دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية
( الحلقة الثانية والعشرون والأخيرة )
التاريخ والشخصية والنُّخَب

كانت رحلتنا مع هذه الدراسة طويلة ومتشعّبة، ومع ذلك لم يتّسع المجال للبحث في كثير من تفاصيل الشخصية الكردية، واكتفينا بتسليط الضوء على المحاور العامة، والحقيقة أن كل محور بحاجة- في حد ذاته- إلى دراسة تحليلية مستفيضة ومعمَّقة، ونقف أخيراً عند بعض الملاحظات والعلامات الفارقة.
1 – عراقة في التاريخ:
العلاقة وثيقة بين شخصية الشعب وتاريخه، وبقدر ما نفهم تفاصيل التاريخ الكردي نصبح أقدر على فهم الشخصية الكردية. وقد تأكد في المباحث الأولى من هذه الدراسة أن تاريخ أسلاف الكرد في غربي آسيا عريق، بدأه الأسلاف الزاغروسيون منذ العصر الحجري الحديث (النيوليثي) Neolithic، هذا على أقل تقدير؛ أي منذ تسعة آلاف عام قبل الميلاد، وتجلّى حضورهم بقوة في حضارة حَلَف خلال الألف الخامس قبل الميلاد، ثم استكمله الأسلاف السومريون (تلامذة حضارة حلف) في جنوبي ميزوپوتاميا، منذ الألف الرابع قبل الميلاد، ثم انضاف الأسلاف الآريون إلى الأسلاف الزاغروسيين، بدءاً من الألف الثالث قبل الميلاد، وكان النتاج هو التكوين الميدي؛ الجدُّ المباشر للتكوين الكردي المعاصر.
وإن عراقة تاريخ الكرد يعني ضمناً عراقة الشخصية الكردية، فهي ليست شخصية دخيلة على غربي آسيا بأيّ حال من الأحوال، إنها شخصية أساسية في جغرافيا وتاريخ وثقافة هذه المنطقة الحيوية من العالم القديم، وإن أية دراسة تتناول الشخصية الغرب آسيوية والثقافة الغرب آسيوية لا تكون متكاملة، ما لم تأخذ الشخصية الكردية والثقافة الكردية في الحسبان، هذا عدا عن أن ثمة قواسم مشتركة مهمة بين الشخصية الكردية وشخصيات بقية شعوب غربي آسيا (الفرس، الآشوريون، الكلدان، السريان، العرب، الأرمن، الترك)، وتلك القواسم المشتركة تشكّل أرضية تاريخية وثقافية متينة؛ لبناء علاقات وطيدة ومثمرة بين الكرد وجيرانهم، في ظلال البيت الغرب آسيوي الكبير، ولتجاوز نقاط الخلاف التي تنشب عادةً بين الشعوب المتجاورة.
ولا يخفى على الباحثين أن الجزء الأكبر من تاريخ الكرد قبل الميلاد ما زال مطموساً، جزء منه في مخطوطات لمّا تُطبَع بعدُ، وجزء آخر دفين في الأرشيفات، وجزء ثالث مدفون في الخرائب والآثار، وهذا يعني أن بعض ملامح شخصية أسلاف الكرد ما زالت مجهولة، وستصبح الشخصية الكردية أكثر وضوحاً مع ظهور الصفحات المجهولة من التاريخ الكردي.
2 – سمات إشراقية:
مر أن السمة الإشراقية هي الغالبة على الشخصية الكردية، وهذا واضح في صفات الإله الزردشتي آهورامزدا؛ فهو- عموماً- ليس الإله العابس الغاضب المنتقم المتعطّش إلى القرابين الدموية، إنه "الروح الأكثر رحمة"، و"خالق جميع الأشياء الخيّرة "، وهو "المشرق الخيّر"، وتقوم منظومته الإيمانية على "الأفكار الخيّرة، والأفعال الخيّرة، والكلمات الخيّرة"، ويجب على كل مؤمن به أن "يمتنع عن إلحاق الضرر بالآخرين لأجل تمنّي المنفعة والخير لنفسه". وعلى المؤمن به أن يلتزم بقاعدة "حارب الأعداء بعدل، وتصرّفْ مع الأصدقاء بودّ". (أڤستا، ڤينديداد، فارگارد 10، آية 1، ص 312، وفارگارد 22، آية 1، ص 366. وأڤستا، ياشت 1، آية 25، ص 383. وأڤستا، هايتي 35، آية 2، ص 127، وزند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص، 835، 856).
وفي إطار هذه الثقافة الإشراقية انتمى الكرد- على الغالب- إلى ما هو إنساني ومثالي، وكانت القيم السامية أكثر فاعلية في ضميرهم الجمعي، وأكثر تحكّماً في سلوكهم العام، وقد أشار بعض الكردولوجيين إلى هذه الحقيقة، قال ريج: " لدى هذا الشعب بوجه عام الكثير من الفضائل الاجتماعية". (نيكيتين: الكرد، ص 139). وقال سون الذي عاش بين الكرد وتكلم بلغتهم: " إذا أردنا أن نكون عُدولاً في أحكامنا على الكرد، وجب علينا أن نقارب بين كردستان وأوربا قبل 600 سنة. وحتى بالنسبة لأيامنا هذه فإن المقارنة بين الأوربي والكردي لا تسيء إلى الأخير؛ فيما لو جعلنا من القيم المثالية وقواعد الأخلاق معياراً للمقارنة. إننا نجد بين ألف كردي- من أيّ فئة كانوا وكيفما جُمعوا- مجرمين خلقيين أقل بكثير مما نعثر عليه في مثل هذا العدد من الأوروبيين الذين يُجمَعون بالصورة نفسها". (نيكيتين: الكرد، ص 136).
3 – خصائص حضارية:
صحيح أن الكرد دخلوا القرن العشرين وهم مهمَّشون سياسياً وثقافياً واقتصادياً، واقعون في أسر الحياة الرعوية الريفية، ينهشهم التخلف من جانب، وتمزّقهم أنياب الانقسامات القبلية والمناطقية والثقافية من جانب آخر، وتنصبّ عليهم بلايا القهر والقمع والإنكار والصهر، لكن هذا جزء من الحقيقة الكردية، أما الجزء الآخر فهو أن الشخصية الكردية احتفظت بأمرين مهمين جداً:
- الأول: الاحتفاظ بكثير من القيم النبيلة (المروءة، الشجاعة، الكرم، الاعتداد بالذات، عشق الحرية، طيبة القلب)، وإن هذه القيم تؤهّل الكرد لأن يكونوا شعباً مساهماً في الحفاظ على نقاء الفطرة البشرية، وترشّحهم لأن يكونوا شركاء فعّالين في بناة عالم مشرق، عالمٍ ينتمي إلى المبادئ الإنسانية النبيلة، وليس إلى مبادئ المكر والنفاق والنذالة والظلامية والاستعباد.
- والثاني: الاحتفاظ بكثير من الخصائص الحضارية، فالذهنية الكردية عامةً تغلب عليها النزعة العلمية العملية، وهي مؤهَّلة لأن تكون مبدعة على الصعيد الفلسفي والتقني، أضف إلى هذا أنها تنزع إلى التجديد والثورة، وأنها منفتحة على الآخر، غير نزّاعة إلى النرجسية القومية والدينية، والأهم من هذا أنها ليست ذهنية توسعية إمبراطورية احتلالية.
4 – افتقار إلى الپراغماتية:
حينما توضع الشخصية الكردية أمام خيار المبادئ وخيار المصالح، فالأغلب أنها تختار المبادئ وتتخلّى عن المصالح، وتعجز عن التوفيق بينهما، وهذا ما نسمّيه بالافتقار إلى الپراغماتية، وعدم النزوع إلى الأخذ بمبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، ويرجع ذلك في تقديرنا إلى حرمان المجتمع الكردي- طوال خمسة وعشرين قرناً- من وجود طبقة متوسطة (بورجوازية) قوية، تؤسس بنى الاقتصاد، وتقيم شراكة وطيدة مع البورجوازيات الإقليمية والعالمية، وتصبح عبر تلك الشراكة عضواً في النادي الاقتصادي الإقليمي والعالمي، وتتعامل مع الجديد من البضائع، وترفد المجتمع به. وإذا أخذنا بالحسبان أن ثمة ثقافةً في طيّ كل بضاعة، وأن كل ثقافة هي وجه لسياسة، وأنه حيثما تسير البضائع تسير الثقافات والسياسات، أدركنا كم هو مهم دور بورجوازيات الأمم في تطويرها! وكم هي خسارة الكرد كبيرة في هذا المجال!
وقد نتج عن غياب طبقة متوسطة كردية غياب الذهنية الپراغماتية في الشخصية الكردية؛ فالنشاط الاقتصادي عامة، والتجاري خاصة، هو الميدان النموذجي لنشوء الذهنية الپراغماتية، ذهنية (كم أربح؟ كم أخسر؟)، وليس ذهنية (ليكن ما يكن!)، والذهنية الپراغماتية هي بدورها الميدان النموذجي لفهم السلوك المكياڤللي ( الدهاء، المكر، النرجسية القومية/الدينية، تقديم المنافع على المبادئ، تكريس المشاريع التوسعية)، والتعامل مع هذا النمط من السلوك بكفاءة واقتدار.
والحقيقة أن الكرد- أسلافاً وأحفاداً- دفعوا ثمن غياب الذهنية الپراغماتية، وكان الثمن غالياً جداً، فمع تفشّي الغرائز التسلطية في الثقافة السياسية العالمية، ومع شراسة التوجّهات الاحتكارية والذهنيات التوسعية، واندحار القيم الإنسانية في العلاقات الدولية، وسيادة النهج المكياڤللي واتخاذه مبدأً وقاعدة، لم يبق أمام الكرد سوى أن يكونوا في المؤخرة، ويصبحوا هم وبلادهم وثرواتهم عرضةً للتسلط والسلب والنهب، ومادةً ثمينة للمقايضات في بورصة السياسات الدولية.
5 – مافيات ثقافية:
لم تكن جغرافيا الكرد وثرواتهم وثقافتهم فقط عرضة للغزو، وإنما تعرضت الشخصية الكردية للغزو أيضاً ، فمنذ ما قبل الإسلام، وفي العصور الإسلامية، ظهرت (مافيات ثقافية) في غربي آسيا، لبست لَبوس علم التاريخ، وتخفّت تحت عباءة الإسلام، وشنّت حملات ظالمة ضد الكرد، وألحقت بالشخصية الكردية كثيراً من التشويه، تارة بتضخيم ما فيها من عيوب، وتارة أخرى بإلباسها عيوباً ليست فيها، لا بل إن بعض قادة تلك المافيات نسبوا الكرد سلالياً إلى الجن والشياطين، بغرض نفيهم من دائرة الانتماء إلى البشرية، وتجريدهم من الحقوق التي ينعم بها سائر البشر، وألصق بهم آخرون تُهم الإفساد، وعصيان الله، وحرق النبي إبراهيم عليه السلام، بغرض تبشيع صورتهم.
وفي العصر الحديث انضم إلى هذه المافيات بعض الرحّالة والمبشّرين الأوربيين، لأسباب لا مجال الآن لعرضها، فزادوا الأمر تعقيداً، وانعكس جميع ذلك على صورة الشخصية الكردية في الذاكرة الغرب آسيوية، وفي الذاكرة العالمية، وأذكر- على سبيل المثال- أن الروائي اليوناني الشهير كازانْتزاكِس أورد في رواية له- لعلها رواية (زوربا) أو رواية (الإخوة الأعداء)- أن الكرد كانوا يدقّون نعال الخيل تحت أقدام اليونانيين بمناطق البحر الأسود، خلال العهد العثماني. وكان الناقمون على الكرد يستغلون هذه التشويه ضدهم بمهارة في المواقف الحاسمة.
6 – صراع في العمق:
إن الأوضاع الشاذّة التي أُقحم الكرد فيها، طوال خمسة وعشرين قرناً، أحدثت خلخلة عميقة في المجتمع الكردي، اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، وبدلاً من أن يسير المجتمع الكردي وفق خط تطوّري صاعد، سار وفق خط تخلّفي هابط، وأدّى ذلك إلى ظهور الحالة الغرائبية التي عاشها الكرد- وما زالوا يعيشونها- داخلياً وإقليمياً وعالمياً، وكان من الطبيعي أن تقع الشخصية الكردية تحت تأثير تلك التحولات، وتتراجع فيها فاعلية النهج الأهورامزدي، وتتفاقم فاعلية النهج الأهريماني.
والمشكلة أن تأثيرات النهج الأهريماني لم تقتصر على تخريب شخصية عدد كبير من شرائح العامة، وإنما زعزعت أيضاً شخصية كثير من النخب، وتسلّطت من خلالهم على إنتاج قيم الانحطاط وتسويقها وتعميمها في المجتمع الكردي، وأنتجت في النهاية (أخلاقيات العبيد) كما سبق القول، وبما أن الأوضاع الشاذة التي زُجّ فيها الكرد كانت تصبح أكثر تعقيداً وضرراً مع مرور السنين، كان من الطبيعي أن تتفاقم (أخلاقيات العبيد) أيضاً، وتتسلّط على المجتمع الكردي، وتتعمّق حالات الانقسام، والمكابرة، والشعور بالنقص إزاء الآخر، وتتنامى ظاهرات الانسلاخ والانمساخ والخيانة.
7 – سيكولوجيا الجبال:
من حسن حظ الكرد أن سيكولوجيا الجبال ظلت راسخة في شخصيتهم، وتجذّرت بقوة في شخصيات النخب الكردية الأصيلة، إن هؤلاء النخب كانوا- وما زالوا- جبالاً روحية تشمخ إلى جانب جبال زاغروس وطوروس وآرارات، إنهم فجّروا الانتفاضات والثورات واحدة تلو أخرى، وكانوا على الدوام مقاتلين صلبين دفاعاً عن الجغرافيا والهوية، وصحيح أن انتفاضاتهم وثوراتهم كانت تنتهي إلى الفشل، لكن ذلك الفشل يُعَدّ- من المنظور الاستراتيجي الشامل- نصراً مَجيداً للإرادة الكردية.
والأهم من هذا أن النخب الأصيلة لم يكونوا مقاتلين ضد مشاريع الغزو الخارجي فقط، وإنما كانوا مقاتلين ضد الخط الأهريماني في الشخصية الكردية ذاتها، إن المواقف البطولية التي جسّدوها في أفعالهم وأقوالهم، وفي ميادين الحروب، وفي غياهب الزنزانات، وتحت سياط الجلادين، وعلى أعواد المشانق، كانت إكسيراً مباركاً يطهّر الشخصية الكردية من أدران الخط الأهريماني، ويرتقي بها فوق أخلاقيات العبيد، وكانت مشاعل تضيء الدروب للأجيال في قلب الظلمات، وإرادةً حيّة تتصدّى بصلابة لروح الهزيمة، وتُسقط نزعات الانسلاخ والانمساخ والخيانة، وتؤكد أن ينابيع الآهورامزدية في الشخصية الكردية لم تجفّ ولن تجفّ.
8 – أزمنة الصعود:
إن شخصيات الشعوب ليست حالة جامدة، وليست منجَزاً منتهًى منه، إنها مشروع مستمر ومتجدد، قابل للارتقاء وللارتكاس، للتوهّج وللهمود، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشخصية الكردية، إنها في حال تكوين مستمر، وصحيح أن الأهريمانية- وبتأثيرات داخلية وخارجية- هيمنت على الشخصية الكردية في كثير من المسارات، وأنتجت حالة ارتكاسية غرائبية، لكن الآهورامزدية ظلّت متوقّدة في أعماق النخب الأصيلة.
ومنذ بدايات القرن الحادي عشر الميلادي استعادت الشخصية الكردية عافيتها، وبدأت نهوضها أولاً في ضمير المثقفين الكرد الأوائل، من أمثال بابا طاهر الهَمَداني، وملا جزيري، وأحمد خاني، وتلك هي القاعدة الطبيعية، فالنهوض يبدأ على الدوام مع الثقافة والوعي، ثم تجلّى النهوض بقوة في ضمائر بعض قادة المجتمع الكردي منذ بداية القرن التاسع عشر (بدء انطلاقة الثورات الكردية الكبرى)، وبدأت الشخصية الكردية مسيرة التحرر من أغلال الأهريمانية، وشرعت ترسّخ جذورها في الضمير الجمعي الكردي، وبدأت تؤسس ذاكرة جمعية جديدة، معلنةً الحرب على أخلاقيات العبيد وثقافة الهزيمة، وكانت تضحيات الشرائح الأصيلة- نخباً وجماهير- وبطولاتها تقف وراء ذلك الإنجاز التاريخي الجدير بالتقدير.
9– مفترق طرق حاسم:
في القرن العشرين احتفظت الآهورامزدية بخطها التصاعدي، وحقّقت الشخصية الكردية- عبر الثورات وبفضل تقدم الوعي- إنجازات مهمة في مجال تحرير الذات من الانحطاط الأهريماني، حتى ليمكن القول إنها أثبتت وجودها في التاريخ الحديث بكل جدارة. لكن هل خرجت نهائياً من حالة الاغتراب عن الذات؟ لا أعتقد ذلك، إن الصراع الآهورامزدي الأهريماني ما زال محتدماً فيها بقوة، بل إنها على مفترق طرق حاسم وخطير في هذا المجال، فالأهريمانية المتخفّية والمراوِغة تنشط بين حين وآخر، وأخلاقيات العبيد ما زالت قابلة للتفريخ والانتشار، والذهنيات الإمبراطورية لمّا تتزحزح بعدُ عن ثوابتها، وما زالت مصرّة على سياسات التدجين والإنكار والصهر.
وها هي ذي مشاريع العولمة ومغرياتها انضمت إلى المشهد، فزادت الأمر تعقيداً، بل إنها باتت تشكّل خطراً جديداً على سلامة الشخصية الكردية، فأمام هذا الزحف العولمي الكاسح، ثقافياًَ واقتصادياً وسياسياً، كم ستكون الشخصية الكردية قادرة على الاحتفاظ بقيمها الإشراقية؟ وكم سيكون المجتمع الكردي- وخاصة المُهاجِر والمشتَّت والمشرَّد- قادراً على الاحتفاظ بالقيم النبيلة؟ وكم سيكون النخب قادرون على صيانة ذواتهم ومجتمعهم من جاذبيات القيم المادية السائرة تحت لواء العولمة؟ وكم سيكون الكرد قادرين على مواجهة مخطّطات صانعي ثقافة إلغاء الآخر؛ أولئك الذين استيقظوا- مذهولين- على قرع طبول العولمة، وراحوا يخبطون بقسوة كالفيلة الهائجة؟
10 – صناعة التاريخ:
في الحالة الراهنة يقف المجتمع الكردي على مفترق طرق شديد الخطورة، وتمرّ الشخصية الكردية بمخاض عسير، وهي معرّضة لأن تفقد هويتها وأصالتها؛ ولذا زادت أعباء النخب الأصيلة، إنهم مطالبون بالكفاح الواعي والجادّ، للاحتفاظ بجذوة الآهورامزدية متوهّجة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالمزيد من الصلابة والثبات، وبالمزيد من التنسيق المشترك الفعّال، والارتقاء بسلوكياتهم إلى مستوى وعيهم ومهمّاتهم التاريخية، وتطوير أنفسهم باكتساب المزيد من المعرفة، وتعميم المعرفة على الجماهير، وتهديم أركان التخلف، فالمسألة أولاً وأخيراً مسألة وعي، ولا وعي من غير معرفة، وبها تتأسس الشخصية المنتمية إلى ذاتها والمنسجمة مع العالم.
أجل، إن مهمّات النخب الأصيلة صعبة، وثمة حشد من العوائق يعترض طريقهم، بعضها داخلي وبعضها خارجي، وتتضاعف أعباؤهم عندما يبتلون بشركاء وقعوا في أسر فكر الهزيمة، واعتنقوا قيم الانحطاط، وأضاعوا بوصلة الأولويات، وغرقوا في لجج النرجسية، وأخلدوا إلى الجري خلف الملذّات، وتهرّبوا من القيام بالمهمّات الكبرى، إن حال النخب الأصيلة مع هؤلاء تذكّر بقول الشاعر السومري:
" إنني جواد أصيل.
لكنني رُبطت مع البغل.
ووقع عليّ أن أجرّ العربة". (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص 219).
لكن هذا هو قدر أصحاب النفوس النبيلة، إن قدرهم أن يكونوا أبناء الإنسانية المخلصين، ويجرّوا وحدهم عربة المهمات العظمى، وإن عزاءهم فيما يلقون من متاعب وآلام أنهم يصنعون تواريخ الشعوب ومستقبلها، ويفجّرون الإشراق في قلب الظلمة الحالكة، ألم يقل الفيلسوف والشاعر الأمريكي إمرسون Emerson: " التاريخ هو الظلال الممتدة لعظماء الرجال"؟ (أ. و. ف. توملين: فلاسفة الشرق، ص 164).

المراجع
1. أ. و. ف. توملين: فلاسفة الشرق، ترجمة عبد الحليم سليم، دار المعارف، القاهرة، 1980م.
2. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007م.
3. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001م.
4. صمويل كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الأستاذ طه باقر، مكتبة المثنّى، بغداد، ومؤسسة الخانجي، القاهرة، 1970م.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 15 – 9 – 2010
dralkhalil@hotmail.com