أين موقع الكرد الفيلية بعد انتهاء انتخابات مجالس المحافظات؟

كانت انتخابات مجالس المحافظات خطوة أخرى نحو بناء الديمقراطية في العراق رغم ما تخللها من نواقص وهفوات، مثل حرمان أعداد لا باس بها من المواطنين من المشاركة فيها في العديد من المحافظات لأسباب مختلفة، ورغم الشكاوى المقدمة من قبل بعض القوى السياسية بحصول خروقات في بعض المناطق. الملاحظ أيضا هو حصول انخفاض كبير في نسبة المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات مقارنة بنسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور وفي انتخابات مجلس النواب، مما قد يدل على خيبة أمل بين المواطنين، وقد يؤشر على حصول ضعف في ثقتهم بالقوى السياسية الحاكمة. لم تتمخض هذه الانتخابات عن تحولات جوهرية كبيرة في الخارطة السياسية العراقية العامة.

تخللت الحملة الدعائية في الانتخابات ممارسات بعيدة عن الديمقراطية، إذ إنها افتقدت إلى تساوي الفرص أمام جميع القوائم المتنافسة. فقد وُضعت الأجهزة الإعلامية، شبكة الإعلام العراقي، وغيرها من الأجهزة ألتابعة للدولة في خدمة سياسي واحد، هو دولة رئيس الوزراء، وتنظيم سياسي واحد، هو تنظيم السيد نوري المالكي، إلى درجة عدم قيام محطة تلفزيون "العراقية" الحكومية، التي تمول من المال العام، ببث أي من جلسات محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم كبرى بحق مئات الآلاف من المواطنين العراقيين من الكرد الفيلية، مع العلم أنها قامت ببث المرافعات الأخرى للمحكمة الجنائية العراقية العليا. وركزت بعض القوى في حملتها الانتخابية على العشائرية والقيم البدوية مما يؤدي إلى إنماء وتقوية روح "العصبية القبلية" وغلبة القيم البدوية والولاء القبلي على حساب بناء المجتمع المدني على أسس وقيم ديمقراطية عامة والولاء للوطن. ينطوي هذا التوجه على مخاطر على مستقبل العراق حتى ولو حقق لهذه القوى مكاسب آنية ومرحلية. لقد أوصلت هذه القوى فكرة "العشائرية" إلى صفوف الكرد الفيلية أيضا وبدأت دوائر الدولة تشير إلى شريحتنا باسم "عشائر الكرد الفيليين" وظهرت أخبار ومقالات تبشر الكرد الفيلية بقرارات جديدة بمنحهم شهادة جنسية عراقية (خالية من إشارات خاصة) لا تختلف عن شهادة الجنسية العراقية التي تمنح لباقي المواطنين العراقيين، وتم عقد المؤتمر الأول لـ "مجلس عشائر الكرد الفيليين" بحضور دولة رئيس الوزراء الذي القي فيه خطابا ايجابيا كان حتما جزء مكملا من حملته الانتخابية لكسب أصوات الكرد الفيلية في انتخابات مجالس المحافظات.

لقد انتهت انتخابات مجالس المحافظات وظهرت نتائجها الأولية وستعلن نتائجها النهائية بعد حوالي الأسبوعين. لذا ليس من الجائز أو المنطقي استباق الأمور ألآن واستخلاص "الاستنتاجات" في هذا الاتجاه أو ذاك بالاستناد إلى مجرد تصورات وتخيلات ذاتية وعلى أساسها توجيه لوم أو اتهام عدم نجاح هذه الجهة أو تلك إلى الآخرين، الأمر الذي يكشف عن عدم الجدية حول قضايا هي في غاية الأهمية، ويؤدي أيضا إلى الابتعاد، وربما التخلي، عن الذين يُوجه لهم اللوم أو الاتهام . فالسياسي الحريص فعلا لا قولا على مصالح الناس الذين يعتبرهم قاعدته السياسية والاجتماعية والذي يريد كسبهم، والسياسي المهتم في الواقع العملي بقضاياهم، يبني استنتاجاته على معطيات موضوعية بعد دراستها وتحليلها واستخلاص الاستنتاجات الواقعية والدروس العملية على أساسها كي يتجنب عدم النجاح في المستقبل.

لا ندري كيف صوت الكرد الفيلية في بغداد وواسط وغيرها من محافظات وسط وجنوب البلاد، ولكننا نعلم لأية قائمة ذهبت الأغلبية المطلقة من أصواتهم في محافظة ديالى، في خانقين وغيرها. وإذا افترضنا إن الكرد الفيلية لم يشاركوا في الانتخابات (بشكل واسع) أو صوتوا لقوائم أخرى غير القوائم الفيلية أو الكردستانية، فالسؤال الذي يطرح نفسه وبالحاج هو لماذا هذا الفرق في تصويت الكرد بين بغداد وديالى وهما محافظتان متجاورتان جغرافيا؟ هل التقصير عند الكرد الفيلية أم يكمن في الأوضاع العامة والمواقف العملية لمختلف القوى السياسية الكردستانية والعراقية تجاه القضايا الأساسية والمصيرية لهذه الشريحة، التي أدت إلى خيبة أمل واسعة تعكس ضعف الثقة وفقدان الأمل وعدم رؤية ضوء في نهاية النفق المظلم الذي يجدون أنفسهم فيه؟ أم انه يكمن في عدم حصول الكرد الفيلية على مكتسبات حقيقية ذات معنى أيام اليسر من القوى السياسية الكردستانية والعراقية (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وحزب الدعوة الإسلامية وغيرها - التي تحكم العراق منذ سقوط النظام السابق في نيسان 2003) التي ضحوا بالغالي والنفيس من اجلها ومن أجل أفكارها ومبادئها أيام العسر زمن الدكتاتورية الغاشمة؟

كما لا نعلم لحد ألان عن عدد المقاعد التي حصل عليها الكرد الفيلية في مجالس المحافظات التي يقطنوها بكثافة مثل بغداد وواسط. فان لم يحصلوا على مقاعد تتناسب مع عددهم، فهل يكمن سبب ذلك في تشظي صفوف التنظيمات السياسية الكردية الفيلية وتبعثرها مع هذه القوة السياسية أو تلك وعدم قدرتها على لم شملها وتوحيد خطابها وتنسيق مواقفها وانعدام مرجعية سياسية تتكلم باسمها جميعا؟ أو أنه يكمن في الخطأ الكبير في مواقف قسم من السياسيين من الكرد الفيلية الذين عارضوا إعطاء الكرد الفيلية عددا من المقاعد في مجالس المحافظات التي يقطنوها بكثافة أسوة ببقية الأقليات (مثل ألإخوة المسيحيين والايزيديين والصابئة والشبك) والذي أدى الى حرمانهم من التواجد الفعلي قي مجالس مثل هذه المحافظات؟

ربما تكون نتائج هذه الانتخابات مؤشرا على اتجاه الانتخابات القادمة لمجلس النواب. فهل هناك من يعتبر من القوى السياسية الكردية الفيلية وغيرها؟ وما العمل؟ هل هو الاستمرار على نفس الخطى الفاشلة السابقة والأنماط القديمة غير الناجحة، أو التفكير الجدي للتوصل إلى رؤى ومنطلقات وممارسات جديدة تتناسب مع الأوضاع والتطورات الجديدة؟

وإذا جاءت ساعة اللوم، فعلى مَن يقع اللوم؟ هل يقع اللوم على الكرد الفيلية أنفسهم؟ كلا. هل يقع اللوم على نُخب وكوادر أصحاب القضية أنفسهم من الكرد فيليه؟ نعم يقع عليها قسم كبير من اللوم؟ هل يقع اللوم على القوائم الانتخابية (التي تتشكى وتوزع لوم عدم نجاحها على الآخرين) وعلى برامجها وسياساتها ومواقفها العملية منذ سقوط النظام؟ نعم يقع عليها كل اللوم، إذا أرادت أن تكسب أصواتهم، لأنها ورغم مرور حوالي ستة سنوات على سقوط النظام السابق لم يلمس منها الكرد الفيلية أية مواقف عملية وثابتة تحقق لهم مكاسب حقيقية تخفف من معاناتهم ومشاكلهم. ومن الخطأ أن يتصور أحد إن النتائج الناجحة والجيدة يحققها بالتمنيات وبالحراك التعب قبيل الانتخابات من قبل أناس أثبتت الوقائع أنهم ليسوا بمستوى الأحداث والتطورات السياسية وهموم ومعاناة الكرد الفيلية ويفتقرون لثقة وتأييد الغالبية العظمى منهم.
تتحقق النتائج الناجحة بالتخطيط والعمل الدؤوب وثبات المواقف وعدم تغيرها حسب تقلبات الأجواء السياسية وتغير المواسم الانتخابية أو كورقة للضغط على ألآخرين، تتحقق عن طريق تحقيق المكاسب الفعلية لعموم شريحة الكرد الفيلية وليس للنُخب السياسية والكوادر الحزبية ومَن هم من المفضلين. فالأصوات في الانتخابات الديمقراطية لا يتم كسبها بالأقوال المنمقة والعواطف الجياشة قبيل الانتخابات بل بتحقيق المكاسب الفعلية، تحقيق وحماية المصالح وتلبية حاجات المصوتين.

علينا متابعة الأخبار السارة والبشائر التي بشر بها كتاب كرد فيليه وغيرهم والتصريحات الايجابية التي أطلقها سياسيون قبيل انتخابات مجالس المحافظات لمعرفة مدى كونها بالونات دعاية لا تحتوي سوى على الهواء، أم أنها ذات محتوى حقيقي ذو معنى للكرد الفيلية في الواقع العملي تؤدي إلى استعادتهم لحقوقهم المغتصبة ومواطنتهم الملغاة وجنسيتهم المسقطة وممتلكاتهم المصادرة ووثائقهم المجردين عنها وتكشف لهم معلومات موثقة عن مصير ومكان رفات فلذات أكبادهم، شهدائهم المغيبين (أكثر من 20،000، حسب تصريحات دولة رئيس وزراء العراق)، وتسهيل عودة المبعدين قسرا الراغبين في العودة إلى وطنهم العراق.

علينا أن نضع هذه الأخبار السارة والبشائر والتصريحات على محك الواقع لنرى مدى مصداقيتها وجديتها، إذ كما يعلم الكل ويعترف الجميع فإن قضية الكرد الفيلية هي قضية سياسية ترتبت عليها تبعات اقتصادية وقانونية (قانون الجنسية رقم 42 لسنة 1924 وتعديلاته وتغيراته وقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 666 لسنة 1980). ولا يمكن حل هذه القضايا عمليا وبشكل ثابت إلا بخطوات سياسية بنفس مستوى الخطوات السياسية التي خلقتها، بتشريعات يسنها مجلس النواب العراقي باقتراح من مجلس الوزراء ومصادقة مجلس الرئاسة، ولا يمكن للخطوات الإدارية والإجراءات الترقيعية والجزئية وإطلاق البالونات الدعائية في مواسم الانتخابات تقديم حلول حقيقية لأي من قضاياهم المشار إليها أعلاه. فهل ستتحول هذه الإخبار السارة والبشائر والتصريحات الايجابية في موسم الانتخابات إلى خطوات عملية لرفع الغبن والتمييز عن الكرد الفيلية وإنصافهم، بتبني حلول سياسية وتشريعات دستورية وقوانين تحمي جميع المواطنين العراقيين دون تمييز أو تفريق، بضمنهم الكرد الفيلية، وتحرم تكرار ما حل بالكرد الفيلية وغيرهم من المواطنين العراقيين وما اُرتكب بحقهم من جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية (مظالم وإلغاء للمواطنة وإسقاط للجنسية وانتهاك للحقوق الأساسية ومصادرة للأموال والممتلكات وتجريد من الوثائق وحجز وتغييب) بشكل كيفي واعتباطي حسب أهواء الحكام؟

الاتحاد الديمقراطي الكوردي ألفيلي
11/2/2009

info@faylee.org

www.faylee.org