْقِميش، قرب الفرات على الحدود التركية السورية الآن).
وعلى ضوء هذه الحقائق نصبح أقدر على فهم أسباب تغلغل الحوريين في سوريا الداخلية، ووصولهم جنوباً إلى البلاد التي سُمّيت في العهد القديم (أرض كَنْعان)، وسُمّيت بعدئذ (فلسطين)، وتغلغلهم في الجنوب أكثر، وتمركزهم في منطقة جبل سعير بوادي عَرَبة، حيث يمر طريق البخور القادم من اليمن عبر غربي شبه الجزيرة العربية، والسائر شمالاً نحو دمشق، ونحو بقية سواحل شرقي المتوسط وآسيا الصغرى.
واللغة الحورية لغة ملتصقة، كما هي اللغة الكردية، وقد حار المؤرخون في تحديد هويتها، كحَيرتهم في هوية اللغة السومرية، يقول جين بوترو: "ولا يمكن تثبيت علاقة أخرى بين اللغة الخورية وغيرها من لغات الشرق الأدنى القديم". (جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكرة، ص 201). ونحسب أن هذه الحَيرة ناجمة عن أمرين: الأول جهل أولئك المؤرخين باللغة الكردية. والثاني هو التعتيم الذي فُرض على الكرد وعلى الثقافة الكردية منذ خمسة وعشرين قرناً؛ حتى إن معظم المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ غربي آسيا ما كانوا يعرفون أن ثمة شعباً قائماً بذاته يسمّى الكرد، وأنهم أصحاب تاريخ عريق في غربي آسيا.
وعلى العموم كانت الثقافة الحورية الزاغروسية الآرية الجذور تنتقل معهم حيثما ارتحلوا وحلّوا، وذكر جرنوت فلهلم أن الحوريين جلبوا معهم التقاليد الدينية الموروثة "من أقدم مواطنهم المعروفة لدينا في كردستان ". ومن أبرز آلهتهم الإله (تِشّوب) Teššup إله الطقس. وكان الإله (أَدَّو/حَدَد/هَدَد) إله الطقس السامي في مدينة خَلَب (حلب) من أهم الأشكال المحلية للإله تِشّوب. وتُعدّ الإلهة شاوُوشْكا Šawuška أهم إلهة حورية، وجاء ذكرها في وثائق عصر سلالة أور الثالثة، وامتزجت هويتها بهوية الإلهة الرافدية عَشْتار، وبقيت معروفة باسمها الحوري حتى نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، وعُدّ تمثالها ذا قدرة على الشفاء؛ ولذلك أُرسل في العهد الحوري/الميتانّي مرتين إلى مصر لتحقيق العافية للفرعون. ومن الآلهة الحورية البارزة الإله (كُومار بي) Kumarbi، ويعود ذكره إلى حوالي (1700 ق.م). وكان المعبد في المجتمع الحوري يسمى (بيت نَرْمَكْتي) أي بيت الطهارة. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 98، 100، 101، 123. فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، ص 154).
وقد ترك الحوريون بصمات حضارية واضحة وكثيرة في غربي آسيا، يقول جرنوت فلهلم: " جاء الحوريون في حوالي نهاية الألف الثالث قبل الميلاد من المناطق الجبلية الواقعة في شمال شرقي بلاد الرافدين، ثم خضعوا لتأثير الحضارة السومرية الأكّادية، ولعبوا درواً مهمّاً في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد في نقل هذه الحضارة إلى سورية وآسيا الصغرى". (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 24).
وقال الدكتور عبد الحميد زايد بشأن المملكة الحثّية الحديثة (1380 – 1190 ق.م): " وقد لوحظ أن الأسرة أصبح لها طابع حوري، وقد تأثرت كثيراً بالحضارة الحورية، فجيش الامبراطورية الذي امتاز بسلاح المركبات قد قام بتدريبه حوري اسمه (كيكولي Kikkuli)، وقد حمل كثير من أواخر الملوك والملكات والأمراء أسماء حورية". (عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 473).
وقال وليام لانجر: " كان أعظم عمل للحوريين، أو على الأصح لقادتهم من الهندو- إيرانيين، هو إدخال العربة ذات العجلتين التي تجرها الخيل إلى مصر وغرب آسيا، حيث أصبحت معروفة بعد عام (1600 ق.م). وعثر الباحثون في سجلات بوغاز كوي [= حاتوشّا عاصمة الحثّيين] على كتاب في تدريب الخيل، كتبه أحد الحوريين المعروفين باسم كيكولي". (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 62).
ولخّص رينيه لابات الدور الحضاري الحوري بقوله إن الحوريين ربطوا على صهوة جيادهم بين آشور وأرمينيا والأناضول وسوريا العليا برباط عنصري وثقافي. (رينيه لابات وآخرون: سلسلة الأساطير السورية، ص 8).

3 - الميتانّيون Mitanni
هذا هو الاسم الشائع للميتانّيين، ويسمّيهم بعض الباحثين (مِيتّاني) و(مَيْتّاني)، وهذا الاختلاف في صيغ الأسماء ناجم عن اختلاف اللغات التي وردت بها تلك الأسماء. ويتفق جميع الباحثين على أن الميتانّيين فرع من الحوريين الذين اندمجوا مع أقوام زاغروس القدماء، ومع استلامهم دفة القيادة في الوطن الحوري صار الطابع الآري- سياسياً وثقافياً- أكثر وضوحاً في المجتمع الحوري وفي المملكة الحورية بشكل عام. (جمال رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، ج 2، ص 241).
وقد هيمن الميتانيون على مقاليد الأمور في المملكة الحورية منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد كما مر، واتخذوا مدينة (آشوكاني/ واشوكاني/ وشّوكّانّي) Washukkanni عاصمة لهم، وهي تعني بالكردية (النبع الجميلة) أو (نبع الطاحونة)، وقد سُمّيت في العهد الآشوري (سِيكاني)، وتعني بالكردية (الينابيع الثلاثون)، ويجزم جرنوت فلهلم أن مكان تلك العاصمة يقع الآن في (تل فخارية/ فخيرية). وقد بسط الميتانّيون سيطرتهم نحو الشرق باتجاه آشور (كانت تسمّى سُوبارْتو) ونحو المناطق الواقعة شرقي دجلة حتى جبال زاغروس ومنطقة أرّابخا (كركوك)، ونحو الشمال في المنطقة التي سُمّيت بعد ذلك أرمينيا، وفي الغرب مدّوا نفوذهم إلى سوريا حتى البحر الأبيض المتوسط. وأول ملك ميتاني معروف هو پاراتارنا Paratarna بن كيرِتا Ki- ir-ta المتوفّى حوالي عام (1520 ق.م)، واشتهر باسم (شوتّارنا الأول) Shuttarna 1 /Shu-ut-tar-na (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 62. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 477. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 343 – 344. جمال رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، ج 2، ص 243).
وقد اتّسعت مناطق نفوذ مملكة ميتانّي نحو الغرب حوالي (1470 ق.م)، وشملت مملكة حلب، وذلك في الفترة التالية لاحتلال الملك الحثّي مورشيلي الأول لها، كما استطاعت مملكة ميتانّي أن تُخضع لحكمها دويلات وممالك صغيرة في الغرب، ومنها مملكة موكيش (أَلالاخ) التي كانت حدودها تبلغ شواطئ المتوسط. ويذكر جين بوترو أنه في أواسط الألف الثاني قبل الميلاد، و" من البحر المتوسط شرقاً إلى نوزي [= قرب كركوك] كان كل شيء ضمن دولة واحدة؛ وهي الإمبراطورية الميتانّية التي حكم فيها طبقة عليا من الهندو- أوربيين شعباً من الخوريين". (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 59. جين بوترو وآخرون: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ص 201).
وكما هو شأن الآريين كان للخيول والمركبات الحربية دور مهم في القوة القتالية الميتانّية، وبما أنها كانت (الخيول والمركبات الحربية) غالية جداً، اقتصر اقتناؤها على فئة محدودة ثرية، وكان هؤلاء يشكّلون فرقة متميّزة في الحرب، ولهم دور حاسم فيها، وعُرف هؤلاء في مملكة ميتانّي وسوريا وفلسطين باسم (مَرِي يَنّي نا)، وهي كلمة رُبطت غالباً بالكلمة الهندية القديمة (مَرِيا)، أي (الفتى، الشاب)، ولا يخفى الشبه اللغوي والدلالي بين هذا الاسم والكلمات الكردية Mér (رجل/بطل/شجاع)، و merî (رجل/صاحب مروءة) و Méranî، (رجولة/ بطولة/ شجاعة)، كما أن شهرة القوس الميتانية خلال القرن الرابع عشر تجاوزت حدود البلاد . (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 50، 87).
ولم تكن ميتانيا القوة الإقليمية الوحيدة في غربي آسيا، خلال القرن (15 ق.م)، وإنما كانت ثمة قوتان أخريان منافستان لها هما: الدولة الحثّية في الشمال الغربي (آسيا الصغرى)، والدولة المصرية في الجنوب الغربي. وعلمنا فيما مر أن الميتانّيين كانوا طبقة حاكمة جديدة من البيت الحوري نفسه، وأنهم ضخّوا دماء جديدة في جسد الدولة الحورية، وورثوا نفوذها الجغرافي الجيوسياسي، بما فيه السيطرة على شبكة الطرق التجارية العالمية، وخاصة الطريق التجاري الواصل بين بلاد ما بين النهرين ومصر عبر شمالي سوريا ووسطها، وكان من الطبيعي- والحال هذه- أن يصطدموا بالقوتين الإقليميتين الأخريين؛ الدولة الحثّية والدولة المصرية، ويصطدموا لاحقاً بالدولة الآشورية في الشرق. (توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 320).
أما الحثّيون فهم شعب هندو أوربي، دخلوا إلى آسيا الصغرى مع الانتشار الآرياني في القرن (18 ق.م)، وأسسوا الإمبراطورية الحثّية القديمة حوالي (1600 – 1380 ق.م)، واتخذوا خاتّوشّا/حاتوشا (بوغاز كوي تقع على بعد 15 كم شرقي أنقرة) عاصمة لهم، وتوجّهوا شرقاً، وقضوا- بقيادة ملكهم مورشيلي الأول - على الدولة البابلية حوالي عام (1594 ق.م) كما مر، وعملوا للسيطرة على مناطق النفوذ الحوري/الميتاني في أعلي ما بين النهرين وشمالي سوريا، ثم آلت إمبراطوريتهم إلى الضعف، وكان الهدف الجيوسياسي السابق الذكر في قلب تلك الصراعات؛ أقصد السيطرة على شبكة طريقي الحرير والبخور في غربي آسيا. (محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 296).
وفي الوقت الذي نشأت فيه الدولة الميتانية، وشهدت نهوضاً قوياً (خلال القرن 15 ق.م)، كانت الإمبراطورية الحثّية القديمة قد ضعفت نتيجة الصراعات الداخلية، وصارت الفرصة سانحة للميتانّيين كي يبسطوا نفوذهم على شمالي سوريا، ولكن ما لبث أن نشأت الإمبراطورية الحثّية الحديثة بين (1380 – 1190 ق.م)، وصارت قوة إقليمية ذات شأن، وصارت تقارع الدولة الميتانية من جانب والدولة المصرية من جانب آخر، ومرة أخرى كان الهدف الجيوسياسي الأساسي هو السيطرة على شبكة طريقي الحرير والبخور في غربي آسيا.
وأما المصريون فكانوا قد أفلحوا، بعد قرن ونصف، في تحرير بلادهم من الغزاة الهكسوس، وتم ذلك على يدي أُحْمُس الأول (1575 – 1550 ق.م)، أول ملوك الأسرة الثامنة عشرة، وراحت قوة الدولة المصرية تتعاظم، وتطلّع ملوك مصر إلى السيطرة على سوريا، ومرة أخرى كان الهدف جيوسياسياً، ويتمثل في السيطرة على السواحل الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، حيث توجد شبكة طريقي الحرير والبخور، وأدرك ملوك مصر أنه لا يكفي أن يسيطروا على سواحل شرقي المتوسط، وإنما لا بد أن يفتحوا الطريق لتجارتهم نحو الشرق، حيث يتوجه طريق الحرير إلى شرقي آسيا، وعلى هذا الأساس بنوا علاقات إستراتيجية مع الكاشّيين في بابل، ثم تخلّوا عنهم، وتحوّلوا إلى بناء علاقة إستراتيجية مع الدولة الآشورية الناهضة والمنافسة للكاشّيين.
وفي القرن (15 ق.م)، وخلال النهوض الميتانّي، ونتيجة للمصالح الجيوسياسية، كان من الطبيعي أن يدخل ملوك مصر من الأسرة الثامنة عشرة في صراع طويل ضد مملكة ميتانّي، حول السيادة على سوريا، و لما تولّى أرتاتاما (ارتاداما) الأول Artatama 1 عرش ميتانيا حوالي سنة (1440 ق.م)، أو (1430 ق.م)، سادت العلاقات الودية مع مصر. وحوالي سنة (1410 ق.م) نشأت صداقة بين الملك الميتانّي شوتّارنا الثاني ابن أرتاتاما والفرعون المصري أمنحوتب (أمنوفيس) الثاني، وتزوّج الفرعون من جيلو-خِپا ابنة الملك الميتانّي, فولدت أمنحوتب (أمنوفيس) الثالث. كما توطّدت العلاقات أكثر بين أمنحوتب الثالث والملك الميتانّي الجديد توشراتا، وتزوّج الفرعون من الأميرة الميتانّية تادو- خِپا ابنة توشراتا. وفي دار محفوظات العمارنة سبعة خطابات من توشراتا إلى أمنحوتب الثالث، تدل على عمق الصداقة فيما بينهما. (جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ص 64. جمال رشيد: ظهر الكرد في التاريخ، ج 2، ص 255. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 478. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 479).
وكانت العلاقات الوطيدة بين ميتانيا ومصر تهدف إلى الوقوف في وجه أطماع الدولة الحثّية، العدو المشترك للدولتين، والحقيقة أن العلاقات الميتانية المصرية لم تكن تقتصر على الجانب السياسي، وإنما كانت ذات أبعاد ثقافية أيضاً، وقد آتت تلك العلاقات ثمارها في عهد الفرعون أمنحوتب الرابع ابن أمنحوتب الثالث، ولعله ابن الأميرة الميتانّية تادو- خِپا؛ إذ أحدث أمنحوتب الرابع (1375 – 1358 ق.م) أو (1367 – 1350 ق.م) انقلاباً جوهرياً في الدين المصري، وأحلّ عبادة الإله الواحد (أَتُون) المرموز إليه بقرص الشمس محل عبادة (أَمُون) المرموز إليه بالعجل أبيس، وأطلق على نفسه لقب (أخن آتون/أخناتون)، ومعناه (أتون راض)، أو (المحبَّب إلى أتون)، ولعل هذه الديانة الشمسانية التوحيدية انتقلت مع الأميرات الحوريات والميتانيات ووصيفاتهن وحاشيتهن إلى البلاط المصري. (ول ديورانت: قصة الحضارة، ج 2، ص 68 – 79. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج1، ص 49. إيمانويل فلايكوفسكي: عصور في فوضى، ص 248 . عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، ص 285).
وكعادة أسلاف الكرد انشغل ملوك ميتانيا بالترف والتناحرات الداخلية، وكان ثمة عدوّان يتربّصان بهم: الحثّيون من الشمال الغربي، والآشوريون من الشرق، وكان الحثيون غير راضين عن علاقات ميتانيا الوثيقة بمصر، وكانوا يعملون لتفاقم الصراعات بين أقطاب الأسرة الملكية الميتانية، وسرعان ما تدخّلوا في شؤونها بشكل مكشوف، وهاجم الملك الحثّي شوپيلوليوماش حوالي (1390- 1350 ق.م) الحدود الشمالية الغربية لبلاد ميتانّي، ثم توجّه بسرعة إلى العاصمة واشوكاني واحتلها، واغتيل الملك توشراتا، وصارت ميتانيا دولة صغيرة تدور في فلك الدولة الحثّية. (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 62. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 485).
وفي الفترة نفسها استغل الآشوريون ضعف الدولة الميتانية، فتحرروا من سلطتها بقيادة آشور أوباليط، ولم يكتفوا بذلك، وإنما شرعوا يهاجمون ميتانيا في عقر دارها، وحوالي عام (1300 ق.م) غزا أداد نيراري الأول ملك آشور بلاد ميتانّي حتى الفرات، وخرّب العاصمة واشوكاني حوالي سنة (1300 ق.م)، وحوالي سنة (1275 ق.م) غزا الملك الآشوري شلمانصر الأول مملكة ميتانيا التي كانت قد تقلّصت جداً، وسمّاها الآشوريون (خانيگالبات/هانيجلبات)، وخرّبها، واختفت مملكة ميتانّي في غياهب التاريخ. (وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، ج 1، ص 63، 83. جمال رشيد: ظهور الكرد في التاريخ، ج 2، ص 247. محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، ص 344. توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة، ص 313).

المراجع
1. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990.
2. أرشاك سافراستيان: الكرد وكردستان، ترجمة الدكتور أحمد محمود الخليل، مطبعة دار سَرْدَم للطباعة والنشر، سليمانية، إقليم كردستان- العراق، 2008.
3. إيمانويل فلايكوفسكي: عصور في فوضى، ترجمة الدكتور رفعت السيّد، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1995.
4. بونغارد – ليفين (إشراف): الجديد حول الشرق القديم، دار التقدم، موسكو، 1988.
5. الدكتور توفيق سليمان: دراسات في حضارات غرب آسية القديمة من أقدم العصور إلى عام 1190 ق.م، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1985.
6. جرنوت فلهلم: الحوريون تاريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، 2000.
7. الدكتور جمال أحمد رشيد: ظهور الكورد في التاريخ، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كوردستان العراق، الطبعة الأولى، 2003.
8. جين بوترو، أوتو إدوارد، آدام فالكنشتاين، جين فيركوتر: الشرق الأدنى الحضارات المبكِّرة، ترجمة عامر سليمان، جامعة الموصل، الموصل، 1986.
9. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
10. رالف لنتون: شجرة الحضارة، ترجمة الدكتور أحمد فخري، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1958.
11. رينيه لابات، موريس سنايزر، موريس فييرا، أندره كاكو: سلسلة الأساطير السورية، ترجمة مفيد عرنوق، منشورات دار علاء الدين، دمشق، الطبعة الأولى، 2000.
12. الدكتور سامي سعيد الأحمد: السومريون وتراثهم الحضاري، منشورات الجمعية التاريخية العراقية، بغداد، 1975.
13. الدكتور عامر سليمان وأحمد مالك الفِتْيان: محاضرات في التاريخ القديم، موجز تاريخ مصر وسوريا وبلاد اليونان والرومان القديم، بغداد، 1978.
14. الدكتور عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967.
15. الدكتور فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1996.
16. الدكتور فاضل عبد الواحد والدكتور عامر سليمان: عادات وتقاليد الشعوب القديمة، جامعة الموصل، العراق، 1979.
17. الدكتور محمد بَيُّومي مَهران: تاريخ العراق القديم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1990.
18. هـ. ج. ولز: معالم تاريخ الإنسانية، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1967- 1972.
19. هـ. ج. ولز: موجز تاريخ العالم، ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1956.
20. ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، الإدارة الثقافية، جامعة الدول العربية، 1968.
21. وليام لانجر: موسوعة تاريخ العالم، أشرف على الترجمة الدكتور محمد مصطفى زيادة، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1959 .

ــــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل في 14 ـ 12 ـ 2009
dralkhalil@hotmail.com