دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية
( الحلقة الثامنة عشرة )
ذهنية الكرد الاجتماعية
مدخل سوسيولوجي

الذهنية الاجتماعية لأيّ شعب ليست منفصلة عن بيئته الجغرافية، ولا هي منقطعة عن إرثه الاجتماعي التراكمي عبر العصور، يقول روبرت أمرسون: " إن الأمم هي كالأفراد نتيجة إرث وبيئة، ولكن في حالة الأمة فإن البحث عن أصلها لا يمكن أن يكون بتتبّع الجينات الوراثية، وإنما بالبحث في (الإرث الاجتماعي) الذي ينحدر من جيل إلى جيل". (عامر رشيد مُبَيِّض: موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، ص 132).
وفي أحضان الإرث الاجتماعي يتشكّل (الوجدان الاجتماعي) للأمة رويداً رويداً، وقد فسّره عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بأنه نوع من الرؤيا والتمثّلات Representation المشتركة، تعود إلى أصل مشترك بين جميع أعضاء الهيئة الاجتماعية. (كميل الحاج: الموسوعة الميسّرة، ص 664).
وفي أعماق الوجدان الاجتماعي يتمركز (اللاشعور الجمعي)، ويتدخّل بين حين وآخر لاستثارة الوجدان الاجتماعي بدرجة معيّنة، ولتفعيله في موقف معيّن بهذا المستوى دون ذاك، وإن اللاشعور الجمعي- بحسب عالم النفس كارل يونغ- هو مخزن آثار الذكريات الكامنة التي ورثها الإنسان عن أسلافه الأقدمين، وعليه يُبنى الأنا واللاشعور الشخصي وجميع المكتسبات الفردية الأخرى. وإن الأنماط الأولية Archetypes أو المسيطرات Dominants هي المكوّنات البنائية للاشعور الجمعي، وهي تسمى أيضاً: الصور الأولي البدائية، أو الصور الأسطورية Images Mythological. (كالڤين هول، جاردنر ليندزي: نظريات الشخصية، ص 112، 113، 114).
وجيلاً بعد جيل يصبح (الإرث الاجتماعي)، وربيباه (الوجدان الاجتماعي) و(اللاشعور الجمعي)، ضابطاً عاماً لجميع إيقاعات السلوك الاجتماعي، وقد سمّى تالكوت بارسونز ذلك الضابط باسم (الإطار المرجعي)، ويؤثّر الإطار المرجعي، كلَّ لحظة، في إنتاج وترسيخ الأهداف والقيم الموجّهة للسلوك في جميع المواقف. (عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثقافة، ص 317). وبطبيعة الحال تسهم الأيديولوجيا المهيمنة على المجتمع في تشكيل (الإطار المرجعي)، ونَسْج المنظومة الأخلاقية التي يُفترَض أنها تحقق التوافق والانسجام والنظام ضمن المجتمع. (ر. بوردون، وف. بورّيكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ص 89).
وفي جميع الأحوال ليست الذهنية الاجتماعية الكردية إلا إحدى تجلّيات الذهنية الكردية الكلية، بل إنها تُعَدّ نقطة تلاقي وتفاعل جميع التجليات الأخرى (التجلّي الثقافي، التجلّي السياسي، التجلّي الأخلاقي)، وعلى ضوء هذه الحقائق نبحث في ذهنية الكرد الاجتماعية، ضمن ثلاثة محاور، هي: خصائص النظام الاجتماعي الكردي، وسمات الأسرة الكردية، وموقع المرأة في المجتمع الكردي.
أولاً – خصائص النظام الاجتماعي الكردي
مر المجتمع الكردي بالمراحل ذاتها التي مرّت بها غالبية مجتمعات العالم، وهو شبيه، في كثير من الأوجه، بالمجتمعات المجاورة له في غربي آسيا، ومع ذلك له خصائصه التي يختلف بها- قليلاً أو كثيراً- عن المجتمعات الأخرى، وهذا أمر عادي؛ إذ من المحال أن تكون مجتمعات العالم كلها نسخة واحدة، وهل ممن الممكن أن تكون كذلك وهي مختلفة- قليلاً أو كثيراً- من حيث البيئات والثقافات والتحدّياتٍ؟
ونستعرض فيما يلي أبرز خصائص النظام الاجتماعي الكردي.
1 – الطابع الأبوي (البطريركي): أكّد معظم الباحثين في الإثنولوجيا Ethnology (علم أجناس البشر)، وفي الأنثروپولوجيا Anthropology (علم دراسة الإنسان) أن المجتمعات البشرية كانت، في الأزمنة الغابرة، أمومية الطابع، وكانت السلطة فيها بيد المرأة، والدليل على ذلك أن الإلهات (الربّات) كن أكثر سلطة في فجر البشرية من الآلهة (الأرباب)، ولا يخفى أن ميثولوجيا الشعوب تعكس رؤية نخبها وخصائصهم، ولعل غلبة الطابع الأمومي كان نتيجة لغياب الرجال عن المستوطنة فترة طويلة، بحثاً عن الغذاء (حيوانات، ثمار، جذور)، وكان من الطبيعي أن تتولّى النساء إدارة شؤون الجماعة، لكن ما إن اخترعت المرأة فن الزراعة حتى قضت على مكانتها وسلطتها بيديها، وفتحت الأبواب للرجل، فدخل ملكوت السيادة، واحتل مواقعها، وجرّدها إلى حدّ كبير من امتيازاتها السلطوية.
والمجتمع الكردي مجتمع أبوي (بطريركي) الطابع، ذكوري، فالسلطة العليا تتمركز في يد الأب داخل الأسرة، وفي أيدي الرجال ضمن المجتمع، ولا داعي إلى التفصيل في هذا المجال، فشعوب العالم جميعها- باستثناء بعض الجماعات القليلة جداً والمنعزلة- تستظل بخيمة النظام البطريركي، ومع ذلك ثمة مؤشرات عديدة، تدل على أن بطريركية المجتمع الكردي لم تقض قضاء مبرماً على بقاء بعض بنى ثقافة عصر الأمومة في الوعي الجمعي الكردي، وتمركزها بعمق في اللاشعور الجمعي الكردي، وأثمرت تلك البنى عدمَ تهميش المرأة بشكل كلي، وعدم قمعها بقسوة، على النحو الذي هُمّشت وقُمعت في بعض المجتمعات الشرقية، وسيأتي توضيح ذلك في سياقاتها ضمن هذا المبحث، وبخاصة ضمن محور (المرأة).
2 – الطابع القَبَلي: الظاهرة الأكثر بروزاً في المجتمع الكردي هي تمحورها حول الحالة الرعوية الريفية، ودورانها في فلك النظام القَبَلي، وهو نظام قائم في الأصل على القرابة (النسب)، سوء أكانت قرابة سلالية (الانتساب إلى الجد الأكبر)، وفق النظام الأبوي (البطريركي)، أم كانت قرابة معنوية؛ عبر تكوين حلف قبلي ( الانتماء إلى جبهة واحدة)، ومعروف أن النظام القبلي نظام فريد من نوعه، إنه يدمج على نحو عجيب بين المركزية والديمقراطية في آن واحد، فهو من ناحية يُلزم الفرد بالانصياع التام وغير المشروط لإرادة القبيلة؛ أي عليه أن يتوحّد بالقبيلة رؤيةً وقيماً وسلوكاً، ومن ناحية أخرى يجسّد القبيلة كلها في الفرد، وخاصة في موضوع الثأر.
ويتزعّم القبيلة شخص يحمل في الغالب لقب (آغا)؛ ومعناه (سيّد)، وهو يماثل لقب (دوق) الفرنسي، ولقب (لورد) الإنكليزي، ويبدو أن هذا اللقب جزء من الإرث الاجتماعي الكردي العائد إلى الأسلاف السومريين؛ إذ كان مدير المَشْغَل (المصنع) في العهد السومري، يُدعى (آغو) Agu، (جماعة من علماء الآثار السوفييت:
العراق القديم، ص 197). وما يزال هذا اللقب مستعملاً عند الكرد بالصيغة نفسها (آغو)، وكان يماثله في العهد الميدي لقب (دِياكو/دَيوكو)، بمعنى (صاحب الإقليم)، وأخذت عند الآشوريين صيغة (دهياوكو)، وفي البهلوية صيغة (دِهاك/ دهيك)، وفي العربية صيغة (دِهْقان)، وبقيت حيّة في اسم مدينة (دُهُوك) الكردية بجنوبي كردستان (مجموعة من الباحثين: كركوك، ص 169 ، هامش 5/د. جمال رشيد).
وينبغي أن يكون الآغا من أسرة نبيلة، كريمة الأصل، مرموقة المكانة، ويتميّز بالنبل والكرم، إضافة إلى امتلاك بعض معارف عصره، ومن الضروري أيضاً أن يتّصف بالحكمة والحنكة في إدارة شؤون القبيلة، ويجيد إمساك العصا من الوسط في المواقف الحرجة، ويكون ماهراً في لعبة التوازنات بين مراكز القوى داخل القبيلة. ولا ينفرد الآغا بجميع السلطات، وإنما يستعين بمجلس يضم كبار السن Ri sipî والوجهاء من فروع القبيلة، وبمجرد أن يحوّل الآغا الكردي سلطته إلى مركزية مطلقة، ويدير ظهره إلى الـ Ri sipî والوجهاء، يكون قد جرّ القبلية إلى التفتّت والتخاصم، وحكم على نفسه بالفشل الذريع، وسبق القول بأن الطبع الجبلي ينمّي الفردية في مواجهة السلطة المطلقة، والشبه كبير، من حيث مباشرة السلطة، بين نظام القبيلة الكردية ودول- المدن السومرية، ودول- المدن اليونانية.
وقد أشار نيكيتين إلى ظاهرة توحّد الأرستقراطية بالديمقراطية في القيادة القبلية الكردية، بقوله: "ومع أن سلطة رئيس العشيرة مطلقة، إلا أن كبار المسنّين فيها يمارسون نوعاً من حق الرقابة عليه، ولأصواتهم وزن لا يمكن تجاهله- إن مجلس (ذوي اللحى البيضاء)- أي (ري سِپي)- يُعقَد كلَّ ليلة تقريباً في خيمة الزعيم، لمعالجة القضايا التي تهمّ المصلحة العامة، بالإضافة إلى الأمور الأخرى التي يمكن أن تنشأ في الحياة اليومية للعشيرة". (نيكيتين: الكرد، ص 199). وقال بيكيزاروف : "يعتبر المجتمع الكردي مجتمعاً بطريركياً ديمقراطياً، يتمتع فيه جميع أعضائه- أغنياء كانوا أم فقراء- بحقوق متساوية، والفرق الوحيد بينهم هو أن الأسر النبيلة والغنية بينهم تتمتع باحترام كبير وثروة أزيد". (نيكيتين: الكرد، ص 242).
3 – مركزية بالنَّسَب: إن اهتمام غالبية الكرد بالنسب ظاهرة لا يمكن إغفالها، ومعلوم أن مسألة النسب من لوازم الانتماء القبلي، ومن توابع الحالة الرعوية الريفية، يقول نيكيتين: " إن هذا الإحساس القوي بالروابط العائلية والتفاخر بالأسرة ليس مقتصراً على النبلاء من الكرد وحدهم، بل إن كل كردي يعلم تماماً إلى أيّ أسرة ينتمي، ويعرف تسلسل هذه الأسرة، وكثيراً ما نجد في كردستان أشخاصاً أمّيين؛ يحفظون عن ظهر قلب أسماء أجداد لهم، يمتد تاريخهم إلى خمسة عشر جيلاً. إن لمعرفة هذه الأنساب أهمية كبيرة بالنسبة للعشائر وتاريخها". (نيكيتين: الكرد، ص 178).
وقال نيكيتين أيضاً: "ويتعلق بالأسرة الكردية موضوع نسبها، وتتمسّك الأسر القديمة بنسبها، وتعلّق أهمية كبيرة على عراقتها، وتحافظ على تسلسل نسبها، وليس أحبّ إلى نفس الزعيم الكردي من أن تحدّثه بودّ عن أجداده. وقد تعرف أسماء عدد من أسلافه، فإذا به يُسرع في تَعداد بضعة أجيال أخرى، ويحدّثك عن بطولات أجداده في قتال الترك (الروم كما يسمونهم) والفرس (العجم كما يسمونهم أيضاً)". (نيكيتين: الكرد، ص 178).
وقال مينورسكي في الموضوع ذاته:" يجب أن نتطرق إلى قضية فخر الأكراد بأصلهم ونسبهم، وهنا أراني أفشي سرّاً صغيراً عن الأسلوب الذي يتمكّن به المرء إدخال البهجة والسرور في نفوسهم، ففي أيام رحلتي قد هيّأتُ أو ألّفت شجرة لنسب رؤساء العشائر، وعند الاجتماع بهم حاولت أن أفسّر علاقة ابن العم، أو ابن ابن العم، بعضهم ببعض، كالقول بأن باپير آغا هو ابن عم بايز آغا، أو پيروت آغا. وقد أدّى هذا إلى سرور وغبطة عظيمين، وبدأت التعليقات من كل حَدَب وصوب وإلى ما لا نهاية، وهناك في كردستان كثير من الأمّيين يحفظون عن ظهر قلب عشرة أو خمس عشرة من أسماء آبائهم وأجدادهم". (مينورسكي: الأكراد، ص 62).
وأحسب أن ثمة أربعة عوامل أبقت الطابع القبلي مهيمناً على المجتمع الكردي:
- أوّلها بقاء بعض البنى التوتمية (الانتماء إلى الجد الأكبر) حيّة في الوعي الجمعي الكردي.
- وثانيها استمرار بعض قيم ثقافة العصر النيوليثي فاعلة في العلاقات الاجتماعية، وخاصة روح التضامن والتكامل والتكافل.
- وثالثها ضرورات الحالة الرعوية، كأن تكون العشيرة/ القبلية معاً في المصايف (زُوزان)، والمشاتي (سَرْحَدان).
- ورابعها الصراعات التي كانت تنشب بين العشائر والقبائل، سواء بسبب المراعي، أم لأسباب أخرى كمسألة الشرف.
وعلى العموم كانت القبيلة- كالجبل- نعمة ونقمة على الكرد في آن واحد:
فمن ناحية رسّخت فيهم روح الفردية الشخصية والقبلية معاً، وأبقتهم قروناً طويلة في فلك الانتماء القبلي، وجزّأت الذاكرة الكردية، والوعي الجمعي الكردي، إلى جزر متباعدة، حتى إنها صارت (الإطار المرجعي) الأوحد الذي يضبط إيقاع حركة الفرد والجماعة بشكل عام، فأخّرت تشكّل الوعي القومي الكردي، وحالت دون انتقال المجتمع الكردي من الحالة الرعوية الريفية إلى الحالة المدنية، وحالت من ثَمّ دون اندماجهم في حركة الحضارة العالمية.
ومن ناحية أخرى كانت القبلية- كالجبل- الحصن الوحيد الذي صان الوجود الكردي من الفناء فيزيائياً وثقافياً، وبفضلهما- القبيلة والجبل- ظلّت شعلة الكردايتي (الانتماء إلى الهوية الكردية) وقّادة طوال خمسة وعشرين قرناً، بل كانت تلك الشعلة تتحوّل إلى براكين ثائرة بين فترة وأخرى، وصحيح أن تلك الثورات لم تحقق أهدافها، لكنها حققت شيئاً مهمّاً جداً؛ ألا وهو أن الكرد باقون كرداً، وأنهم يستعصون على مشاريع السلخ والمسخ والصهر والإفناء، ولو تتبّع المرء مسارات الثورات الكردية، صغراها وكبراها، قديمها وحديثها، لوجد أنها تتمحور حول قطبين: القبيلة والجبل.
4 – الوضع الطبقي: لا يختلف المجتمع الكردي عن شعوب العالم، من حيث اشتماله على فئات طبقية متنوّعة، ويمكن تمييز أربع فئات ضمن المجتمع الكردي:
- الأولى فئة الرعاة والريفيين، وهم القسم الأعظم، ويكابدون كثيراً من العناء والشقاء للحصول على متطلّبات العيش الأساسية، وليسوا على تماس مباشر مع التمدّن.
- والثانية فئة التجار والحرفيين، وهؤلاء أفضل حالاً من الرعاة والريفيين، وأقل مكابدة للعناء، وأكثر تواصلاً مع التمدّن.
والثالثة فئة المثقفين، وتشمل علماء الدين والموظفين، وهم أقل عدداً من الفئة الثانية، وأكثر وعياً واستعداداً للتمدّن.
والرابعة فئة الإقطاع (الآغاوات)، وهؤلاء أقل عدداً، لكنهم أكثر بروزاً وتأثيراًّ؛ إذ في أيديهم المال والسلطة.
وفيما يلي بعض ما قيل بشأن الوضع الطبقي في المجتمع الكردي.
قال دبليو آر، الحاكم الإنكليزي لمدينة أربيل: " لقد بيّنتُ في تقرير رسمي لي أن هذا الشعب ينقسم إلى ثلاثة صنوف هي: الآغاوات الصالحون، والآغاوات الطالحون، وعامة القوم. وسنتناول أولاً عامة القوم؛ فهؤلاء هم أفضل أناس شهدتهم في الشرق حتى الآن". (دبليو آر. هي: مذكرات دبليو آر، ص 79).
وقال مينورسكي: " في كثير من الأماكن يُنظر إلى الآغا كأنه الغازي المنتصر، والرعية كأنها من جنس آخر، وللحقيقة يجب أن يقال: إن شخصية الآغا فيها من النبل والكرم إلى درجة أنه يمكن تمييزه عن الفلاحين من أول نظرة، وفيها قابلية خارقة للسيطرة". (مينورسكي: الأكراد، ص 35).
وقال نيكيتين: "إن الإقطاع في كردستان، في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، ... أوجد الاقتصاد الطبيعي الذي يعتمد على الملكية الخاصة للمواشي، وحمى الفلاحين من خطر غزو العشائر الرحل. كما أنه حافظ على كردستان كوحدة متماسكة ضد تسلّط إمبراطورية العشائر الغازية؛ التي استطاعت السيطرة على البلدان المجاورة لكردستان، وبإسهامه في مقدرات الإقطاع في عموم آسيا الأخرى، تحوّل بنفسه أيضاً إلى عائق كبير أمام التطور اللاحق للقوى المنتجة في المنطقة. إن الإقطاع الكردي دمّر في الواقع رفاهية المجتمع الكردي؛ لأنه أبقى على الأشكال القديمة للاقتصاد". (نيكيتين: الكرد، ص 233-234).
وقال فيلجيفسكي: "إن الإقطاع الكردي أخذ يتضعضع ذاتياً مذ بداية القرن التاسع عشر، وغدا عائقاً أمام تطور القوى الاقتصادية الجديدة؛ التي تولّدت جزئياً بتأثيره هو نفسه بعد تفكّك الأسر النبيلة وذوبانها في العشائر". (نيكيتين: الكرد، ص 234). وقال فيلجيفسكي أيضاً: "إن هذا النظام ساعد على إبقاء كردستان بمنجًى من مطامع الغزاة الأجانب، ومكّنها من أن تحافظ على شخصيتها؛ إلا أن كردستان لن تتمكن من أن يتحوّل شعبها إلى أمّة، ويقيم دولة خاصة به، ما لم تجتز هذه المرحلة من حياتها". (نيكيتين: الكرد، ص 243).
نظرة تقويمية:
نخلص مما سبق إلى أن ثمة اتفاقاً على أن الإقطاع القبلي أضرّ بالمجتمع الكردي من حيث التطور، لكنه حافظ في الوقت نفسه على الهوية الكردية من الانمحاق، والحقيقة أن الإقطاعيين الكرد (الآغاوات) كانوا ضحية الوضع الشاذ والبائس الذي أُقحم فيه الكرد- رغماً عنهم- منذ خمسة وعشرين قرناً، وذلك بتهميشهم من قَبل قادة الذهنيات الإمبراطورية التوسّعية، وقذفهم إلى خارج حركة التاريخ والحضارة، وكان من الطبيعي- والحال هذه- أن ينتج ذلك الوضع الشاذ والبائس في النهاية إقطاعياً بذهنية رعوية ريفية، إقطاعياً متخلّفاً بالقياس إلى الإقطاعي الأوربي. وبدا أيضاً أن المهتمين بالمجتمع الكردي لاحظوا الدور الإيجابي الذي قام به الإقطاع الكردي؛ ألا وهو الحفاظ على الهوية الكردية من الانمحاق التام، ومن الإنصاف القول بأن بعض الزعماء الكرد- سوء أكانوا قادة عشائر/قبائل، أم شيوخ طرق صوفية، أم مجرّد ملاّكين للأراضي- جسّدوا في شخصياتهم أنقى درجات الأصالة الكردية، بكل ما تعنيه من نبل، وشجاعة، وبسالة، وصلابة، وروح فداء، وتمسّك بالكرامة، وعشق للحرية، وصحيح أن هؤلاء كانوا قلّة، بالقياس إلى المتهاونين والمتقاعسين والمتخاذلين والمرتزقة والخونة والممسوخين، لكنهم كانوا- على مدار التاريخ الكردي- في الخندق الأول للدفاع عن الهوية والكرامة، وقد ذكرنا في مبحث (قيم البطولة والفداء) من هذه الدراسة نزراً يسيراً من مواقفهم وبطولاتهم، ويزخر تاريخ الكرد بأضعاف ما ذكرناه.
ولذلك كانت الحكومات المسيطرة على كردستان تعمد، بعد القضاء على كل ثورة، إلى فصل الزعماء عن الجماهير، كما يُفصَل الرأس عن الجسد، قال نيكيتين: " وفي أيار/ مايو 1932 صدر مرسوم بتهجير وتشتيت الكرد من مناطق سكناهم إلى القرى التركية، على ألاّ تتجاوز نسبتهم 5 بالمئة من السكان الترك في أيّة قرية، وأُجبر الزعماء الكرد على الإقامة في المدن، على ألاّ تبقى لهم أيّة صلة بسائر الكرد. ولم يكن مضمون هذا المرسوم سوى إعادة لنصوص مرسوم آخر طُبّق خلال الحرب الأولى عام 1914". (نيكيتين: الكرد، ص 311).
وذكر زِنار سُلُوپي (قدري جميل پاشا) كثيراً من الشواهد في هذا المجال، وكان معاصراً لها، قال بصدد ثورة شيخ سعيد پيران: "لم تمض سنة واحدة على نشوب الانتفاضة، حتى بدأت حكومة أنقرة، بغية إخلاء كردستان من سكانها الأكراد، بتهجير أشهر زعماء القبائل الكردية إلى الأناضول، كخطوة أولى...، لم يكن وارداً بقاء أفراد أسرة واحدة في منطقة واحدة، حيث كانوا يُرسَلون إلى مناطق مختلفة، ليبقوا بعيدين عن بعضهم البعض، وبعد مرور فترة من الزمن، خفّفت السلطات تلك الشروط، وسمحت بالتالي لأعضاء أسرة واحدة بالبقاء في منطقة واحدة والسكن المشترك". (زنار سلوبي: في سبيل كردستان، ص 127).
ثانياً – سمات الأسرة الكردية
الأسرة هي الخلية الأساسية وحجر الأساس في كل مجتمع، وفيها يتمثّل جميع خصائص الأمة وملامحها؛ إيجابياتها وسلبياتها، نقاط قوّتها وضعفها، مدى تخلّفها وتحضّرها، مستوى بؤسها ورفاهيتها، مظاهر استقرارها وقلقها، تماسكها وتفكّكها، تساميها وانحدارها، انفتاحها وانغلاقها. وإن جميع هذا ينطبق على الأسرة الكردية، إنها كانت مرآة نقية تعكس حالة المجتمع الكردي في جميع العهود، وكانت تجسّد بدقة جميع خصائصه وإيجابياته وسلبياته، ونلخّص فيما يلي بعض سمات الأسرة الكردية.
1 – روح المشاعية: الطابع العام للأسرة الكردية هي أنها ممتدة متماسكة، تجمع بين الجد والحفيد في دائرة واحدة، وثمة في الوجدان الجمعي لكل فرد- كبيراً كان أم صغيراً- شعور قوي بالالتزام والتضامن إزاء الآخر، بدءاً من تقاسم لقمة العيش، وانتهاء بتقاسم المسرّات والأحزان والمنغِّصات والمشكلات، ولا يشعر الفرد في الأسرة الكردية- كائناً من كان- أنه عالة على الأفراد الآخرين من أسرته، إنه يعيش في ظل خيمة " مِن كلٍّ حسبَ طاقته، ولكلٍّ حسبَ حاجته"؛ هذه الخيمة التي أراد جميع المصلحين والفلاسفة العظام أن تأوي إليه مجتمعاتهم، كلٌّ على طريقته.
وبتعبير آخر: إن الأسرة الكردية احتفظت، إلى حدّ كبير، بقيم المشاعية التي كانت سائدة في العهد النيوليثي، والتي تتلخّص في مبدأ (الواحد للكل، والكل للواحد)، ومن أعظم بركات هذه القيم أنها منحت الفرد ثلاثة أنواع من الأمان، كانت كفيلة بخلق مُناخ نفساني صحي، وتأسيس شخصية متّزن ومتوازنة، وبعيدة عن العقد النفسية والاجتماعية، وتلك الأنواع من الأمان:
- الأمان الوجودي: إذ تحمي الأسرة الفرد من أيّ اعتداء يمكن أن يتعرّض له، ويشعر على الدوام أن له ظَهر.
- والأمان المعيشي: إذ يحصل الفرد في كنف الأسرة على متطلّبات العيش الأساسية (مطعم، مشرب، ملبس، مأوى)، ويشعر أن له الحق الطبيعي في ذلك، حتى وإن لم يوظّف طاقته بالقدر الكافي في ما هو مطلوب، بل حتى لو كانت تصرفاته تُرهق الأسرة مادياً ومعنوياً .
- والأمان النفسي: إذ لا يقع الفرد في شباك الغربة النفسية، ولا يشعر بأنه دخيل، أو أنه غير مرغوب فيه.
2 – التراتبية الاجتماعية: تقوم العلاقات في الأسرة الكردية، على نظام صارم من التراتبية الأدبية، فللجد، ثم للأب، السلطة العليا في الإدارة واتخاذ القرارات، لكن ذلك لا يعني أنه يهمل آراء الجدة والزوجة والأولاد في جميع الأحوال، ويأتي دور الجدّة والأم في المرتبة الثانية بعد مرتبة الجد والأب، وإن كان تأثيرها العاطفي أكثر رسوخاً في قلوب الأبناء والبنات من تأثير الأب، وإن انفتاحها على الأولاد يولّد عندهم الشعور بأنهم أقرب إليها، وأقدر على محاورتها والإفضاء إليها بما في نفوسهم، والحقيقة أن حزم الأب وصرامته من جانب، ولطف الأم وقربها النفسي من الأولاد، يخلق مناخاً نفسياً واجتماعياً متوازناً داخل الأسرة، ويجّنب الأولاد- ذكوراً وإناثاً- كثيراً من العقد النفسية والمشكلات الاجتماعية.
وعلى العموم تربّي التقاليد الكردية الأولاد- ذكوراً وإناثاً- على احترام الجد والجدة، والأب والأم، والأعمام والعمّات، والأخوال والخالات، وإنه لمن المعيب جداً أن يخرج الابن أو البنت على تلك التقاليد، وينظر الجميع على الابن العاق أو الابنة العاقة بكثير من الاستهجان والسخط، بل قد يتطوّع بعض الكبار من الرجال والنساء بتوبيخ العاق أو العاقة، والتنبّؤ لهما بأنهما سيلاقيان المعاملة ذاتها من أولادهما مستقبلاً، مع الأخذ في الحسبان أن نسبة العقوق في المجتمع الكردي قليلة جداً، وهي عند البنات أقل.
قد نقل نيكيتين عن أحد الرحّالة قوله: "الأسرة الكردية تتقيد تقيدا تاماً بالتسلسل الرتبي لأفرادها، ونشاهد أمامنا يومياً أمثلة غريبة على ذلك ". ثم أضاف نيكيتين قائلاً: "أمامنا حالة الحاج نجم الدين الذي يسرع إليه ابنه البكر خادماً مطيعاً عندما يكون بحاجة لجمرة نار يشعل بها غليونه، فيحمل له طلبه، ويقدمه له بكل احترام. وإذا كلّف الابن البكر أخاه الأصغر منه بحاجة ما فإن هذا الأخير يلبّي طلبه بمثل الاحترام والطاعة اللذين يدين هو لوالده لهما، وإن كان الفرق في العمر بينهما لا يتجاوز السنتين- وهكذا يجري التسلسل بين الآخرين حسب نظام التسلسل التدريجي". (نيكيتين: الكرد، ص 177).
ونقل نيكيتين عن رحّالة آخر قوله: "لا يحق للفتيان الكرد، وإن كانوا من أبناء الزعيم، الجلوس بحضور الكبار، بل يجب عليهم البقاء واقفين لخدمتهم وتقديم القهوة والغليون لهم. وإذا ما دخل أحد الفتيان الخيمة، فإنه يقبّل أيادي جميع الموجودين الذين يكبرونه سنّاً، وهؤلاء يقبّلون جبينه بالمقابل. أما إذا دخلها من هو أكبر سناً ممن هم فيها فإنه يكتفي بأن يصافح الزعيم، ويكتفي الآخرون بأن يرفعوا أيديهم إلى جبينهم دليلاً على الاحترام". (نيكيتين: الكرد، ص 177).
3 – العلاقات الزوجية: إن الاختلاط بين الرجال والنساء، في المجتمع الكردي، أتاح للفتيان والفتيات رؤية بعضهم بعضاً قبل الزواج، ولذا فكثيراً ما يكون الزواج ثمرة حب بين الطرفين، ولا يتفاجأ طرف بأمور غريبة وشاذّة في الطرف الآخر بعد الزواج، قال نيكيتين:" وليس من عادة الكرد الحد من حرية نسائهم، ذلك أنهن فاضلات مع تأنّق ولياقة وبشاشة، ولا وجود للبغاء بين الكرد، بل إن كثيراً من الوسائل المنتشرة في الشرق تكاد تكون مجهولة لديهم، ويتم التعارف بين الفتيان والفتيات بصورة جيّدة، ويسبق الزواج عادة حب متبادل بين الفتى والفتاة، وذلك أن للمشاعر الرومانسية سيطرةً واسعة على قلوب الكرد". (نيكيتين: الكرد، ص 167-168).
وإن التعارف المسبق بين الزوجين قبل الزواج، في إطار من العفّة والتقاليد الاجتماعية السائدة، يشيع الاستقرار النفسي في مسيرة الحياة الزوجية، ومنذ الأيام الأولى يشمّر كل من الزوج والزوجة عن ساعديهما، لبناء عيش مشترك أفضل، ولا ريب في أن البيئة الرعوية والريفية تفرض على الزوجين أن يتحمّلا عبئاً ثقيلاً من التعب والكدح المستمر، ويتحلّيا بقدر كبير من الصبر والتفاهم والتضامن، والحقيقة أن الرجل والمرأة، في المجتمع الكردي، يتميّزان بقسط كبير من الشعور بالمسؤولية، كلٌّ تجاه الآخر، وكلاهما تجاه الأسرة، ويضربان أروع الأمثلة في التفاني والإخلاص، وعدم الانسياق وراء الرغبات والمتع الشخصية.
ولذا فإن تعدد الزوجات قليل في المجتمع الكردي، وينحصر في البيئات الغنية (الزعماء والوجهاء)، وعندما لا تلد المرأة أبداً، أو عندما تلد الإناثَ فقط، كما أن الطلاق قليل جداً، وعلى سبيل المثال طوال نصف قرن لم تحصل في قريتنا Korzsêl إلا حالتا طلاق، وكان الرأي العام في القرية يستنكر ذلك، ويرى من الظلم أن يبادر الرجل إلى تطليق زوجته، وإبعادها عن أولادها وبيتها، بعد أن ذاقت معه مرارات الحياة، والحقيقة أن الزوجين ينصرفان بعد الزواج مباشرة إلى بناء حياتهما على أسس مشتركة من التفاهم العفوي والتكامل الغريزي، ويساعدهما الأهل في ذلك، وإذا نشبت مشكلة بينهما، وهجرت الزوجة بيتها، عائدة إلى بيت والديها، غالباً ما يكون الردّ هو:
"ji wî re to mirî ji gornê re To mayî"
إن حييتِ فأنتِ له (الزوج)، وإن متّ فللقبر.
وبشأن العلاقة بين الزوج والزوجة قال نيكيتين: " والمرأة الكردية، شأنها شأن نساء كثير من الشعوب، لا تنادي زوجها وأعضاء الأسرة الذين يكبرونها سنّاً بأسمائهم، فهي عندما تخاطب زوجها تقول: (أَيه) أو (أَتُو)؛ أي أنت... والزوج لا ينادي زوجته باسمها، بل يقول لها (كَچَى) أي: يا فتاة". (نيكيتين: الكرد، ص 185). كما أن الزوج ينادي زوجته أحياناً باسمها في البيت، أما أمام الآخرين فالأكثر استعمال بعض الكنايات، مثل (دِيا فلان...) Diya … ، ويذكر اسم ابنهما البكر، ومثل (مالا مَه) Mala me، ومع أن كلمة Mal بالكردي تعني (بيت)، لكن المفهوم من هذه الكناية هو (سيّدة البيت)، وهو وصف دقيق حقاً، لأن الزوجة هي ملكة البيت غير المتوّجة، ولها كلمة مسموعة في شؤون العيش وقضايا الأسرة، ويعير الزوج أقوالها وآراءها كثيراً من الاهتمام (انظر دبليو آر . هي: مذكرات دبليو آر، ص 59 – 60).
4 – رعاية الأولاد: يحبّ الكرد كثرة الأولاد، وخاصة الذكور، والأرجح أن هذه الظاهرة ترجع إلى عاملين: الأول طبيعة الاقتصاد السائد في المجتمع الكردي، فهو اقتصاد يقوم على الرعي والفلاحة، وكلاهما يتطلّبان عدداً وفيراً من الأيدي العاملة، ومن القادرين على القيام بالأعمال المُجهِدة. والعامل الثاني الحاجة الماسة إلى وجود قوة قتالية تدافع عن العشيرة/ القبيلة/العائلة داخلياً، وتواجه الغزوات الخارجية التي لم تكن كردستان بمنجاة منها قطّ. وقد قال مينورسكي: "الأكراد يحبون كثرة الأولاد، فترى حول كل رئيس عدداً كبيراً من أولاده، عشرة أو اثني عشرة". (مينورسكي: الأكراد، ص 76).
والكردي- رجلاً كان أم امرأة- شديد التعلق بأولاده، كثير الحنوّ عليهم، يحاول، بقدر إمكانياته المادية، وبقدر ما تسمح له الظروف، أن يوفّر لهم حياة هانئة ومستقرة، لكنه في الوقت نفسه حازم في تربيتهم، صارم في محاسبتهم، ويؤلمه جداً أن يجرّ عليه ابنته أو ابنته سُمعة سيّئة، ويكون مبعث فخره أن يقال عن أولاده: إنهم مجدّون في أعمالهم، ذوو خلق رفيع، يحترمون كبار السن. وقال دانا آدمز في هذا الصدد: "والكرد يحبّون أولادهم حباً جنونياً؛ إلاّ أن تربيتهم لهم صارمة وخشنة". (دانا آدمز شمدت: رحلة إلى بلاد شجعان، ص 234).

موقع المرأة في المجتمع الكردي
في اعتقادي أن ثمة مقياسين (ترمومترين) دقيقين جداً لقياس المجتمع أيّاً كان، وفي أيّ عصر كان، وفي أيّ مجال كان، وبأيّ مستوى كان، هما الطفل والمرأة. وكي ننفذ إلى صميم ذهنية مجتمع ما، ونحكم على ثقافته ومنظومته الأخلاقية، يكفي أن نحلّل موقع الطفل والمرأة فيه، ولذا أفردنا عنواناً خاصاً للمرأة. فماذا عنها في المجتمع الكردي؟ وما موقعها في البناء الاجتماعي العام؟
1- السفور وحرية الاختلاط: بداية ثمة فرق بين ثلاثة أشياء: الحجاب، والبُرْقُع، والنِّقاب؛ إذ ثمة تداخل بينها في كتابات بعض الكردولوجيين، وربما كان بفعل الترجمة، فالحجاب غطاء (منديل) تضعه المرأة على رأسها، ليخفي أكثر شعرها، ويخفي رأسها من الخلف والجانبين، ويبقى الوجه بالكامل سافراً. أما البُرْقُع فقطعة قماشية، تغطّي بها المرأة مقدمة أنفها وفمها وفكها الأسفل فقط. وأما النِّقاب فقطعة قماشية تُسدله المرأة من فوق رأسها على كامل وجهها، فلا يُرى منه شيء.
ومن حيث الأصل، وتبعاً للعادات الكردية الاجتماعية والدينية، لا وجود للبرقع والنقاب في المجتمع الكردي، وإنما ثمة الحجاب فقط، وهو يوازي العمامة عند الرجل، لا بل إن المرأة الكردي كانت ترتدي كوفية (عمامة خاصة بالنساء)، وقد وجدت كثيراً من نساء الكرد يرتدين الكوفيات، وخاصة في الأعراس، وإذا وُجد البرقع أو النقاب في بعض البيئات الكردية- وخاصة في المدن- فهو عادة دخيلة على المجتمع الكردي، وقد تنبّه كل من خالط الكرد إلى ظاهرة سفور وجه المرأة الكردية، قال نيكيتين: "إن النساء الكرديات لا يعرفن الحجاب [= النقاب] على الإطلاق، ولا يُخفين وجوههن أبداً". (نيكيتين: الكرد، ص 161).
ومن حيث الأصل أيضاً لا يوجد نظام الحريم (حَرَمْلِك) في المجتمع الكردي، وإن وُجد في حدود ضيّقة فهو دخيل على العادات الكردية كالنّقاب. وإن سفور المرأة مرتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية الاختلاط بين الجنسين (الذكور والإناث) في المجتمع الكردي، ويتجلّى ذلك الاختلاط في جميع مواقع الحياة اليومية، ولا يُعَدّ السفور والاختلاط، بأيّ حال من الأحوال، شكلاً من الخلاعة والميوعة والانفلات، فالأصل في الخُلق الكردي الرعوي والريفي هو العفّة والثقة بالآخر، وعدم اتّهامه ضمناً- عبر إخفاء الوجه عنه- بأنه فاسد النية، وشاذ ومهووس جنسياً. ولظاهرة السفور والاختلاط في المجتمع الكردي علاقة بطبيعة نظرة كل من الرجل والمرأة إلى الآخر، إنها نظرة أسمى من أن تنحصر في الأغراض الجنسية الرخيصة، كما أنها مرتبطة بالمكانة المحترمة للمرأة في المجتمع الكرد، وبالثقافة الديمقراطية التي ورثها الكرد منذ العهد النيوليثي.
ولنستمع إلى ما كتبه نيكيتين في هذا الصدد مستعيناً بالرحّالة سون: "لا تضع النساء الكرديات الحجاب [النِّقاب] على وجوههن، ويختلطن أيضا بالرجال عند عقد الاجتماعات، ولهن الكلمة التي يستمع إليها رجالهن. يقول سون: في كثير من القرى كانت ربّة البيت تستقبلني في غياب زوجها، وتشاركني الحديث ببهجة وسرور، دون هذا الخجل والاحتشام والضعف المصطنَع للنساء التركيات والفارسيات، بل ويتناولن الطعام معي أحياناً. وعندما يعود زوجها لا تترك الضيف لوحده، مؤكدةً بذلك على اهتمامها به، حتى يدخل الزوج المنزل بعد نزوله عن جواده وربطه في الحظيرة". (نيكيتين: الكرد، ص 167-168. وانظر مينورسكي:الأكراد، ص 74).
وقال حاكم أربيل الإنكليزي دبليو آر: "والكرد يعاملون نساءهم باحترام يفوق احترام جُلّ الشعوب المحمدية الأخرى، ولا يعمد إلى عزل نسائهم إلا الشيوخ [رجال الدين المسلمون]، ولقد نجحت هذه العادة في وقت متأخر جداً، ومردُّها إلى التأثير التركي حصراً، وتتجوّل النساء في كل مكان بحرية شأنهن كشأن الرجال، ... إن أغلب الزعماء يخضعون إلى حد كبير وإلى حد صغير لنسوتهم، وإني أرى أن هؤلاء النسوة يمارسن تأثيراً حسناً، ويحلن دون الرأي السفيه الذي قد يراود بعولتهن". (دبليو آر . هي: مذكرات دبليو آر، ص 59 – 60).
2 - المهام الاجتماعية: من الإنصاف القول بأن المرأة الكردية تتعب أكثر من الرجل، إنها تقوم بكل متطلّبات الحياة اليومية (احتطاب، جلب الماء، تخبيز، إعداد الطعام، ترتيب البيت، غسل، تنظيف، تربية الأطفال، إلخ)، وفوق هذا تشارك الرجل في كثير من الأعمال التي تفرضها الحياة الرعوية والريفية، وهذه حقائق معروفة في المجتمع الكردي، والمرأة الكردية تستحق وسام الإخلاص والتفاني بكل جدارة.
ولندع الآخرين يدلون بشهاداتهم في هذا الميدان، فقد نقل نيكيتين عن مينورسكي قوله: "لا ريب في أن جميع الأشغال المنزلية الشاقة تقوم بها النساء، فهن يحمّلن الدواب، ويُنزلن عنها الأحمال، ويحملن الماء، ويصعدن إلى مواقع رعي القطعان لحلبها، كما يقمن أيضاً بجمع الأحطاب والمحروقات الأخرى، وينقلنها إلى منازلهن للتدفئة والطبخ. ولا يتخلّين أثناء عملهن هذا أبداً عن أطفالهن الذين يعلّقنهم على ظهورهن بواسطة أحزمتهن الطويلة. ولئن كانت النساء يكتسبن من هذه الأعمال المرهقة قوة جسمانية كبيرة، فإنهن يفقدن بها كذلك أنوثتهن، ويذبلن بسرعة. إن نساء الرؤساء وحدهن يستطعن الحفاظ على جمالهن؛ لأنهن يعشن حياة هنيئة رغيدة، ولا يقمن بأي عمل شاقّ". (نيكيتين: الكرد، ص 167).
3 – المكانة الاجتماعية: لا يُنظر إلى المرأة في المجتمع الكرد نظرة دونية، إنها ليست مجرد أَمَة، تنحصر مهمّتها في خدمة الزوج وتلبية رغباته الجنسية، وسبق القول بأن الذهنية الكردية تنبذ ثقافة العبودية أصلاً، يستوي في ذلك الرجال والنساء، إنها ذهنية تعشق الحرية، وتتمسّك بالكرامة، ومن الطبيعي أن تنعكس ثقافة الحرية والكرامة على مكانة المرأة، وتتمتّع بقدر كبير من الاحترام الاجتماعي، داخل الأسرة وخارجها، وصحيح أن للرجل القيادة في النهاية، لكنها ليست قيادة سيّد لعبد، وإنما هي قيادة رفيق لرفيق في درب الحياة الطويل والصعب، وفي الوقت نفسه لا تستغل المرأة ذلك الاحترام على نحو سيّئ، فلا تمارس التعالي والعُنْجُهيّة على زوجها، ولا تستهين به، وحتى إذ كان زوجها ضعيف الشخصية داخل البيت، فإنها حريصة على أن تكون له الصدارة في الوسط الاجتماعي.
وإليكم بعض ما قيل بشأن مكانة المرأة في المجتمع الكردي، ولنبدأ بقصة فتاة أرمنية أرستقراطية المنبت، تُدعى أنتارام الطرابزونية، بيعت من قِبل بعض الجندرما (الدَرَك) الأتراك لشاب كردي رَعَويّ المنبت، وها هي ذي تروي حكايتها معه:
" ماذا كنتُ في الواقع بالنسبة لهذا الكردي؟ أَمَة؟ خادمة؟ ضيفة؟ لماذا اشتراني؟ إن لدى هذا الإنسان البدائي شعوراً عميقاً بالنبل الفطري، ... لم يكن في بيته نساء، فمن أين له هذا الاحترام الذي يكنّه للمرأة ... ؟! لقد أحببت هذا الرجل الذي لم أكن أعرف عنه شيئاً، بل كنت أجهل حتى لغته وتاريخ شعبه، في الصباح أنهضني من فراشي، وأخذني من يدي، وراح يدور معي بتؤدة حول النار؛ تلك هي العادة الجارية لديهم، فعندما تتزوج فتاة تودّع منزل والديها بهذه الطريقة. وبعد لحظات استدعاني مع مربّيتي إلى ساحة المنزل، حيث كان قد جمع مئة رأس من الغنم، وخمسة جواميس، وسَرْجاً جديداً،... وأوقفَنا هناك، وقال لنا: كان من الواجب عليّ أن أقدّم لوالدك مهر الزواج، ولذا فإني أقدّم هذه الأشياء لمربّيتك التي رافقتك إلى هنا".
وتستمر أنتارام الأرمنية في رواية حكايتها، قائلة:
"وكان ينظر إليّ بفرح ظاهر، وبطبيعة الحال لم يكن أحد ما قد أرغمه على القيام بهذا العمل، ولكنه كان يريد أن يُظهر للجميع أنه لا يحتفظ بهذه المرأة الغريبة في خيمته لمتعة رخيصة، إنما اتخذ مني زوجة شرعية؛ كي يحترمني الجميع، فشعرتُ بتأثّر شديد. وبعد مضي أسبوع سمعتُ أصواتاً خارج باب الخيمة؛ كانت وَقْعَ أقدام وثُغاء حِمْلان. فخرجت لأرى ما يحدث، فأخذ يترقّبني، ثم قال: كان الواجب أن تعودي إلى أهلك بعد العرس، ليقدّموا لك البقر والفرس والمِعْزى كما هي العادة، لتصبح مواليدها مُلكاً لك، تلك هي تقاليدنا، وأنا لا أريد أن تكوني أفقر من غيرك من النسوة؛ لذلك فإني أقدّمها لك بنفسي. ومرّت الأيام، ورُزقت طفلاً أخذ ينمو بيننا، كان لا يتكلم كلمة كردية واحدة كأنه أرمني صغير، ولم يُبدِ والده أيّ تذمّر من ذلك، ولكنه قال لي ذات يوم: لقّنيه على الأقل كلمة بابا [بالكردية]؛ لم أحقق له رغبته. إن هذه السعادة ما تزال قائمة بيننا منذ زواجنا قبل أربعة أعوام". (نيكيتين: الكرد، ص 168 -169).
وقد تنبّه مينورسكي إلى ظاهرة في المجتمع الكردي تستحق التأمل، لقد قال: "للمرأة عند الأكراد شخصية بلا شك، وليس من العبث أن نرى اسمها يضاف إلى اسم ابنها؛ إذا كانت تتمتع بذكاء معيّن أو جمال". (مينورسكي: الأكراد، ص، 75. وانظر نيكيتين: الكرد، ص 170). ومعروف أن مينورسكي كردولوجي روسي، قام برحلات استطلاعية إلى شمالي وشمال غربي كردستان، وكان عضو لجنة تنسيق الحدود بين الدولتين العثمانية والإيرانية سنة (1913م)، وألّف كتابه (الأكراد) سنة (1915م).
والحقيقة أنني عاصرت- بعد حوالي نصف قرن- ظاهرة نسبة الابن إلى الأم في مجتمعنا العفريني أيضاً، وكان كثير من الصبية والشباب- وأنا منهم- وأحياناً بعض الكهول، ينسبون إلى أمهاتهم اجتماعياً، وليس رسمياً، وخاصة فيما بين النساء، بغض النظر عن أن تكون الأم جميلة أو لا، وما كان أحد من الآباء يستهجن ذلك أو يعترض عليه، بل كان أمراً عادياً، حتى إنني لم أتنبّه إلى أهميته إلا بعد أن قرأت ملاحظة مينورسكي. ولا تفصح هذه الظاهرة فقط عن أهمية مكانة المرأة، وروح الديمقراطية المتأصلة في الثقافة الكردية، وإنما تفصح أيضاً عن ترسّخ قيم العهد النيوليثي في المنظومة الاجتماعية الكردية، لا بل إنها- وبوجود قرائن أخرى- تشجّعني على أن أذهب أبعد من ذلك، وأستدلّ بها على وجود بعض بنى عصر الأمومة (الربّات) في عمق الوعي الجمعي الكردي.
وقال نيكيتين في هذا المجال: " الأسرة الكردية أقرب إلى المفهوم الغربي من الأسرة التركية أو الفارسية (قبل إجراء الإصلاحات التي تمت في تركيا وإيران بعد الحرب العالمية الأولى)، وذلك لما تتمتع به المرأة الكردية من مكانة... إن زوجة الكردي سيّدة البيت، وهي تتمتع بسلطة واسعة داخل الأسرة، فهي التي تتولّى إدارة البيت، ويعمل الخدم تحت إشرافها، وهي التي توزع الطعام على أفراد الأسرة، ولا يمكن لأحد أن يبدأ الأكل عند نصب الخِوان [المائدة] بدون إذنها، وفي غياب الزوج تستقبل هي الزوار، وتستضيفهم وتتحدث بحرية إليهم، ولا تخفي وجهها كما تفعل غيرها من النساء في البلدان الإسلامية الأخرى". (نيكيتين: الكرد، ص 176).
4 – قوة الشخصية: أقصد بقوة الشخصية توافر صفات الصلابة والشجاعة والقدرات القيادية في المرأة الكردية، ولعل أصدق تعبير عن ذلك هو المثل الكردي القائل: re çi jin çi mêreêşr êŞ (الأسد أسد، رجلاً كان أم امرأة)، ولا عجب في أن تكون المرأة الكردية قوية الشخصية، فالجبل مفتاح الشخصية الكردية، ومن الطبيعي أن تتجلّى الخصائص الجبلية في شخصية المرأة، كما تتجلّى في شخصية الرجل.
ولنبدأ بخصلة القيادة، فكثير من النساء الكرديات قائدات ممتازات ضمن أسرهن، ليس بشكل فاقع، وعلى حساب تقزيم شخصية الرجل، وإنما بشكل لطيف ومرن وغير مباشر. وعدا مجال الأسرة، فإن في تاريخ الكرد نساء قمن بدور القيادة حتى على صعيد قيادة الجند، وهذه ظاهرة عريقة جداً في تاريخ أسلاف الكرد، وخاصة عند فرع گوتي (جوتي/جودي). (أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، ص 196). وإن المقاتلات الكرديات اللواتي يلتحقن بالجبال، ويحملن السلاح، ويشاركن في الثورات، إنما يجسّدن هذه الخصلة العريقة في شخصية المرأة الكردية، وهذه الظاهرة يعجز عن فهمها أصحاب فلسفة (المرأة ضِلع قاصر)، وأنها شرٌّ لا بدّ منه، وأنها خُلقت للمطبخ والفراش فقط.
قال نيكيتين في هذا المجال:" ويمكننا أن نذكر أسماء العديد من النساء اللائي تزعّمن بعض العشائر التي خضعت لهن خضوعاً تاماً". (نيكيتين: الكرد، ص 170). ومن تلك النساء عادلة خان أرملة عثمان باشا جاف، في مدينة حلبچة سنة (1914 م)، وكان مينورسكي قد التقاها، ووصف قوة شخصيتها. (مينورسكي: الأكراد، ص 76).
وقال دبليو آر حاكم أربيل الإنكليزي: "كانت ثمة أميرة كردية تعيش في منطقة راوندوز تقريباً، تسمى (خانزاد)، كان لها شأن في هه رور(حرير)، و (باطاس)، عندما قامت فيها إمارة سُوران الكردية...، لقد كانت هذه الأميرة ترتدي ملابس الرجال، وتحمل السلاح، وتَسري ليلاً للمراقبة، وتجلس لسماع شكاوى الناس، وحلّ خصوماتهم ومشاكلهم وكان قصرها في شَقْلاوَه، ولا تزال آثاره على جبل سِفين". (دبليو آر . هي: مذكرات دبليو آر، ص 270، الهامش).
ولم تكن المرأة الكردية بعيدة عن مجال الفروسية، فقد نقل نيكيتين عن مينورسكي قوله: " والنساء الكرديات- أياً كانت طبقتهن ومهما بلغن من العمر- يجدن الفروسية، بل ويتحدّين الرجال في امتطاء الخيل، كما أنهن لا يخشين كذلك تسلق الجبال الوعرة، ويُبدين مهارة فائقة في ذلك". (نيكيتين: الكرد، ص 167). وأذكر جيداً أحسب
وأما بالنسبة إلى صلابة المرأة الكردية فما أكثر الأدلة على ذلك! أبرزها هو صمودها في مواجهة قسوة الحياة الرعوية والريفية، بكل ما تعنيه تلك الحياة من بؤس وكدح وشقاء، ثم هل هناك ثورة كردية نشبت من غير أن تكون المرأة مساهمة فيها بشكل مباشر وغير مباشر؟ وهل كان من الممكن للكردي أن يهجر الدار، ويحمل البندقة، ويلتحق بالجبال، لولا ثقته بأن شريكته سترعى الأولاد والماشية والحقل من بعده؟ وهل كان من الممكن للشباب الكرد أن يخوضوا غمار القتال، لولا أنهم رضعوا حليب الإباء والشجاعة من الأمهات؟ وها هو ذا دانا آدمز يصف امرأة كردية من جنوبي كردستان، تغادر قريتها إلى الجبل، لتنجو من قصف الطائرات المعادية، قائلاً:
" سارت أمٌّ في مقتبل العمر ببطء في الطريق الصاعدة، وترعى نصف دزّينة من الأطفال، وأربعاً وخمساً من الماعز، وتحمل غِرارة كبيرة [كيس كبير] على عاتقها، وأردفت فوقها أوعية المطبخ وأوانيه، وتسوق بغلاً محمَّلاً بأثاث بيتيّ أمامها، وتنسج جَوْرَباً وهي سائرة، كانت تقصد كهفاً تقضي فيه نهارها، ثم تعود عند حلول المساء إلى القرية في موعد إشعال النار وخَبْزِ كمية من الرِّقاق (نان)، وعند الفجر تنهض ثانية، لتصنع اللبن والزبد بخضّ اللبن في زِقّ من جلد الماعز، بحركة رتيبة إلى الأمام والخلف، ثم تصعد الجبل ثانية هرباً من الطائرات المخيفة". (دانا آدمز شمدت: رحلة إلى بلاد شجعان، ص 241).
وتعالوا نرَ موقف والدة المقاتل خليل خُوشَڤي من استشهاد ولدها، فبعد أن استشهد ابنها - نتيجة الخيانة- في فبراير/شباط سنة (1936 م)، بكردستان الجنوبية، قُطعت رأسه، وأُخذت إلى منطقته شَيْرَوان، وأُحضرت والدته وزوجته، وأشار ضباط إلى رأس خليل، وسأل والدته: هل تعرفين هذا الرأس؟ فأجابت : نعم، إنه ابني خليل الذي قتلتموه خداعاً وغدراً، وإني لفخورة به. وكاد أن يُغمى على زوجة خليل من هول المشهد، وبكت، فصاحت بها حماتها قائلة: لا تبكي أمام أنظار هؤلاء الجبناء، كي لا يشمتوا بنا. (مسعود البارزاني: البارزاني والحركة التحررية الكردية، 1/59ٍ).
5 – الحرص على الكرامة: المرأة الكردية حريصة على ألا يُعبَث بشرفها، بل إنها تُقدِم على الموت في سبيل ذلك، قال المؤرخ العربي أسامة بن مُنْقِذ (ت 584 هـ = 1188م) في أحداث الحروب الصليبية: "وكان في جند الجِسْر [مدينة جسر الشُّغور في شمال غربي سوريا] رجل كردي يقال له أبو الجَيْش، وله بنت اسمها رُفول، قد سباها الإفرنج، وهو قد توسوس عليها، يقول لكل مَن لقيه يوماً: سُبِيتْ رفول!! فخرجنا من الغد نسير على النهر [نهر العاصي]، فرأينا في جانب الماء سواداً، فقلنا لبعض الغلمان: اسبح وابصر ما هذا السواد؟ فمضى إليه، فإذا ذلك السواد رفول، عليها ثوب أزرق، وقد رمت نفسها من على فرس الإفرنجي الذي أخذها، فغرقت، وعلق ثوبها في شجرة الصفصاف، فسكنت لوعة أبيها أبي الجيش". (أسامة بن منقذ: كتاب الاعتبار، ص 53).
وفي سنة (1608م) حاصرت القوات الصفوية قلعة دُمْدُم، وبعد قتال شديد، وصمود منقطع النظر، نفد الطعام والشراب عند سكان القلعة، وفتك بهم الجوع والمرض، فمات من مات، وسقط الباقون أرضاً، وعجزوا حتى عن حمل السلاح، وعندئذ فقط استطاع الجنود الفرس دخول القلعة، فهرعت النساء الكرديات، ورمين بأنفسهن من فوق أسوار القلعة إلى هُوّة في أسفل الجرف الذي كانت عليه القلعة، وفضّلن الموت على أن يقعن في أيدي القوات الفارسية.
وذكر المناضل الكردي حسن هشيار في (مذكرات مقاتل)، أنه في غمار ثورة سنة (1925م) بقيادة شيخ سعيد، أصدرت قيادة القوات التركية الأمر بالقتل الجماعي لعشائر زِيلان وسِپِكان وأَدمان وحَسَنا، ففتك الجنود بسكان (180) قرية، وعندما كانت النساء الكرديات يرين الجنود الأتراك يقتربون منهن، كن يرمين بأنفسهم من الأماكن العالية، ويقذفن في نهر زيلانzîlan، مفضّلاتٍ الموتَ على أن يعبث الجنود بشرفهن. (حسن هشيار: مذكرات مقاتل، حلقة 13).

الجذور العميقة لذهنية الكرد الاجتماعية
تلك هي السمات العامة للذهنية الاجتماعية الكردية، وهي سمات مُطَمْئنة في الغالب، لكن هل معنى ذلك أن المجتمع الكردي هو (جمهورية أفلاطون) المثالية، و(مدينة الله) التي تصوّرها القدّيس المسيحي أُوغِسْطِين؟ لا، بكل تأكيد، إن المجتمع الكرد يعاني- كغيره من مجتمعات العالم- كثيراً من الثغرات والعيوب والمشكلات، وهي أحياناً ثغرات خطيرة وعيوب مخيفة ومشكلات مدمّرة، لكنّي أُرجئ الحديث عنها إلى مبحث خاص، كي نعطيها قدراً كافياً من التفحّص والتمحيص، ونقف عندها وقفة تحليلية وتقويمية معمَّقة.
وحسبنا الآن أن نشير- سريعاً- إلى العلاقة بين ذهنية الكرد الاجتماعية، بما تتأسّس عليه من وجدان جمعي، ولاشعور جمعي، من جانب، وبين الإرث الاجتماعي الكردي من جانب آخر، وقد بدا لنا، بكثير من الأدلة والقرائن والمؤشِّرات، أن خصائص ذهنية الكرد الاجتماعية تعكس بدقة مسيرةَ المجتمع الكردي منذ خمسة آلاف سنة على أقل تقدير، مسيرتَه في التكيّف مع شروط الحياة في الجبال، وهي ليست بالحياة السهلة أبداً، ومسيرتَه في التغلّب على صعوبات الحياة الرعوية والريفية، ومسيرتَه في التغلّب على مشاريع الغزو التي لم يرتح منها قطّ، ومسيرتَه في الاحتفاظ- رغم كل العقبات والتحديات- بوجوده من الاندثار، وبهويته من الانهيار.
أضف إلى هذا أن قيم العهد النيوليثي- بما تعنيه من روح التكافل والتكامل والتفاني- كانت رابضة بقوة في الوعي الجمعي الكردي، وكانت تتسلّل، عبر قنوات اللاشعور الجمعي، إلى ساحة الحياة الاجتماعية، وتضفي ألوانها على المواقف والعلاقات والسلوكيات، ولا سيّما في مجال العلاقات الأسرية، وفيما يتعلّق بموقع المرأة ضمن النسيج المجتمعي.
وثمة أمر آخر أحسب أنه كان- وما زال مؤثّراًَ- في تشكيل الإطار المرجعي لذهنية الكرد الاجتماعية؛ ألا وهو البنى الميثولوجية القديمة جداً، والتي تطوّرت عبر القرون، ووصلت إلى صورتها الفضلى في المنظومة العقدية الزردشتية، وباعتبار أن الزردشتية كانت نتاج بيئة اجتماعية يغلب عليها الطابع الرعوي الريفي؛ ورد فيها كثير من القيم والموجّهات التي تربط الفرد بالقبيلة والقرية، وأذكر على سبيل المثال الشواهد التالية:
• " الذي يكون طيّباً مع الإنسان الصالح، سواء كان نبيلاً، أو فرداً من القبيلة، أو من الجماعة، أو أنه يعتني بالماشية بكد واجتهاد، سيكون في الآخرة في مرعى الحق والعقل الخيّر". (أڤستا، ياسنا، هايتي33، آية 3، ص 123).
• " إلى أين أذهب، وإلى أيّ أرض أتجه؟!
بعيد أنا عن الوطن.
وزعماء القبيلة وقبيلتي لا تعترف بي". (أڤستا، ياسنا، هايتي 46، آية 1، ص 144).
أما بشأن الدعوة إلى بناء علاقات اجتماعية سليمة، والحرص على تكوين الأسرة المستقرة الصالحة، ففي الأڤستا والزَّنْد أڤستا كثير من الموجّهات والضوابط، بل ثمة تحذيرات شديدة اللهجة لكل من يُخلّ بتلك الضوابط، ويخرج عليها قليلاً أو كثيراً، وفيما يلي بعض الشواهد.
• الدعوة إلى بناء أسرة طيبة: يسأل زردشت الإله آهورامازدا: " أيها الصادق وخالق العالم المادي، أين هي الأرض الثانية الأكثر طيبة؟ أجاب آهورامازدا: في الحقيقة هي تلك الأرض التي يبني عليها الصالح بيتاً، ويزوّده بالنار، والحليب، والزوجة، والأولاد، والماشية الطيبة". (أڤستا، ڤينديداد، فارگارد 3، آية 2، ص 233).
• الدعوة إلى حسن العلاقة بين أفراد الأسرة: " سأل الحكيمُ روحَ العقل: أيّةُ حماية أأْمن؟ أيُّ صديق وأيُّ وريث أفضل؟ ... أجاب روح العقل: حمايةُ الآلهة أأْمن، الأخُ الجيّد أفضلُ صديق، أفضلُ وريثٍ الابنُ الجيّد، والزوجةُ الجيّدة أفضلُ صديق للهو والمرح". (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 845).
• الدعوة إلى زواج الأقارب، وهو من لوازم النظام القبلي: "سأل الحكيمُ روحَ العقل: ما هو أكبر وأفضل عملِ خيرٍ؟ أجاب روح العقل: أكبرُ عملِ خيرٍ النبالةُ. ثانياً الحقيقةُ وزواجُ الأقرباء بالدم ...". (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 840).
• الترغيب في كثرة الأولاد الذكور: " نقدّم القربان لفراڤاشي المؤمنين، وللإناث اللواتي ينجبن حشوداً من الذكور". (أڤستا، ياشت 2، آية 5، ص 389). "أرغب في هذه الياسنا من أجل النسوة اللواتي لديهن العديد من الأبناء". (أڤستا، ياسنا، هايتي 2، آية 6، ص 50).
• خصال المرأة النموذجية: " سأل الحكيمُ روحَ العقل: ... ومن تُعِدّ المَثَل الأعلى للنساء؟ أجاب روحُ العقل: ... المثلُ الأعلى للنساء هي المرأة الفتيّة، العطوفة، الأمينة ذات السمعة الطيبة، والطبع الحسن، المنيرة للبيت، المُحتشِمة، التي تُعَدّ صديقاً لأبيها ولجدّها ولزوجها ولمعلّمها". (زند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 868).
• تحذير شديد من إهمال المرأة لأطفالها: جاء في الإسراء والمعراج الزردشتي- وقد قام بهما ڤيراز الصالح- أن ڤيراز رأى في الجحيم روح امرأة تُعَذَّب، فسأل مرشدَيه المَلاك المبارك سَراوش والإله آدور عن الذنب الذي اقترفته المرأة في الدنيا، فأجابا: "هذه روح الآثمة التي تركت في حياتها الدنيوية وليدَها يبكي في أثناء الحاجة والجوع". (زند أڤستا، نصوص پهلوية، الإسراء والمعراج الزردشتي، ص 969).
• تحذير شديد من العقوق: شاهد ڤيراز الصالح في الجحيم أرواح بعض البشر وهي بحالة يُرثى لها، فسأل مرشدَيه عن السبب، فأجاباه: "هذه أرواح أولئك الناس الذين أحزنوا آباءهم وأمهاتهم في حياتهم الدنيوية، لم يطيعوهم، ولم يطلبوا منهم الغفران". (زند أڤستا، نصوص پهلوية، الإسراء والمعراج الزردشتي، ص 971).

المراجع
1. أحمد فخري: دراسات في تاريخ الشرق القديم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990م.
2. أسامة بن منقذ: كتاب الاعتبار، كتاب إلكتروني، www.alwarraq.com
3. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007م.
4. حسن هشيار: مذكرات مقاتل، ترجمة خليل كالو، كتاب إلكتروني، www.gemyakurda.net.
5. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001.
6. جماعة من علماء الآثار السوفييت:العراق القديم، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1976م.
7. دانا آدمز شميدت: رحلة إلى رجال شجعان في كردستان، تعريب جرجيس فتح الله المحامي، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، 1990م.
8. دبليو آر . هي: مذكرات دبليو آر، ترجمة فؤاد جميل، الدار العربية للموسوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 2008م.
9. ر. بوردون، وف. بورّيكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، ترجمة الدكتور سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1986.
10. زنار سلوبي: في سبيل كردستان (مذكرات): ترجمة ر. علي، رابطة كاوا للثقافة الكردية، بيروت، الطبعة الأولى، 1987م.
11. عامر رشيد مُبَيِّّض: موسوعة الثقافة السياسية الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، دار المعارف للنشر والتوزيع، حمص، سوريا، الطبعة الأولى، 2000م.
12. الدكتور عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثقافة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م.
13. كالڤين هول، ج. لندزي: نظريات الشخصية، ترجمة دكتور فرج احمد فرج، قدري محمود حِفْني، لطفي محمد فطَيم، د.م: د.ن، 1969م.
14. الدكتور كَمِيل الحاج: الموسوعة الميسَّرة في الفكر الفلسفي والاجتماعي، مكتبة لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 2000م.
15. مجموعة من الباحثين: كركوك، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كردستان العراق، الطبعة الأولى، 2002م.
16. مسعود البارزاني: البارزاني والحركة التحررية الكردية، كاوا للثقافة، بيروت، الطبعة الثانية، 1997م.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 16 ـ 7 - 2010
dralkhalil@hotmail.com