دراسات سوسيولوجية في الشخصية الكردية
( الحلقة الأولى )
لماذا هـذا الموضوع؟

مدخل:
الكتابة هي في الدرجة الأولى رسالة ومسؤولية.

وقد تكون الكتابة ضرباً من البحث عن الذات، أو نوعاً من تأكيد الذات، أو شكلاً من أشكال النرجسية، وقد تكون أحد فنون الهرب من الواقع، أو إحدى طرائق السعي إلى الأرستقراطية، وقد مارست الكتابة منذ أن ناهزت العشرين من العمر، كانت كتابات ذاتية حينذاك، وتطوّرت فصارت شبه قصصية، ثم تطوّرت أكثر فصارت أكاديمية أدبية، ونشرت أول كتاب سنة (1989)، وكان من الطبيعي – بتأثير تخصصي في الأدب، وعملي في التدريس- أن أكتب المقالات، وأشارك في المحاضرات والندوات والمؤتمرات، وأؤلف الكتب في الأدب والنقد، ثم اتسعت دائرة التأليف بعد أن شغفت بمجال التاريخ، وجملة القول أن الكتابة صارت من لوازم حياتي، أشرّق فتشرّق معي، وأغرّب فتغرّب، بل تتسلّل أحياناً إلى عوالم أحلامي وأنا نائم.
ومع هذا كله لم أجدني متردّداً في الإقدام على الكتابة في موضوع كتردّدي في كتابة موضوع (الشخصية الكردية)، لا بل إني أراقب نفسي منذ ما يزيد على شهرين، فأجد أن الأمر يتجاوز دائرة (التردد)، ويدخل في دائرة (التهيّب)؛ إذ يبدو لي أن من أصعب الأمور أن يكتب المرء عن شخصيته، فلا يقزّم ولا يبالغ، وأصعب منها أن يكتب عن شخصية غيره، فلا يجامل ولا يتطاول، وما دام الأمر هكذا فكيف تكون الحال إذا كتب المرء عن شخصية شعب أو أمة؟!
والحقيقة أن موضوع الكتابة في (الشخصية الكردية) ليس جديداً عليّ، وأذكر أن نفسي حدّثتني بتأليف كتاب في هذا المجال منذ ما يزيد على خمس سنوات، وكنت حينذاك أعمل في كتاب (تاريخ الكرد في الحضارة الإسلامية)، وكان العنوان الأول في الفصل الثالث هو (الشخصية الكردية)، وقد تناولت في حوالي (15) صفحة من ذلك الفصل بعض ما قيل قديماً وحديثاً في سمات الشخصية الكردية، وحرصت على أن يكون أصحاب تلك الأقوال والشواهد من غير الكرد، لأضمن أكبر قدر ممكن من الموضوعية، ثم أوردت آرائي الخاصة في هذا المجال، لكن باختصار شديد، إذ لم يكن المقام مقام توسّع وتفريع؛ وقلت لنفسي حينذاك: لا تكفي كتابة بضع صفحات في هذا الموضوع المهم، وإنما الأمر بحاجة إلى كتاب برأسه.

رحلات معرفية:
ومع ذلك أحجمت عن الكتابة في هذا الموضوع، لأسباب عديدة، منها أنني كنت مطّلعاً بشكل موسَّع على تاريخ الكرد في العهود الإسلامية، لكن معلوماتي حول تاريخ أسلاف الكرد قبل الإسلام لم تكن وافية، كما أنها لم تكن معمَّقة بالقدر الكافي، هذا إضافة إلى أنها كانت قليلة جداً في بعض الجوانب، وكانت معدومة تماماً في جوانب أخرى، واقتضى ذلك أن أقوم برحلة اطّلاعية واسعة ومركّزة على مسارين اثنين:
1 – المسار الأول: هو تاريخ الكرد قبل الإسلام، بدءاً من ظهور المجتمعات البدائية في جبال كردستان وعلى حوافّها، وانتهاء بالعهد الساساني. ورغم المعلومات المفيدة التي اطّلعت عليها في هذا المجال، ما زالت الحاجة ماسّة إلى تسليط مزيد من الضوء على بعض النقاط، كالعلاقة بين السومريين وأسلاف الكرد، ودور الحوريين في التكوين الكردي، وأعلم أن امتلاك صورة متكاملة ودقيقة عن أسلاف الكرد لا يتحقق إلا بالعودة إلى ما كُتب بالفارسية والأرمنية والتركية والروسية واليونانية والهولندية، والألمانية والفرنسية والإنكليزية وغيرها، في هذا المجال، ولا يتمّ أيضاً إلا بقراءة ما اكتشفه وكتبه علماء الآثار عن غربي آسيا طوال القرن العشرين؛ وكم هو مهم أن يقوم المثقفون الكرد الذين يجيدون هذه اللغات بالبحث عن تلك الكتابات، والنهوض بعبء ترجمتها إلى الكردية أو العربية أو التركية، فإن في ذلك خدمة جليلة ليس للتاريخ الكردي فقط، وإنما لمكتبة غربي آسيا وللمكتبة العالمية أيضاً.
2 – المسار الثاني: هو البحث في سيرة مشاهير الكرد، وخاصة في العهود الإسلامية، اعتقاداً مني بأن مشاهير كل أمة هم الفئة التي تتقمّص القدر الأكبر من السمات الشخصية التاريخية لتلك الأمة، وتجسّدها في مواقف وأحداث معيّنة، كما أن مشاهير كل أمة هم الفئة الرائدة والقائدة فيها، وهم النخبة الذين يصنعون تاريخها، ويقومون بأدوار فعّالة جداً في صناعة مصائر أجيالها، بغضّ النظر عن ملامح تلك التواريخ وطبيعة تلك المصائر؛ وإلا فكيف لنا أن نعرف- مثلاً- الشخصية العربية من غير معرفة الزعيم القرشي قُصَيّ بن كِلاب، أول من نظّم الشؤون الدينية والدنيوية في مكة عاصمة العرب الثقافية والاقتصادية قبل الإسلام، ومن غير معرفة عمر بن الخَطّاب ومُعاوِية بن أبي سُفْيان وأبي جَعفر المنصور، في الإسلام؟ وكيف لنا أن نعرف الشخصية الفارسية من غير معرفة كورش الثاني، ودارا الأول، وأَرْدَشير بن بابك، قبل الإسلام، والفِرْدَوْسي، والشاه إسماعيل الصَّفَوي في الإسلام؟ وكيف لنا أن نعرف الشخصية التركية من غير معرفة السلطان أَلْب أَرْسلان السلجوقي، والسلطان سليم الأول العثماني، ومصطفى كمال آتاتورك؟
وجدير بالذكر أني خرجت من تلك الرحلة الثقافية، على المسارين، بمعلومات مفيدة وأفكار جديدة، وانفتحت لي آفاق في التاريخ الكردي كنت لا أعرف عنها إلا القليل، وقد وظّفت الكثير من تلك المعلومات في كتاب بعنوان (دولة ميديا: ملوكها وأحداثها)، وأيضاً في (56) حلقة ضمن سلسلة نشرتها على شبكة الإنترنت بعنوان (مشاهير الكرد في التاريخ)، ثم جمعت بين بعض حلقات تلك السلسلة في كتاب بعنوان (عباقرة كردستان في القيادة والسياسة)، وأنتظر الانتهاء من بعض المشاغل الثقافية الملحّة؛ لاستكمال البحث في هذا الميدان.
ولا ريب في أن المعلومات التي توافرت لديّ خلال الرحلة على ذينك المسارين جعلتني أكثر معرفة بالشخصية الكردية، ومع ذلك أحسب أن المشهد الكلي لهذا المحور كان سيعاني من ثغرات متعددة، لو لم أقم برحلة ثانية عبر مصادر التراث العربي الإسلامي، أبحث فيها عن صورة الكرد على نحو أكثر دقة وتوسعاً، وقد أفرغت نتائج تلك الرحلة البحثية في (18) حلقة، ضمن سلسلة نشرتها على شبكة الإنترنت بعنوان (دراسات في التاريخ الكردي)، وتأكد لي من خلالها أن صورة الكرد في تلك المصادر هي- في الغالب- صورة مشوَّهة إلى درجة تثير الاستغراب والاستهجان، وهي لا تنافي أبسط مقتضيات الواقع وقواعد العقل والمنطق فقط، وإنما تنافي أبسط قواعد الأخلاق العلمية والإنسانية أيضاً.
وكان من الممكن للمرء أن يغضّ النظر عن تلك الكتابات، ويعدّها نتاج الجهل بحقائق الأمور، أو يعدّها ضرباً من الثرثرة التي شغف بها فريق من كتّاب غربي آسيا منذ قرون، لكن المشكل أنها تخرج من نطاق الجهل، وتتجاوز حدود الثرثرة، وتدخل في دائرة (التشويه العمد) كما يقول القانونيون، ولذلك أدرجت الكثير من تلك الكتابات تحت عنوان (مشروع أَبْلَسة الكرد)؛ إذ تأكد لي بالأدلة القاطعة أن الكرد- وهذه ظاهرة عجيبة ومؤسفة حقاً- كانوا وما زالوا ضحية هذا المشروع القديم والمتشعّب والمعقّد والمستمر، على الصعيدين الإقليمي والعولمي، حتى إن الزعيم الكردي ملا مصطفى بارزاني تساءل ذات مرة مستغرباً: " ما هي الجرائم التي ارتكبها الشعب الكردي حتى تقف جميع أمم العالم ضده "؟! (جوناثان راندل: أمة في شقاق، ص 232).

تساؤلات:
إن تلك الكتابات المغرضة والمجحفة بحق الكرد كانت مثيرة للدهشة بالنسبة لي، ليس باعتباري كردياً فقط، وإنما أيضاً باعتباري أحد أفراد البيت الغرب الآسيوي الكبير، وأحد أبناء هذا العالم، كما أنني أعتقد اعتقاداً جازماً بأن على المرء أن يكون حذراً جداً في تناول شخصيات الشعوب، فالإساءة إلى الفرد قد تُمحى بالاعتذار منه، أما الإساءة إلى شعب بأكمله فكيف لنا أن نتداركها؟ وتعود دهشتي إلى سببين رئيسين:
السبب الأول: أن موطن الكرد كان مهد بزوغ فجر الحضارة في غربي آسيا، هذا باعتراف الكتب المقدسة للديانات المسمّاة بالسماوية (اليهودية، والمسيحية، والإسلام)، فـ (العهد القديم) -وهو الكتاب المقدس في اليهودية والمسيحية- يؤكد أن المرحلة الثانية لانتشار البشرية بدأ من جبال أرارات (آگري) التي رست سفينة النبي نوح على إحدى قممها بعد الطوفان، " وَاسْتَقَرَّ الْفُلْكُ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ، فِي الْيَوْمِ السَّابعَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، عَلَى جِبَالِ أَرَارَاطَ " (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح الثامن، الآية 4). " وَكَلَّمَ اللهُ نُوحًا قَائِلاً: اخْرُجْ مِنَ الْفُلْكِ أَنْتَ وَامْرَأَتُكَ وَبَنُوكَ وَنِسَاءُ بَنِيكَ مَعَكَ. وَكُلَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي مَعَكَ مِنْ كُلِّ ذِي جَسَدٍ: الطُّيُورِ، وَالْبَهَائِمِ، وَكُلَّ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ، أَخْرِجْهَا مَعَكَ. وَلْتَتَوَالَدْ فِي الأَرْضِ وَتُثْمِرْ وَتَكْثُرْ عَلَى الأَرْضِ". (العهد القديم، سفر التكوين، الأصحاح الثامن، الآيات 15 - 17).
ويؤكد (القرآن)- وهو الكتاب المقدس في الإسلام- أيضاً أن سفينة النبي نوح رست على جبل اسمه (جُودي): " وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ". (سورة هُود، الآية 44). ومعروف أن جبل أرارات يقع في شمال غربي بلاد الكرد، ويقع جبل جودي في جنوب غربي بلادهم.
وإذا تفحّصنا تاريخ نشأة الحضارة البشرية وجدنا أنها تؤكد أيضاً مركزية بلاد الكرد من حيث بزوغ فجر الحضارة، ومعروف أن (حضارة حَلَف)- نسبةً إلى تل حلف في أعالي نهر الخابور- هي أبرز حضارات غربي آسيا في العصور القديمة، يقول الدكتور محمد بَيُّومي مَهْران: "وتشغل حضارة حَلَف الفترة منذ أواخر الألف السادسة، وحتى أواخر الألف الخامسة قبل الميلاد، وقد انتشر إنتاجها في الشمال خاصة، وفي مساحة تمتد من الزاب الأعلى، وسفوح جبال زاغروس شرقاً، إلى ما وراء الفرات غرباً، وإلى الحدود التركية وسفوح جبال طوروس شمالاً ". (محمد بيومي مهران: تاريخ العراق القديم، ص 20. وانظر جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ص 157).
والسبب الثاني: أن الميديين (من أسلاف الكرد) كانوا في طليعة من قاوموا بطش السلطات الآشورية، وحرروا شعوب غربي آسيا من قهرها، وعندما بدأ العهد العربي الإسلامي في غربي آسيا، وصار الكرد من جملة الشعوب التي تدين بالإسلام، لم يقصّروا- عندما أتيحت لهم الفرصة- في إغناء الثقافة الإسلامية، وفي تشييد بنيان الحضارة الإسلامية، بل كانوا في طليعة المدافعين عن البيت الغرب آسيوي ضد الغزو المغولي القادم من الشرق، وضد الغزو الأوربي القادم من الغرب، والمعروف باسم (الحملات الصليبية)، وإلى يومنا هذا نجد بعض الإخوة من مثقفي العرب وساستهم يقولون: إننا ننتظر ظهور صلاح الدين آخر ليحرر القدس.
بل لو راجعنا تاريخ التركمان السلاجقة بدقة لاتضح أن الجغرافيا الكردية كانت منصّة انطلاق للسلاجقة غرباً ضد الدولة البيزنطية، وأن مقدَّرات الأرض الكردية والإنسان الكردي كانت من العوامل المهمة في تغلّب السلاجقة على الدولة البيزنطية، وفي وصولهم إلى غربي آسيا الصغرى (تركيا حالياً)، وحسبنا دليلاً على ذلك دور الكرد في معركة مَلازْكُرْد سنة (1071 م) بين السلاجقة بقيادة السلطان أَلْب أَرْسلان والإمبراطور البيزنطي رومانوس. وقل الأمر نفسه بالنسبة إلى حروب الدولة العثمانية شرقاً ضد الدولة الصفوية، وغرباًَ ضد أوربا الشرقية.
 إذاً لماذا هذا الإجحاف الواقع على الكرد؟!
 ولماذا هذا التشويه المنهجي المتعمَّد لصورة الشعب الكردي؟!
 ولماذا الإسراع إلى التشكيك والطعن في أصل الكرد؟!
 ولماذا الإقدام على تنسيبهم إلى الجن والشياطين؟!
 ولماذا الزعم بأنهم لصوص وقطّاع طرق؟!
 ولماذا الادّعاء بأنهم حَرَقةٌ للأنبياء وعصاة لله؟!
إن هذه التساؤلات وأشباهها أسقطت المبررات التي كنت أتمترس خلفها لتأجيل البحث في (الشخصية الكردية)، وصرت مسؤولاً أمام نفسي، في الدرجة الأولى، بالبحث عن الحقيقة: تُرى أين هي؟ ومرة أخرى أقول: ليس باعتباري كردياً، وإنما باعتباري باحثاً عن الحقيقة، ولا سيما أني قد اعتدت ألا أقف مكتوف اليدين إزاء ما يعترضني من إشكاليات على الصعيد المعرفي، ولا يقرّ لي قرار إلا بعد أن أقوم بما ينبغي أن أقوم به من استطلاع واستكشاف، وجمع للمعلومات، واستقراء للتفاصيل، وتحليل للمعطيات، وربط للعلاقات، وخروج بنتائج قد لا تكون مُرْضية مئةً في المئة، لكنها تلقي كثيراً من الضوء على ما كان بالنسبة لي غامضاً.
ومنذ شهرين تقريباً عقدت العزم بصورة قاطعة على الكتابة في هذا موضوع (الشخصية الكردية)، ومع ذلك ظللت أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى؛ إذ كان عليّ- وقد اقتنعت بهذا الخيار- أن أقوم ببعض الأعباء العلمية الضرورية، وأن أجد نفسي وجهاً لوجه مع بعض الإشكالات المعرفية والمنهجية.

أما بالنسبة للأعباء فكان لزاماً عليّ أن أتوسّع في مجالات معرفية أربعة:
- الأول هو علم النفس، وما يشتمل عليه من نظريات في تحليل الشخصية.
- والثاني هو علم الاجتماع، وما يشتمل عليه من طرائق لدراسة الأفراد والفئات والطبقات والجماعات.
- والثالث هو علم الجغرافيا البشرية، وما يعنيه من البحث عن العلاقة بين معطيات البيئة الطبيعية وخصائص الجماعات والشعوب.
- والرابع هو الاطلاع على تجارب مماثلة في الكتابة عن شخصيات الشعوب، ووجدت دراسات لا بأس بها في هذا الميدان، منها: كتاب (دراسات نفسية في الشخصية العربية) للدكتور جابر عبد الحميد جابر، والدكتور سليمان الخُضَري الشيخ، وكتاب (ملامح الشخصية العربية) لمُحيي الدين صبحي، وكتاب (التناقض الوجداني في الشخصية العربية المعاصرة) للدكتور عبد المُعطي سُوَيد، وكتاب (الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي) للدكتور هشام جعيط، وكتاب (الوطن العربي دراسة في الشخصية الإقليمية) للدكتور ياسر أحمد السيّد، وكتاب (الشخصية المصرية) للدكتور محمد عبد الفتّاح المهدي، وكتاب (الشخصية الوطنية المصرية) للدكتور طاهر عبد الحكيم، وكتاب (الشخصية التونسية) للبشير بن سَلامة.

إشكالات:
وأما الإشكالات التي واجهتني فتتمثل فيما يلي:
• أولاً ـ الوقوع في شِباك التعميم: فأنا أنتمي إلى المجتمع الكردي في سوريا، ولم أقم بزيارات للمجتمعات الكردية في تركيا وإيران والعراق وأرمينيا، ولم أخالط الكرد في بُلوشستان وخُراسان وكازاخستان، وغيرها من مناطق الانتشار الكردي شرقاً وغرباً، أضف إلى هذا أنني أنتمي لهجوياً إلى فرع (كُرمانج)، ولم أخالط الكرد من فرع (زازا) وفرع (لُور) وفرع (گُوران)، والأكثر إشكالاً من هذا أنني أنتمي دينياً- وبحسب التقليد طبعاً- إلى الكرد المسلمين السنّة، وليست لي معرفة مباشرة بالكرد العلويين في تركيا ولا بالكرد الجعفرية (الاثنا عشرية) في العراق وإيران.
ثم إن الكرد ليسوا مسلمين كلهم، وإنما هناك الكرد من أتباع الديانة الأَيزْدية (اليَزْدية)، والكرد من أتباع الديانة الكاكائية، والكرد الشَّبَك، وصحيح أنني خالطت الكرد الأيزديين في منطقة عِفْرين (كرد داغ) التي أنا منها، لكن إلى هذا اليوم لم ألتق مباشرة بكردي من الكاكائيين ومن الشَّبَك، ولم أعرف بدقة حقيقة الدين الكاكائي والدين الشَّبَكي.
وبما أني أتطلّع إلى البحث في (الشخصية الكردية)، أفلا يعني ذلك أن ما أكتبه سيكون- شئتُ أم أبيت- متمركزاً حول الشخصية الكردية بهويتها الكرمانجية العِفْرينية المسلمة السنّية؟ وأفلا أكون بذلك قد ظلمت- من حيث أدري ولا أدري- الكرد من الفروع والبيئات والديانات والمذاهب الأخرى؟ أفلا تكون الدراسات التي أخرج بها على القراء دراسات عرجاء، فيها الحقائق وأنصاف الحقائق، وما لا يمتّ إلى الحقائق أصلاً؟ والخلاصة أفلا أكون بذلك قد عمّمت الجزء على الكل، ونقضت واحداً من أهم أركان البحث العلمي الموضوعي؟
• ثانياً ـ الوقوع في شِباك الجمود: وأقصد بالجمود هنا الخلط بين الثابت والمتحوّل، إذ لا يخفى أن الشخصية- سواء أكانت شخصية فرد أم شخصية شعب- لا تنحصر، من حيث هي كل، في حالة واحدة دائماً، إن فيها الثابت شبه الدائم (الخصائص العرقية/البيولوجية)، وفيها البطيء التحول (الخصائص السيكولوجية/الذهنية)، وفيها القابل للتحول بوتيرة متوسطة (الخصائص الثقافية: المُثل العليا، القيم)، وفيها القابل للتحول بسرعة ملموسة (الخصائص العملية: التقاليد، العادات، الأزياء)، وبما أن دراسة (الشخصية الكردية) ستتناول- حسبما يقتضي المنطق- سمات هذه الشخصية بدءاً من أقدم أسلاف الكرد (على الأقل منذ حضارة حَلَف)، وإلى يومنا هذا، فكيف لنا أن نكون في منجاة من الخلط بين ما هو ثابت وما هو متحوّل؟
• ثالثاً ـ الوقوع في شِباك الخلط بين الأصيل والدخيل: المجتمع الكردي، كمعظم غربي آسيا ومجتمعات العالم الأخرى، ليس مجتمعاً منغلقاً، إنه على تواصل مباشر مع المجتمعات المجاورة له منذ ثلاثة آلاف عام قبل الميلاد، وكان ذلك التواصل يغدو واقعاً مفروضاً عندما كان المجتمع الكردي يصبح- كلياً أو جزئياً- تحت سلطة الإمبراطوريات التي حكمت غربي آسيا (الآشورية، الميدية، الفارسية، اليونانية، الرومانية). وأصبح تواصل الكرد مع جيرانهم وثيقاً على نحو أشد حينما أصبحوا من رعايا الإمبراطورية العربية الإسلامية في القرن السابع الميلادي، وكذلك الأمر حينما صاروا من رعايا الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي.
أما في العصر الحديث فها نحن نرى أن فرص الانغلاق والانعزال تتقلص يوماً بعد آخر، وأصبحت الشعوب مضطرة إلى الانفتاح على الآخرين في جميع الاتجاهات؛ وهذا يعني أن شخصية شعبٍ ما لم تعد قادرة على الاحتفاظ بأصالتها بشكل كامل، ولا بد أن تتعرض للتأثر والاختراق، بل ليس من المستبعد أن تتعرض للمسخ بعض الأحيان، وبطبيعة الحال ليست الشخصية الكردية استثناء في هذا المجال، فكيف لنا إذاً أن نميّز فيها بين الأصيل الدخيل من السمات؟ وكيف لنا أن نحدد فيها نسبة الأصالة والاختراق والانمساخ؟
• رابعاً ـ الوقوع في شِباك نظرية (شعب الله المختار): لا يخفى أن كل شعب من شعوب العالم يعتقد، فيما بينه وبين نفسه، أنه الأفضل والأنقى والأسمى، ولكل شعب مبرراته الخاصة في هذا المجال، وقد تكون تلك المبررات دينية أو عِرقية أو حضارية أو عسكرية، لا بل إن نُخب بعض الشعوب يصرّحون علناً بأن شعبهم هو (شعب الله المختار)، وأنه المؤهّل وحده لقيادة الجنس البشري، وانطلاقاً من هذه العقيدة يمنحون شعبهم جميع الصفات المرموقة، ولا يتركون لغيره من الشعوب إلا الفُتات؛ ونذكر على سبيل المثال النُخب العبرانية، والنُخب الطورانية، والنخب النازية.
وبما أن الأمر كذلك أفلا يمكن أن تركبنا أيضاً شهوة الخُيَلاء، وننساق خلف النرجسية القومية، ونتوهّم أن الكرد هم (شعب الله المختار)، ونشرع من ثَمّ في تضخيم المحاسن واختلاق الفضائل والمزايا، والتقليل من نسبة السلبيات؟
• خامساً: الوقوع في شِباك حملة التشويه: لقد مر أن الكرد تعرّضوا طوال خمسة وعشرين قرناً- وما زالوا يتعرّضون- لحملة منهجية من التشويه، وسبق أن أدرجنا مظاهر وأشكال تلك الحملة تحت عنوان (مشروع أبلسة الكرد)، وبما أن الأمانة العلمية تقتضي أن نسلّط الضوء على السلبيات المتأصلة في الشخصية الكردية، أو الدخيلة عليها، أفلا يمكن أن يعمد المغرضون، من أصحاب مشروع أبلسة الكرد، إلى تلك السلبيات، فيخرجوها من سياقاتها التاريخية والموضوعية، ويتخذوها سلاحاً للإيغال في تشويه صورة الكرد، ويقولوا: انظروا، ها هو شاهد منهم يؤكد ما نقول؟

آليات وضوابط:
كانت هذه الإشكالات- وهي وجيهة ومهمة- من أبرز العوامل التي جعلتني أقدّم رجلاً وأؤخر أخرى في تناول موضوع (الشخصية الكردية)، وأشد ما كنت أحذره هو أن تخرج دراستنا هذه من مسارها المفترض- وهو مسار الواقعية والموضوعية وبناء جسور التواصل مع الآخر- إلى مسارات تتراوح بين التسطيح والتمجيد والتضليل وإثارة النّعرات وزرع الخصومات. وبعد طول تأمل قررت وضع منهج علمي صارم أُلزم به نفسي في كل كلمة أكتبها، وفي كل رأي أبديه، وفي كل استنتاج أتوصل إليه، وتتفرّع على ذلك المنهج آليات وضوابط أعتقد أنها ستصحّح لي المسار، وتحول دون الانجراف مع تيّار الذاتية والخيلاء، أو التقوقع في شرنقة الجزئية وضيق الأفق، أو الشطح بعيداً في مدارات الانفعال والارتجال؛ وفيما يلي أبرز تلك الآليات والضوابط:
1. التوسع- قدر المستطاع- في معرفة كل ما يتعلق بالمجتمع الكردي؛ من حيث الجغرافيا، والتاريخ، والاثنولوجيا، والميثولوجيا، واللغة، والدين، والفكر، والأدب، والفن، والعادات، والتقاليد، والمُثل العليا، والقيم، والعلاقات، والسلوكيات، والانتفاضات، والثورات، والانتصارات، والإخفاقات، والهزائم.
2. رسم ملامح خريطة الشخصية الكردية على ضوء العناصر السابقة، مع الأخذ في الحسبان أنها عناصر متعالقة متفاعلة متكاملة، تنتمي إلى منظومة شاملة، وليست جزراً مبعثرة ولا شظايا متفرقة، فقد تكون السمة الواحدة من سمات الشخصية متصلة في الوقت نفسه بما هو بيئي، وميثولوجي، واجتماعي.
3. الاعتماد على الوثائق للوصول إلى الحقائق، ويجب أن ينصبّ التركيز على ما شاهده الآخرون ولاحظوه وقالوه بخصوص سمات الشخصية الكردية، ونقل ما ذكروه بأمانة تامة، سواء أكان ما ذكروه يدخل في باب الإعجاب والمديح أم يندرج في باب الذم والانتقاص والتشويه، مع التمييز الدقيق بين ما هو واقعي وموضوعي وما هو مرتجَل ومُغرِض في تلك المشاهدات والملاحظات والأقوال.
4. التمييز الدقيق، في الحقول المتعلقة بسمات الشخصية الكردية، بين ما هو عام وما هو خاص، وما هو ثابت وما هو متحول، وما هو أصيل وما هو دخيل.
5. الانطلاق في الدراسة من نية بناء جسور التعارف والتفاهم بين الكرد والشعوب الأخرى، وخاصة جيران الكرد العريقين (الفرس، العرب، الآشوريون، الكلدان، السريان، الأرمن، الترك)، وعدم الانجرار وراء الخيلاء القومية، مع الابتعاد الكلي عن تمجيد الشخصية الكردية، وعن تفضيلها على غيرها من شخصيات الشعوب الأخرى، سواء أكان ذلك تحت عنوان الموازنة أو المقارنة.
6. عرض ما يُكتب في هذه الدراسات على أكبر شريحة ممكنة من المثقفين الكرد في مختلف مناطق كردستان، ومن مختلف الأديان والمذاهب والتخصصات، لإبداء الرأي تصويباً وتعديلاً وحذفاً وإضافة؛ بناء على وثائق علمية ومعطيات واقعية وأسس منطقية.
7. عرض ما يُكتب في هذه الدراسات على أكبر شريحة ممكنة من المهتمين بالشأن الكردي من الإخوة غير الكرد، لإبداء الرأي تصويباً وتعديلاً وحذفاً وإضافة، ومرة أخرى أقول: بناء على وثائق علمية ومعطيات واقعية وأسس منطقية؛ إذ قد يكون الآخر المراقب أكثر تنبّهاً - في بعض الجوانب- إلى خصائص شخصية شعب ما من أبناء ذلك الشعب نفسه.
8. مراجعة ما أكتب وتنقيحه وَفق ما أطّلع عليه من معلومات وآراء جديدة.
وأحسب أن أول ما يجب أن نبدأ به هو تأصيل بعض المفاهيم والمصطلحات ذات الصلة بموضوع (الشخصية).
وهذا هو موضوعنا للحلقة القادمة.

المراجع
1. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، دار صادر، بيروت، 1979م.
2. جوناثان راندل: أمة في شقاق، ترجمة فادي حمّود، دار النهار، بيرون، 1997.
3. جيمس ميلارت: أقدم الحضارات في الشرق الأدنى، ترجمة محمد طلب، دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 1990.
4. محمد بيومي مهران: تاريخ العراق القديم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1990.
5. ابن أبي الهيجاء الإربلي: تاريخ ابن أبي الهيجاء، تحقيق صبحي عبد المنعم محمد، دار رياض الصالحين، الطبعة الأولى، 1993م.
ــــــــــــــ

د. أحمد الخليل في 4 ـ 11 ـ 2009
dralkhalil@hotmail.com