انتهى تشرين الأول/أكتوبر والصمت يلف محاكمة المتهمين بقضية الكرد ألفيليه!

ولكن "ما ضاع حق وراءه مطالب"

سبق وأن تم تقديم أوراق قضية الكرد ألفيليه (القضية رقم 7 سابقا ثم رقم 8 لاحقا)، في أوقات مختلفة بعد سقوط النظام لعدة مرات ومن قبل عدة جهات، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر، قيام د. كمال قيتولي شخصيا (باسم "لجنة إطلاق سراح الرهائن والموقوفين في العراق") قبل سنوات بتسليم إفادات مدونة وأدلة (أوراق واسطوانات سي دي) إلى قاضي في المحكمة الجنائية العراقية العليا، وجرى التسليم في اربيل. وبعد فترة جاء القاضي منير حداد من المحكمة نفسها إلى ستوكهولم (وغيرها) ودَوّنَ إفادات عدد من ألمشتكين في هذه القضية وعاد بها إلى بغداد. وبعد فترة أخرى قام القاضي زهير كاظم عبود من جديد بتدوين إفادات العشرات من المشتكين في هذه القضية في ستوكهولم. وأخيرا، وبعد تجاذبات وقيل وقال، تم تقديم تسهيلات سفر لحوالي 11 من المشتكين المقيمين خارج العراق إلى اربيل في شهر أيار/مايس من هذا العام على نفقة حكومة إقليم كردستان وتم هناك تدوين إفاداتهم من قبل ممثلين عن المحكمة الجنائية العليا بقضية الكرد ألفيليه. ثم صرح رئيس المحكمة الجنائية العراقية العليا القاضي عارف شاهين للوكالة المستقلة للأنباء (أصوات العراق) في الصيف الفائت أن "المحكمة الجنائية العليا الخاصة بقضية الكرد الفيليين ستعقد أولى جلساتها في شهر تشرين الأول أكتوبر المقبل، وان المتهمين هم كل من سعدون شاكر وطارق عزيز وفاضل صليفح العزاوي ووطبان ابراهيم الحسن، فضلا عن سبعاوي ابراهيم الحسن واحمد حسين خضير ومزبان خضر هادي وعلى حسن المجيد وصابر الدوري وعزيز صالح النومان وعبد الحميد سليمان وسعد صالح احمد سلطان ومحمد خضير الحلبوصي وفاضل عباس العامري ونعمان علي التكريتي واياد طه شهاب".

 

والآن انتهى شهر تشرين الأول/أكتوبر ولم تعقد المحكمة الجنائية العليا بقضية الكرد ألفيليه جلستها الأولى لحد الآن وهناك صمت تام وغموض يلف الموضوع - فهل هي محاولة للفلفة هذه القضية أيضا - في حين تمت مرافعات في تهم لا تصل في بشاعتها وكِبرها وعدد ضحاياها إلى ما أُرتكب بحق الكرد الفيلية من جرائم إبادة بشرية (تغييب الآلاف من شبيبتهم ويتساءل الكرد الفيلية باستغراب عن سر اكتشاف أكثر من 250 مقبرة جماعية لحد ألان كلها لضحايا الأنفال والانتفاضة الشعبانية وليس من بينها مقبرة جماعية واحدة للكرد ألفيليه، ماذا حصل يا قادة دولة "العراق الجديد" لتلك ألآلاف المغيبة من شبيبة الكرد ألفيليه؟) وتطهير عرقي وصهر قومي ونزع عراقية مئات الآلاف منهم (إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي من حملة الجنسية العراقية) وفرهدة جميع ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة (مصادرة الممتلكات) وتجريدهم من كل وثائقهم ومستمسكاتهم وشهاداتهم، ثم إلقائهم عند الحدود في ظل ظروف قاسية جدا ومعاملة لا تعرف للإنسانية والرحمة معنى. تم  كل ذلك من قبل دولة العراق، ممثلة بالحكومة والأجهزة والدوائر الرسمية، بشكل منسق ومتكامل رغم التشعبات الكثيرة لهذه الجريمة الكبرى، وبموجب القرار رقم 666 المؤرخ في 7/5/1980 الصادر عن مجلس قيادة الثورة (المنحل) بتوقيع صدام حسين رئيس المجلس ورئيس الجمهورية آنذاك. ثم تم تشكيل لجنة متابعة عليا برئاسة نائب رئيس الجمهورية آنذاك طه ياسين رمضان وعضوية وزراء وموظفين كبار في الدولة لتمشية ومتابعة تنفيذ تلك القرارات.

 

من الواضح إن قضية الكرد الفيلية في العراق هي قضية سياسية خلقتها قرارات سياسية تم اتخاذها على أعلى مستويات السلطة التنفيذية والتشريعية في دولة العراق الدكتاتوري السابق، ترتبت عليها تبعات اقتصادية وقانونية وإدارية وغيرها، ولا يمكن حلها إلا بقرارات سياسية على أعلى مستويات السلطة التشريعية والتنفيذية في العراق الديمقراطي الجديد، وهي مجلس النواب ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء بسن القوانين اللازمة وتشكيل لجنة وزارية لمتابعة وضع هذه القوانين موضع التطبيق. وبدون هذا الحل السياسي ستبقى قضية الكرد الفيلية في العراق تُراوح في مكانها وستبقى قضاياهم معلقة وتستمر معاناتهم. وما تأجيل المحاكمة سابقا لعدة مرات وعدم عقدها في الموعد الذي حدده رئيس المحكمة الجنائية العراقية العليا القاضي عارف شاهين والسكوت والغموض الذي يلف القضية سوى دليل آخر على أن قضية الكرد الفيلية هي قضية سياسية خلقتها قرارات اتخذها قادة دولة "العراق القديم" على أعلى المستويات السياسية ولا توجد إرادة سياسية لدى قادة دولة "العراق الجديد" لاتخاذ قرارات سياسية لحلها حلا عادلا ومنصفا وواقعيا ذو معنى حقيقي وكل ما لديهم تقديمه هو ترقيعات لما لا يمكن ترقيعه، وإجراءات تجميلية لقرارات سياسية ترتبت عليها نتائج بشعة ويائسة لا يمكن تجميلها، وكلام معسول لأوضاع مُرّة وتعيسة لا يمكن التستر عليها بكلام من عسل.

 

ليس هناك من تفسير لهذا الواقع المؤلم سوى عدم الجدية وقلة الاهتمام وانعدام الرغبة وفقدان إلارادة الحقيقية لدى المسئولين والسياسيين الذين يلجئون غالبا إلى إطلاق الوعود في مواسم الانتخابات وعند الحاجة إلى امتصاص ضجة إعلامية تطالب بإنصاف الكرد الفيلية. إضافة إلى وجود قوى متنفذة وأيادي خفية لها مصلحة في أن يستمر حال الكرد ألفيليه كما هو، وان تبقى قضاياهم معلقة بدون حلول وأن لا يتم إنصافهم وكشف ما تعرضوا له من جرائم كبرى وعقاب جماعي. وتستخدم هذه القوى والأيادي أساليب التسويف والتأجيل وعرقلة تنفيذ القليل الصادر من الحلول الجزئية. وتجد هذه القوى والأيادي البعض ممن يسهل لها، عن وعي أو عن عدم إدراك، تحقيق مراميها الموجهة ضد الكرد الفيلية.

ومن المهم والمفيد تكرار وتأكيد أن الكرد الفيلية كشريحة لن يستطيعوا أن يحققوا مكاسب حقيقية ملموسة لأنفسهم ولن يحقق لهم أحد مثل هذه المكاسب ما لم يرصوا صفوفهم ويوحدوا كلمتهم ويعملوا سوية، وما لم يدخلوا العملية السياسية على المستوى الوطني ومستوى المحافظات كمجموعة متماسكة بصيغ مناسبة يتم تبنيها بالتوافق وبالحفاظ على علاقات جيدة مع جميع القوى الأساسية خاصة تلك التي تعمل فعلا لصالح قضاياهم ليس فقط في مواسم الانتخابات أو وقت حصول ضجة إعلامية ولنا من تجارب السنوات الخمسة والنصف الماضية دروسا في هذا المجال. ومن الممكن أيضا إثارة القضية الكردية الفيلية أمام منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأممية والعالمية والمحافل الإقليمية والدولية المختلفة. ويتطلب هذا بدوره تنسيق مواقف التنظيمات والشخصيات الكردية الفيلية واتفاقها على القضايا الأساسية. وما المثل القائل "ما حك جلدك مثل ظفرك" سوى نتيجة تجارب واقعية وعملية في مجتمعاتنا. وما قضية إدخال أو عدم الكرد الفيلية ضمن المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات سوى مثال حي جديد على ما سبق ذكره، إذ بسبب تفتت صفوف الكرد الفيلية وعدم وحدة أصواتهم واستغلالهم من قبل بعض الكتل البرلمانية كورقة ضغط وتبادل مصالح سياسية، خسرنا حقوقنا في هذا ألمجال أيضا.

يقول المثل "لا يضيع حق وراؤه مطالب". لذا لا بديل أمامنا نحن شريحة الكرد الفيلية سوى مواصلة المطالبة باسترجاع حقوقنا والمثابرة على ذلك وعدم الإصابة بالإحباط وانكسار المعنويات والاستسلام للأمر الواقع، وليس أمامنا سوى متابعة جميع قضايانا في مختلف المحافل العراقية وغير العراقية كي نستطيع استرجاع وانتزاع حقوقنا المغتصبة وكي نُفشل محاولات كل الذين قد يبغون نشر روح الإحباط وانكسار المعنويات في صفوفنا وزرع أليأس والملل بيننا بهدف أن نستسلم ونتخلى عن مصالحنا وننسى حقوقنا في نهاية المطاف.

الاتحاد الديمقراطي الكوردي ألفيلي                           info@faylee.org                  www.faylee.org 

1/11/2008