دراسات في الشخصية الكردية
( الحلقة الرابعة عشرة )
الذهنية الدينية عند الكرد
أمم وذهنيات

الكائن البشري ليس مجموعة أدراج، درج فيه روح، وآخر فيه جسد، وثالث فيه حسّ، ورابع فيه ذهن، وخامس فيه عقل، وسادس فيه تفكير، وسابع فيه نفس، وثامن فيه شعور، وتاسع فيه مخيِّلة، وعاشر فيه حَدْس (معرفة مباشرة). إن تصنيفاً كهذا للإنسان هو كارثة، ليس لأنه مدخل معرفي مضلِّل فقط، وإنما لأنه تشويه للواقع، يؤدي بالضرورة إلى الخطأ في التفسير والشَّطط في التحليل.
إن الإنسان كائن حيوي ديناميكي، تُستثار مكوّناته، فتتفاعل بنسب معيّنة، وتُصدر استجابات محدَّدة، جسدياً، أو روحياً، أو حسّياً، أو ذهنياً، أو شعورياً، أو حدسياً. وفي إطار هذا التفسير لطبيعة الكائن الإنساني تتداخل معاني مصطلحات (الذهنية، العقلية، التفكير)، وقد انعكس هذا التداخل في موسوعات المصطلحات الفلسفية، إذ لا نجد فيها خطوطاًً فاصلة بين هذه المصطلحات. ويمكن القول بأن مصطلح (ذهنية) أشمل من مصطلح (عقلية)، وهذا بدوره أشمل من مصطلح (فكر)، وقد جاء في تعريف الذهنية العامة General Mentality أنها " مجموع السمات العامة والنماذج المعرفية؛ التي يتميّز بها شعب معيّن، أخلاقياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وحضارياً بشكل عام ". (عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثقافة، ص 332).
وإن ذهنية أمة ما هي الإطار الفكري السائد فيها، والموجّه لرؤيتها وسلوكياتها، وهي البنية المعرفية التي تشكّل خصوصيتها، وتحدّد طبيعة استجاباتها، وقد ذكر كارل مانهايم، فيلسوف سوسيولوجيا المعرفة، أن الانتماء إلى أمة ما يعني ضمناً أن أفرادها يتعاملون مع الذات والآخر والطبيعة، بطريقة متماثلة، وبتأثير من ذهنية متجانسة، ومن إطار فكري عام متجانس. (شوقي جلال: العقل الأمريكي يفكر، ص 9، 10).
والذهنية من تجلّيات الشخصية، وهي نتاج تفاعل الجينات والبيئة والثقافة والتحدّيات، وهي ليست ثابتة ثباتاً أبدياً، إنها قابلة للتحوّل ببطء، إلا في الحالات التي تشهد فيها الأمة انقلاباً أيديولوجياً شاملاً، روحياً وفكرياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً، فعندئذ تتحوّل ذهنية الأمة بوتيرة سريعة، وعلى العموم لا يخفى دور النُّخب في إحداث التحولات الطارئة على ذهنيات الأمم، ومثال ذلك دور الإسلام في التحوّل الطارئ على الذهنية العربية قديماً، ودور الثورة الاشتراكية في التحول الطارئ على الذهنية الروسية والذهنية الصينية خلال القرن العشرين.
وتظهر ذهنية الأمة في الأمور صغيرها وكبيرها، لكنها أكثر وضوحاً في الأيديولوجيا التي تسترشد بها الأمة، كما أنها تبرز بقوة في المواقف الحاسمة، وعند اتخاذ القرارات الكبرى، فالأمة التي تتأسس عقيدتها الروحية وفلسفتها الحياتية على مبدأ (شعب الله المختار)، صراحةً أو بشكل مبطَّن، لا يمكن أن تكون ذهنيتها مماثلة لأمة تتأسس عقيدتها الروحية وفلسفتها الحياتية على مبدأ (وحدة الوجود)؛ إن الذهنية الأولى تنزع إلى (التسلّط) على الآخر، إما بصهره أو بإلغائه، في حين تنزع الذهنية الثانية إلى (التكامل) مع الآخر، بشرًا وحيوانات وشجراً وحجراً.
وفي التراث العربي الإسلامي كان الجاحظ (ت 255 هـ) من المهتمين بتحليل ذهنيات الأمم، إذ ذكر أن الذهنية اليونانية تنظيرية تحليلية فلسفية، وأن الذهنية الصينية عملية، وقال: " فاليونانيون يعرفون العِلَل، ولا يباشرون العمل، وسكّان الصين يباشرون العمل، ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فَعَلة ". ( الجاحظ: رسائل الجاحظ، 3/216). وفي قول آخر له ذكر أن أهل الصين ينزعون إلى الصناعات، وينزع اليونانيون إلى الحِكم والآداب، وينزع الفرس إلى المُلك، وينزع الأتراك إلى الحروب. (الجاحظ: رسائل الجاحظ، 3/214).
وقال الهَمَذاني (ابن الفقيه، جغرافي توفّي بعد سنة 290 هـ): " فارس أعقل، والروم أعلم، وللروم صناعات ". (الهمذاني: كتاب البلدان، ص 199). وربط المؤرخ المسعودي (ت 345 هـ) بين الذهنية والبيئة، فقال: "وأما خُراسان [مقسّمة الآن بين شمال شرقي إيران وشمال غربي أفغانستان] فتُكبّر الهام [الرؤوس]، وتُعْظِم الأجسام، وتُلْطِف الأحلام [العقول]، ولأهلها عقولٌ وهِمم طامحة، وفيهم غَوْصٌ [عمق] وتفكير، ورأيٌ وتقدير ". (المسعودي: مروج الذهب، 2/63).
أما في العصر الحديث فالملاحَظ أن ثمة فوارق واضحة بين الذهنيتين الشرقية والأوربية، كما أن ثمة فوارق بين ذهنيات الشعوب الأوربية التي أنتجت الحضارة الحديثة، فبمراجعة مسيرة المعرفة منذ القرن (16 م) يتضح أن الذهنية الإيطالية تنزع إلى الأدب والفن، وتنزع الذهنية الألمانية إلى التنظير المعرفي والفلسفات الكبرى، وتنزع الذهنية الفرنسية إلى الثورة والغوص في عالم النفس والوجود، وتنزع الذهنية الإنكليزية إلى عالم السياسة والاقتصاد، وتنزع الذهنية الأمريكية إلى الفلسفة الپراغماتية، حتى إنه يمكن القول: الپراغماتية هي مفتاح الشخصية الأمريكية.
وعلى ضوء ما سبق، ترى ما هي خصائص ذهنية الكرد الدينية؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من إلقاء الضوء على العقائد الآريانية القديمة، ترى ما هي ملامحها العامة؟ إذ إن ذهنية الكرد الدينية فرع على تلك العقائد.

ضوء على العقائد الآريانية
مرجعية الأمة هي حصنها، وهي بوصلتها التي تهتدي بها إلى ذاتها في ظلمات الكوارث الكبرى، إن أمة بلا مرجعية أمة بلا مستقبل، أمة مهدّدة بالانهيار في كل حين، وقد حرص قادة أيديولوجيات التوحش، طوال التاريخ، على تحطيم مرجعيات الأمم، ليسهل عليهم اقتلاعها من جذورها، والسيطرة عليها، وهذا ما تعرّض له الكرد مراراً، ولا سيما منذ سقوط دولة ميديا سنة (550 ق.م)، وبصورة أكثر شراسة منذ أن أصدر الملك الفارسي قَمْبَيز وصيته ضد الميديين سنة (522 ق.م)، وعندما ينقّب المرء في أسفار التاريخ، لا يجد سوى حطام عقائد أسلاف الكرد قبل الإسلام، وإذا جمع ذلك الحطام حصل على تصوّر تقريبي يترنّح بين الافتراض والظن والتخمين.
ودعونا نجمع شظايا بعض ذلك الحطام، فالمعروف أن القسم الأكبر من الكرد يدين الآن بالإسلام، وثمة قسم آخر يدين بالأيزدية، وقسم ثالث يدين بالكاكايِيّة (أهل حق)، وقسم رابع يدين بالعلي إلهية (قزلباشية)، ومعروف أيضاً أن هذه العقائد الثلاث (الأيزدية، الكاكايية، العلي إلهية) تشتمل- قليلاً أو كثيراً- على بعض البنى العَقَدية الكردية القديمة جداً، لكن ماذا عن العقائد الكردية القديمة نفسها؟
هنا تختلط الأمور، وترى نفسك تائهاً في شعاب المعلومات الضبابية، حائراً بين الآراء المتضاربة، فالمشهور أن الكرد كانوا يدينون قبل الإسلام بالزردشتية، وأن النبي زردشت- عليه السلام- نفسه كان ميدياً، وأن الزردشتية ظهرت في أرض ميديا، لكن ثمة من يرى أنه لم يظهر زردشت واحد، وإنما ظهر ثلاثة أشخاص يحملون اسم (زردشت)، ظهر الأول سنة (3000 ق.م)، وظهر الثاني سنة (2040 ق.م)، وظهر الثالث سنة (1060 ق.م)، في مكان قرب بحيرة أُورميا. وتفيد غالبية الآراء أن زردشت ظهر بين عامي (660 - 573 ق.م)، أو (630 – 553 ق.م)، أو (628 – 551 ق.م)، أو (618 – 541 ق.م). (صمويل نوح كريمر: أساطير العالم القديم، ص 294. جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 133. زنار سلوبي: في سبيل كردستان، ص 287).
وعدا مسألة الاختلاف في شخصية زردشت وزمن ظهوره، ثمة اختلاف في كُنه العقيدة الزردشتية، فالمعروف أن نخب ميديا وقفوا ضد زردشت، كما وقفت قبيلة قُرَيْش ضد النبي محمد عليه السلام، وإلا فلماذا هاجر زردشت موطنه في أُورميا، متوجّهاً إلى بَلْخ (في شمالي أفغانستان حالياً)؟ ومعروف أيضاً أن الزردشتية أصبحت ديانة رسمية في فارس وميديا منذ عهد دارا الأول، وإن ظلت الديانة المزدية سائدة بين جماهير الشعب، ويُفهم من سير الصراع الفارسي- الميدي أن النخب الفارسية اتخذوا الزردشتية مظلة أيديولوجية للإطاحة بدولة ميديا، وهذا يعني أنهم أنتجوا نسخة زردشتية متناغمة مع المشروع الإمبراطوري الفارسي.
ومعروف أيضاً أن الإسكندر المكدوني احتل ميديا وفارس سنة (331 ق.م)، وأمر بحرق أڤستا (كتاب الزردشتية المقدس)، وكان مكتوباً في اثني عشر ألف جلد من جلود البقر، كما أمر بهدم المعابد الزردشتية (بيوت النيران)، وبقتْل الهَرابذة (رجال الدين الزردشتي). ثم جُمعت أجزاء أڤستا في العهد الپارثي/الأشگاني (249 – 247 ق.م) في واحد وعشرين جزءاً. وبعد سقوط الأشگان أمر أَرْدَشَير الأول الساساني بجمع النصوص المبعثرة من أڤستا الأشگانية في نص واحد، وعُدّ ذلك النص كتاباً مقدساً، وفي عهد سابور الأول بن أردشير أُدخلت في هذه المجموعة مباحث في الطب والنجوم وما وراء الطبيعة من علوم الهند واليونان، ونشبت الخلافات الدينية، فأمر سابور بعقد مَجْمَع مقدس لحسم الخلافات، وحدد ذلك المجمع نص كتاب أڤستا في صورته الأخيرة، وقسّمه إلى واحد وعشرين سورة، تقع كل سورة في مئتي ورقة، ثم فُقد كتاب أڤستا ثانية في العهد الإسلامي، وهرب بعض الزردشتيين إلى الهند، وحافظوا على ما تبقّى من أڤستا، وهي أجزاء لا تبلغ ربع ما كانت عليه في الأصل. (أڤستا، ص 8. المقدسي: البدء والتاريخ، 3/153. محمود شيت خطّاب: قادة فتح بلاد فارس، ص 30).
وليس تناسخ الزردشتية عدة مرات هو المشكلة الوحيدة التي تعترض الباحث في عقائد أسلاف الكرد، فثمة مشكلة أخرى أكثر تعقيداً؛ هي ماهية العقائد التي كان يدين بها الكرد وسائر الآريانيين قبل الزردشتية، وتُعتبر المَزْدية- نسبة إلى الإله مزدا (الحكيم)- أبرز تلك العقائد، ويتميّز الإله مزدا بالدعوة إلى الأخلاق والعمران، وهو ليس إله قبيلة أو شعب، وإنما هو إله العالم والناس جميعاً. وثمة إله آخر آمن به الكرد وسائر الآريانيين، إنه الإله أهورا، وقد دمج زردشت الإلهين معاً في الإله (أهورا مزدا) الرب العاقل، وصوّره الآريانيون القدماء على هيئة نصف إنسان، يخرج من قرص مجنَّح. (دياكونوف: ميديا، ص 378. محمود شيت خطّاب: قادة فتح بلاد فارس، ص 14، 15. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 653، 655).
وعدا الإلهين مزدا وأهورا كان ثمة مجموعة من الآلهة الأخرى يسمّى الواحد منهم (دَيو) Daiw إله السماء، وكان أحد الديوات كبير معبودي الهندو- أوربيين، وأبرز صفاته أنه فاعل الخير، وهو نفسه (دياوس پيتر) Diyvuh pitar المعبود الهندي الحالي، و(زيوس پيتار) Zeus piter اليوناني، وجوپيتر (جو- پيتار) Jupiter الروماني، و(تاووس) الأيزدي، وتحوّل في الزردشتية إلى إله الشر (إبليس/شيطان). (دياكونوف: ميديا، ص 368. خليل جندي: الأيزدية والامتحان الصعب، ص 70 - 71).
وثمة ميثرا Mithrasإله الضياء الآري القديم، وقد ساد الاعتقاد بألوهيته قبل زردشت، وظل الاعتقاد به قائماً بعد زردشت، وكان يُعبد باعتباره إله العقود والاتفاقيات، وحافظ الحق والنظام، ومُهلك قوى الشر والغضب والجشع والتكبّر، ووُصف بأنه المحارب القوي الجبار، وكان المحاربون يقدّمون له الطقوس وهم على ظهور الخيل قبل الذهاب إلى المعركة، وقد دمجه زردشت في الديانة التي نادى بها، ولميثرا مكانة مرموقة في الطقوس الزردشتية، وعُدّ إله الشمس، ووُصف في أڤستا بأنه حارس المراعي اليقظ، وكان الرومان يرسمونه في شكل شاب وسيم، يجرّد سيفاً على رقبة ثور، وظلت عقيدة مثيرا قائمة حتى القرن الرابع الميلادي.
(جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 125- 126. أرنولد توينبي: مختصر لدراسة التاريخ، 2/187. حامد عبد القادر: زرادشت نبي قدامى الإيرانيين، ص 20).
وأخيراً ثمة العقيدة الزُّرْڤانية (الزُّروانية)، نسبة إلى الإلهZurvan ، وهو إله لامتناه زماناً ومكاناً، وهو إله القدر المسيطر الذي يؤثّر من بعيد في مصير البشر، وقد اختُلف في أمر الزُّرْڤانية، فقيل: هي عبادة آريانية سابقة على الزردشتية، ورجّح جفري بارندر أنها صورة معدَّلة من الزردشتية حينما صارت الأخيرة ديانة ثنوية قائمة على أهورا مزدا (إله الخير)، وأهريمن (إله الشر)، وتقترب الزُّرْڤانية من البوذية في الاعتقاد بأن الشر الأساسي في الجنس البشري يكمن في الانحراف والخطأ العقلي (ضيق الأفق)، وفي الجشع الذي يتجلّى مادياً في الشهوة، ويتجلّى عقلياً في الجهل. وقال صمويل كريمر: " لعله أقرب إلى الاحتمال أن الزُّرْڤانية هي نتاج الاتصال بين الزردشتية والحضارة البابلية، وقد نشأت في النصف الثاني من العصر الأخميني". (صُمويل كريمر: أساطير العالم القديم، ص 312. وانظر الشَهْرِسْتاني: المِلَل والنِّحَل 1/234. جِفْري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ص 123- 125).
وخلاصة القول أن زردشت فكّك العقائد الآريانية القديمة، وأعاد تركيبها على نحو جديد، ودمج العقيدتين المزدية والأهورية معاً، وشكّل منها عقيدة واحدة، إلهها الأكبر هو أهورا مزدا (إله النور)، يناقضه أهريمان (إله الظلمة)، ويسمّى تارة آخرى أنگراماينيو (روح الشر)، ويستعين أهورا مزدا في إدارة العالم بكائنات أخرى ذات نفوذ، منها ميثرا، وسپينتاماينيو (الروح القدس) المضاد لأنگراماينيو، وسراوش الذي يشقّ جماجم الأبالسة، وفرتراگنا (بهرم) إله الحرب والنصر، ورامان الراعي الطيب، إله السلام والسكينة وحامي القطيع، ويبقى القاسم المشترك بين الزردشتية والعقائد الآريانية السابقة عليها هو السعي في سبيل رقيّ هذا العالم وكماله، وليس احتلال العالم والسيطرة عليه. (أڤستا، ياسنا، هايتي 1، ص 45، هامش (10)، وهايتي 57، آية 33، ص 168. وأڤستا، ياشت 1، آية 33، ص 4. وياشت 1، آية 33. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، ص 81).

فلسفة التكوين في التراث الكردي
تعرّضت العقائد الآريانية القديمة إلى مزيد من التشويه والتفكيك والتغييب في العهود التالية لزردشت، ولذا فالحديث عن ذهنية الكرد الدينية قبل الإسلام لن يكون دقيقاً بما فيه الكفاية، وليس في المستطاع عرضه على نحو منهجي متماسك، ومع ذلك ثمة خطوط عامة، يمكن الاهتداء بها إلى البنى العميقة في ذهنية الكرد الدينية، ومن تلك الخطوط أن الوجود قائم على (التنوّع)، لكنه تنوّع مؤسس على التآلف والتكامل وليس على التضاد؛ أي أنه (تنوّع في إطار التوحّد)، مع الأخذ في الاعتبار أن التوحّد غير الوحدانية (الأَحَدية)، فالتوحّد يعني التماهي مع الآخر، ويعني التشارك (الإشراك)؛ إشراك الآخر في اتخاذ القرار وصنع الحدث، أما الوحدانية ( الأَحَدية) فتعني الانفراد والاستعلاء ورفض التشارك (الإشراك).

ومن أبرز تجلّيات (التنوّع في إطار التوحّد) اثنان:
التجلي الأول هو صورة الإله مزدا في التصور الآرياني، فهو لم يكن إله قبيلة أو شعب، وإنما كان إله العالم والناس جميعاً، وظل هذا التجلي باقياً في الديانة الأيزدية إلى يومنا هذا، فالأَيزديون يدعون بالخير لكل الناس، وليس للأَيزديين فقط، مع الأخذ في الحسبان أن الأيزدية والكاكايية والعلي إلهية تحتفظ ببعض بنى العقيدة المزدية، وثمة دليل آخر يرجِّح أن هذه العقائد امتداد للمزدية أكثر من كونها امتداداً للزردشتية؛ ألا وهو الإيمان بوحدة الوجود، وبالحلول، وتناسخ الأرواح، فهذا الإيمان هو من نتاج الذهنية الدينية القائمة على (التنوّع في إطار التوحّد)، وليس من نتاج الذهنية الدينية القائمة على الوحدانية (الأَحَدية).
وبالنسبة إلى الأيزدية والزردشتية فقد قال الدكتور خليل جندي، وهو من مثقفي الكرد الأيزديين: " أما بالنسبة لبعض الأيزديين الذين يدّعون، وبشكل أعمى، بأن الأيزدية هي امتداد للزرادشتية، فهو موقف سياسي صرف، لا يستند على أرضية تاريخية أو فكرية ودينية، بل إنه ترديد لرغبات شخصية، وإسهام من أصحاب القائلين بها- دون أن يدروا- في تحطيم كيان العقيدة الأيزدية فيما لو نجح مشروعهم ". (خليل جندي: الأيزدية والامتحان الصعب، ص 288).
والتجلي الثاني من تجليات (التنوّع في إطار التوحّد) هو نظرية التكوين، فقد مر أن البيئة الجبلية رسّخت في الكردي التعامل مع المكان وفق ثلاثة أبعاد (طول، عرض، ارتفاع)، وبمفهومَي (الدائرة والامتلاء)، وتجسّد ذلك ميثولوجياً في الشكل الرمزي (ماندل/مندالا) Mandela، وهو دائرة فيها صليب متساوي الأضلاع، يرمز إلى العناصر الأربعة (ماء، تراب، نار، هواء)، وفيها أحياناً ثمانية تقاطعات متساوية الأطراف، ترمز إلى تفاعل العناصر الأربعة والجهات الأربع (شرق، غرب، شمال، جنوب)، وأحسب أن نظرية العناصر الأربعة ترجع إلى قصة الخلق والتكوين السومرية، فالإلهة جي/گي GI هي الأرض، ويتمثل الماء في الإله آبسو/آبزوApsu (مياه الأعماق)، وفي الإلهة تياماتTiamat ، ويتمثل الهواء في الإله إنليل Enlilأو إليلEllil ، وتتمثل النار في الإله أُوتو (الإله الشمس). (صمويل كريمر: من ألواح سومر، ص70، 75، 163. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 75).
وقد انتقلت رمزية (مندالا) مع الآريين إلى الهند، ودخلت في العقيدة الهندوسية، وظهرت في الصور الهندوسية المؤلفة من دوائر ومربعات متراكزة. وفي التراث الكردي تجليات عديدة لرمزية (ماندل/مندالا)، وفيما يلي بعض الأدلة:
• كانت الإلهة إنّينا Innina (عَشْتَر/ عَشْتار/كوكب الزُّهَرة) تعتبر سيدة السماء في العقائد السامية، وكان يُرمَز إليها بنجمة منقوشة داخل دائرة، ولها ثمانية أشعة، أو ستة عشر شعاعاً، وقد وصلت الإلهة إنّينا إلى بلاد الإغريق، وسُمّيت (أفروديت)، وعبدها الرومان باسم (ڤينوس)، وهي في الأصل إلهة سومرية، وثمة أسطورة سومرية تدور حول قصتها مع زوجها (دَمُوزي/تموز) إله الخصب، وسبق القول أن السومريين من أسلاف الكرد الأقدمين، وأنهم انحدروا إلى جنوبي ميزوپوتاميا من جغرافيا حضارة حَلَف الكردية. (فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، ص 149، 165. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 256 – 257. عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، ص 148).
• في علم الكونيات الزردشتي يتألف الكون من أربع دوائر: دائرة النجوم، دائرة القمر، دائرة الشمس، ومملكة (النور اللانهائي) لأهورا مزدا، وتتطابق هذه الدوائر مع الجهات الأربع. (أڤستا، ياشت 22، ص 632. هامش 1).
• قال نيكيتين: " وكغيرهم من الشعوب الأخرى، يعتقد الكرد بالخاصية السحرية للدائرة، أو يحيطون أنفسهم بها. فعندما يريد الكردي أن ينام في مكان معزول وغير معروف، يرسم حول نفسه، دائرة ليقي نفسه من الأرواح الشريرة ". (نيكيتين: الكرد، ص 379). وإذا كان الكرد الذين تحدّث عنهم نيكيتين مسلمين، فلا ريب في أن الخاصية السحرية للدائرة هي صيغة أخرى لقدسية مندالا في العقيدة المزدية السابقة للزردشتية، وما زالت قدسية الدائرة قائمة إلى الآن في العقيدة الأيزدية، وكلّما رأيت مشهد الرقصات الدائرية الفولكلورية للكرد العلي إلهيين (القزلباش)؛ تأكد لي أن من الصعب تفريغ التراث الكردي من بناه العميقة.
• على كل فرد من أتباع العقيدة الزردشتية- ذكراً كان أو أنثى- أن يرتدي الحزام المقدس (كوست) بمجرد بلوغه سن الخامسة، وكوست هو رمز الارتباط بالإله، ويُصنع من الصوف الأبيض (أڤستا، ياسنا، هايتي 9، ص 77- 78. هامش (3). أڤستا، ياسنا، هايتي 2، ص 49، هامش (49). وما زال طقس الحزام المقدس قائماً في الأيزدية، وما زال قائماً عند الكرد المسلمين أيضاً بدلالة فولكلورية، ويكفي أن نتأمل الأحزمة الضخمة التي يلفّها الرجال الكرد حول أوساطهم، وقد تلطّفت أخيراً وصارت أرقّ، كما أن رمزية الحزام المقدس ماثلة في الزي التراثي الذي ترتديه المرأة الكردية في المناسبات القومية، كعيد نوروز، وخاصة في شرقي كردستان وجنوبيها.
• عندما كنا نصاب بالصداع وارتفاع الحرارة في الصغر، كانت الأمهات يأخذننا صباح الأربعاء إلى امرأة عجوز، فكانت تأخذ بسبّابتها بعض الهَباب من صاج التخبيز، وترسم صليباً متساوي الأطراف على جباهنا، وهي تتلو بعض الأدعية بالكردية. وجدير بالذكر أن يوم الأربعاء كان مقدساً عند السومريين، ولا سيما أول أربعاء من شهر نيسان/أبريل، وما زال مقدساً في الأيزدية. أما الصليب المتساوي الأطرف فهو في الأصل رمز مزدائي، دخل المسيحية مع بنى مزديائية وميثرائية أخرى، منها الاحتفال بعيد ميلاد ميثرا يوم (25) كانون الأول/ديسمبر من كل عام، فقد صار احتفالاً بعيد ميلاد المسيح، وصار يوم الأحد Sunday مقدساً في المسيحية، وهو (يوم الشمس) المقدس في الدين الميثرائي، وكان التعميد الميثرائي يتم بالماء وقربان الخبز والخمر، وصار الخبز والخمر يرمزان في المسيحية إلى جسد المسيح ودمه. (أڤستا، مقدمة، ص 33. هاري ساغز: عظمة آشور، ص 309. خليل جندي: الأيزدية والامتحان الصعب، ص 33).
وباختصار: يمكننا القول بأن فلسفة التكوين في التراث الكردي قائمة على تصوّر وجودي كلّياني، محوره الأساسي هو (التنوّع في إطار التوحّد)، ويتجلّى (التنوّع) في تفاعل العناصر الأربعة (ماء، تراب، نار، هواء) مع الجهات الأربع (شرق، غرب، شمال، جنوب)، ويتجلّى (التوحّد) في شكل الدائرة؛ أي أنه تصوّر جوهره (الامتلاء) المتماسك المتفاعل المتكامل، وليس (الفراغ) المتلاشي، وهو من ثمّ تصوّر مادي ديالكتيكي واقعي، وليس تصوّراً مثالياً مفارقاً للواقع متعالياً عليه، وسبق أن تناولنا تأثير البيئة الجبلية في تشكيل هذا التصوّر، وما دمنا قد انتهينا إلى هذا النتيجة، فثمة سؤال يأخذ بخناقنا، وهو: ما تأثير ذلك التصوّر في خصائص ذهنية الكرد الدينية؟

خصائص ذهنية الكرد الدينية
أبرز خصائص ذهنية الكرد الدينية- في حدود ما نعلم- هي ما يلي:
1. النزوع إلى وحدة الوجود على نحو تصوّفي فلسفي، وتقترب ذهنية الكرد الدينية بهذه الخصيصة من الفلسفة البوذية التي ظهرت في الجغرافيا الهندية أصلاً، وهي جغرافيا متاخمة لآريانا - ڤيدجا (بلاد الشعوب الآرية) حسبما ورد في أڤستا، وإذا أخذنا في الحسبان أن الآريين دخلوا الهند من الشمال الغربي، فيما بين (1500- 1200 ق.م)، وأن سدهاتا جوتاما بوذا عاش بين (563- 483 ق.م)، وأنه ظهر في شمالي الهند، فلا نستبعد أن تكون البوذية نفسها وثيقة الصلة بالعقائد الآريانية، ومن ثَمّ بالعقائد الكردية القديمة. (انظر صمويل كريمر: أساطير العالم القديم، ص 248).
2. الارتباط الحميم بالطبيعة، فالأعياد الدينية الكردية القديمة- وأبرزها عيد نوروز- تتمّ في أحضان الطبيعة، وخاصة في الجبال، ونحسب أن هذا التقليد يرجع بدوره إلى التماهي مع الطبيعة في العقائد الكردية القديمة، وبقيت آثار ذلك في الزردشتية، فكتاب أڤستا زاخر بتبجيل مظاهر الطبيعة، وقد جاء في دعاء زردشتي: " أتقدم بصلاة كاملة مقدسة إلى هذه الأماكن، المناطق، المراعي، المساكن بعيون مياهها، المياه، الأراضي، النباتات، هذه الأرض، تلك السماء، الرياح المقدسة، القمر، النجوم اللامتناهية، ذاتية الحركة ". (أڤستا، ياسنا، هايتي 7، آية 18، ص 68)، وجاء في طقس زردشتي: " نقدّم القرابين لكل عيون الماء، لجداول الماء أيضاً، للنباتات التي تنمو، لأشجار الغابة، لكل الأراضي والسماوات، لكل النجوم، للقمر والشمس، لكل الأنوار اللامتناهية، لكل الماشية، للوحوش المائية، للوحوش التي على اليابسة، لكل الحيوانات التي تضرب بأجنحتها ". (أڤستا، ياسنا، هايتي 66، آية 9 ، ص 181).
3. عدم النزوع إلى السيطرة العَقَدية على الآخرين؛ سواء بصيغة غَزَواتية عنيفة، أم بصيغة تبشيرية ملطَّفة، ولم نجد في تاريخ أسلاف الكرد أنهم أسّسوا ممالك أو دولاً دينية، أو أنهم شنوا الحروب بقصد نشر عقائدهم، ويُفهَم من كتاب أڤستا أن الزردشتية كانت ديناً للأقوام الآرية، قائماً على السِلم، وكانت النزعة العدائية فيها دفاعية وموجّهة في الغالب إلى الشعوب الطورانية، باعتبار أن الطورانيين كانوا يشكّلون تهديداً دائماً لبلاد الآريين، وقد تصاعدت لهجة العدائية في ظل الإمبراطورية الفارسية. والأيزدية خير دليل على أن ذهنية الكرد الدينية ليست معادية للآخرين، وصحيح أن الأيزدية دين منغلق، لكنها لا تحمل في طيّاتها مشروعاً توسّعياً، ولا تربّي أتباعها على غزو الآخرين، وإدخالهم في الأيزدية عَنْوة. (انظر أڤستا، ياسنا، هايتي 44، آية 11، ص 140. وأڤستا، ياشت 5، آية 9، ص 409. وزند أڤستا، نصوص پهلوية، دادستان ومينوغ وخراد، ص 849)
4. رسوخ البنى العميقة الخاصة بالذهنية الكردية الدينية، وانتقالها إلى ذهنية الكرد المسلمين، وتَجَسّدُها في مظاهر معيّنة داخل المنظومة العقدية الإسلامية، ومنها على سبيل المثال انتشار الطرق الصوفية (القادرية، والنقشبندية) بين الكرد المسلمين، ونرى أن لذلك علاقة وثيقة بنزوع الذهنية الكردية إلى فلسفة وحدة الوجود، ولذا فلا عجب أن يبرز من بين الكرد المسلمين بعض أقطاب فلسفة التصوّف، منهم الصوفي الكبير أبو القاسم الجُنَيْد ( ت 297 هـ/910 م)، وهو من مدينة نَهاوَنْد الكردية، ومنهم شهيد الفكر الصوفي شهاب الدين السُّهْرَوَرْدي ( ت 586 هـ)، من مدينة سُهَرَوَرْد الكردية، وثمة كثيرون غيرهما.
5. نزوع كثير من كبار الفقهاء والمفكرين الكرد المسلمين إلى النهج العلمي العقلاني الفلسفي في خطابهم الديني، ومنهم على سبيل المثال أبو علي الجُبّائي (ت 303 هـ/ 916 م)، وابنه أبو هاشم الجُبّائي (ت 321 هـ/ 933 م)، وهما من كبار شيوخ المُعتزِلة، وينتسبان إلى قرية (جُبَّى) الواقعة في الجغرافيا اللُّورية (الفَيْلية) بجنوبي العراق، ومنهم القاضي عبد الجبّار الهَمَذاني الأَسَدأبادي (ت 415 هـ /1025 م)، من مدينة أسد أباد في شرقي كردستان، ومعروف أن المعتزلة كانوا فرسان العقل والعلم في تناول المسائل الدينية. ومن العلماء الكرد ذوي الاتجاه العلمي العقلاني، في العصر الحديث، بديع الزمان ( سعيد النُّورْسي ) (1873 - 1960 م) في شمالي كردستان. (الذهبي: سير أعلام النبلاء، 15/63، 17/244. الزركلي: الأعلام، 3/273، 4/7، 6/ 256).
6. نفور الذهنية الكردية من التعصّب الديني والمذهبي، فالكردي المتديّن منفتح على الديانات والمذاهب الأخرى، وترجع هذه النزعة إلى فلسفة (التنوّع في إطار التوحّد)، وأذكر في هذا الصدد أن الوالد- رحمه الله- كان ملا شديد التديّن، لكن لم أجده متعصّباً ضد أتباع الأديان والمذاهب الأخرى، ولم ألمح أنه تعامل مع أتباعها بكراهية وعدوانية. وأذكر أن مبيّض الأواني النحاسية الأرمني مراد- رحمه الله- كان يحلّ في قريتنا كل ربيع، فكان الوالد يستضيفه على العشاء مراراً، وكانا يتسامران بودّ،، وأذكر أيضاً أن بعض الحرفيين والباعة الجوّالين، من أتباع المذهب الإمامي (الجعفري)، كانوا يحلّون ضيوفاً على الوالد، وكانوا يلقون منه الترحيب والبشاشة، وكان للوالد أصدقاء من الكرد الأيزديين أيضاً، وكان يعاملهم باحترام جمّ، ولم يكن الوالد منفرداً بهذا النهج، وإنما كان هكذا نهج أهل قريتي رجالاً ونساء، وما كنت أسمع أحداً منهم ينطق عبارات إقصائية دينية أو مذهبية، من قَبيل (هذا كافر، هذا نَجِس)، بل أستطيع الجزم بأن هذا النهج هو الغالب على المجتمع الكردي بشكل عام.
7. إن ظاهرة التعصب الديني والمذهبي عند بعض الكرد- سواء أكان ذلك قديماً أم حديثاً- ظاهرة دخيلة على ذهنية الكرد الدينية، وعلى تقاليد المجتمع الكردي، وإن الكرد الذين أدخلوا هذه الظاهرة إلى المجتمع الكردي هم خرّيجو مدارس ثقافية غريبة عن الثقافة الكردية، وبتعبير آخر: إنهم تتلمذوا على أساتذة التعصب والتزمّت الديني والمذهبي، فتحوّلوا إلى (حصن طروادة)، واخترق بهم المتعصّبون المجتمع الكردي، وزرعوا في بعض شرائحه ثقافة كراهية الآخر دينياً ومذهبياً، ولا ننس في الوقت نفسه دور السياسات العثمانية في استغفال بعض الكرد المتديّنين، وتسليطهم على جيرانهم المسيحيين والأيزديين والعلي إلهيين.
8. إن الكردي غير متشبّث بالمظاهر الدينية الخارجية، وهو غير حَرْفي في ممارسة الطقوس والشعائر الدينية، وإذا حكمتَ على الكردي بمعايير المظاهر والحَرْفية فقد تقول: هو غير متديّن. والأمر في الحقيقة ليس كذلك، فالكردي غير ميّال إلى التنميط والقَوْلبة في الأمور جميعها، بما فيها المظاهر والطقوس الدينية الشكلانية، إن الكردي المتديّن يحمل في أعماقه تقوى أخلاقية صامتة، إنه ليس من نمط المتديّن الصاخب، ذلك الذي ينادي على نفسه حيثما كان، وكأنه في مزاد، ويقول للآخرين ضمناً: انظروا، أنا مؤمن! أنا متدين! أنا تقي!
9. إن الكردي قلّما يجامل في أمور الدين، ولا ينزع إلى النفاق، فهو صريح في موقفه الديني، إنه إما متديّن متمسّك بما يقتضيه التديّن، لكن من غير مباهاة، وإما أنه متوسط التدين، وإما أنه غير متدين (علماني)، ولا يستطيع إخفاء ذلك حتى لو أراد، وهو في جميع الأحوال يجلّ المتديّنين، ويحترم رجال الدين، وكأني به يطبّق شعار (الدين لله، والعالم للجميع).

وقد لخّص باسيلي نيكيتين كثيراً من خصائص ذهنية الكرد الدينية في قوله:
"أما فيما يتعلق بالدين، فرغم أن الكردي يُخضعه لمصلحة عشيرته إلا أن صفوة من الكرد يتميّزون بانغماسهم في الروحانيات، وفي ميدان التصوف بخاصة. وتحثّ هذه الروحانيات الإنسان الكردي على البحث عن الله، وهذا البحث جِبِلّة إيرانية مميَّزة، تشعّبت من المعتقدات الكردية التي تجد أصولها في الإسلام وفي معتقدات أخرى ترجع إلى ماضٍ سحيق. وكلُّ ذلك يفسَّر بأسباب تاريخية ترتبط بموقع كردستان ووقوعها على ملتقى الديانات التي ظهرت في أرض آسيا القديمة ". (نيكيتين: الكرد، ص27).

المراجع
1. أرنولد توينبي: مختصر لدراسة التاريخ، ترجمة فؤاد محمد شِبْل، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، الطبعة الأولى، 1964م.
2. أڤستا، إعداد الدكتور خليل عبد الرحمن، مطبعة دار الحياة، دمشق، الطبعة الأولى، 2007م.
3. باسيلي نيكيتين: الكرد، ترجمة الدكتور نوري طالباني، دار الساقي، بيروت، الطبعة الثانية، 2001م.
4. الجاحظ: رسائل الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1979م.
5. جفري بارندر: المعتقدات الدينية لدى الشعوب ترجمة د. إمام عبد الفتّاح إمام، عالم المعرفة، الكويت.
6. الدكتور خليل جندي: الأيزدية والامتحان الصعب، دار آراس للطباعة والنشر، أربيل، كردستان العراق، 2008م.
7. خير الدين الزركلي: الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1986م.
8. دياكونوف: ميديا، ترجمة وهبية شوكت محمد، رام للطباعة والتوزيع، دمشق.
9. الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شُعَيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1982م.
10. زنار سلوبي: في سبيل كردستان: ترجمة ر. علي، رابطة كاوا للثقافة الكردية، دار الكاتب، بيروت، الطبعة الأولى، 1987م.
11. سبتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ترجمة الدكتور السيد يعقوب بكر، دار الرقي، بيروت، 1986م.
12. الشَّهْرِسْتاني: المِلَل والنِّحَل، تحقيق محمد سيّد كيلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1975م.
13. صمويل نوح كريمر: أساطير العالم القديم، ترجمة دكتور أحمد عبد الحميد يوسف، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1974م.
14. صمويل نوح كريمر: من ألواح سومر، ترجمة الأستاذ طه باقر، مكتبة المُثَنّى، بغداد، ومؤسسة الخانجي، القاهرة، 1970م.
15. شوقي جلال: العقل الأمريكي يفكر، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الثانية، 1997م.
16. الدكتور عبد الحميد زايد: الشرق الخالد، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967م.
17. الدكتور عبد الغني عماد: سوسيولوجيا الثقافة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الأولى، 2006م.
18. الدكتور فاضل عبد الواحد علي: من سومر إلى التوراة، سينا للنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، 1989م.
19. اللواء الركن محمود شِيت خَطّاب: قادة فتح بلاد فارس، دار الفكر، الطبعة الثالثة، 1974م.
20. المسعودي: مروج الذهب ومعادن الجوهر، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار المعرفة، بيروت، م1982.
21. نوري إسماعيل: الديانة الزردشتية، منشورات دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، دمشق، 1999 مم.
22. هاري ساغز: عظمة آشور، ترجمة خالد أسعد عيسى، أحمد غسّان سِبانو، دار ومؤسسة رَسْلان، دمشق، الطبعة الأولى، 2008 مم.
23. الهمذاني (ابن الفقيه): كتاب البلدان، تحقيق يوسف الهادي، عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1996م.
ــــــــــــــــــ
د. أحمد الخليل / في 18 ـ 5 ـ 2010
dralkhalil@hotmail.com