الكرد الفيلية: متى نرص صفوفنا ونوحد  كلمتنا

 كي نسترجع حقوقنا المغتصبة؟

تشير التجارب العملية التي عاشها عدد من الكرد الفيلية الذين كتبوا - وكم هناك من الذين لم يستطيعوا أو لم يرتئوا أن يكتبوا - عن تجاربهم مع الدوائر الرسمية داخل العراق وأحيانا خارج العراق، وعن معاناتهم عند مراجعاتهم لتلك الدوائر ومحاولاتهم استعادة حقوقهم التي صدرت بشأنها قرارات وتصريحات رسمية ووعود من المسئولين. تؤكد هذه الكتابات عن التجارب الفعلية المريرة لكاتبيها، ما سبق أن أكدت عليه أكثر من جهة كردية فيليه وأكثر من كاتب كردي فيلي مرات عديدة من أن الممارسات والمواقف القديمة لا زالت، مع ألأسف، سارية لحد ألآن بشكل عام في دوائر وأجهزة الدولة العراقية ألتي لم تتغير مواقفها وممارساتها تجاه الكرد الفيلية بشكل جوهري، رغم التصريحات والوعود والقرارات التي وَضَعت حلولا جزئية لقضايا الكرد ألفيليه المتشابكة، وإن تبدلت مظاهر هذه المواقف والممارسات بعد عدد من عمليات التجميل غير الموفقة.

من الواضح إن قضية الكرد الفيلية في العراق هي في جوهرها وأساسها قضية سياسية أوجدتها قرارات سياسية تم اتخذها على أعلى مستويات السلطة التنفيذية والتشريعية زمن النظام السابق (مجلس قيادة الثورة المنحل وبتوقيع رئيس المجلس ورئيس الجمهورية آنذاك) ترتبت عليها تبعات اقتصادية وقانونية وإدارية، ولا يمكن حلها إلا بقرارات سياسية على أعلى مستويات السلطة التشريعية والتنفيذية في العراق الجديد، وهي مجلس النواب ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء. وبدون هذا الحل السياسي الجذري ستبقى قضية الكرد الفيلية في العراق تراوح في مكانها وستبقى قضاياهم معلقة وستستمر معاناتهم. أما الإجراءات الإدارية الجزئية لوحدها والخطوات المبعثرة هنا وهناك فليست علاجا بل هي إجراءات مسكنة لمعاناة مزمنة ومؤلمة، وليست سوى عمليات تجميل لوضع مأساوي مشوه طال أمده لثماني وعشرين عاما. يبدو أن هناك قوى متنفذة وأيادي خفية لا تريد للكرد الفيلية إن يسترجعوا حقوقهم وان لا يتم إنصافهم وان لا تنكشف للرأي العام العراقي والعالمي ما أُرتكبه أنصار النظام السابق (الذين لا زالوا يعششون في دوائر وأجهزة الدولة) من جرائم الإبادة البشرية والتطهير العرقي وغيرها من جرائم ضد الإنسانية من ظلم وفرهدة وتشريد بشريحة الكرد الفيلية.

 

إن إدراج شريحة الكرد الفيلية ضمن الأقليات في المادة 50 من قانون انتخابات مجالس المحافظات هو من اجل حمايتهم وحماية مصالحهم المشروعة من الضياع. والموضوع يتعلق بتمثيل مناسب في مجالس ديمقراطية للكرد الفيلية كأقلية قومية كردية تقطن في مناطق ذات أكثرية من أخوتهم من القومية العربية، مثل بغداد وواسط، وذلك على أساس حقيقة واحدة فقط هي العدد السكاني. وليس لهذه العلاقة العددية ارتباط بكون الكرد الفيلية "يعيشون منذ أقدم العصور في المناطق الممتدة على طول جانبي جبال زاكروس ومنطقة شرق دجلة" أو "أننا ننتمي إلى أقدم الحضارات وننتمي إلى الأصول الأولى للكرد في المناطق" التي نقطنها. كما أن هذا الأمر لا يغير من حقيقة كون الكرد الفيلية من القومية الكردية، كما يدل على ذلك اسمهم وشعورهم بالانتماء واسم أقدم حي سكنوه ويسكنوه في بغداد مثلا وهو "عگد الأكراد". والكرد الفيلية ككرد هم جزء من المكون الكردي للشعب العراقي وليسوا مكونا خاصا بذاته، ولكنهم شريحة عراقية لها خصوصية قضاياها وموقعها الجغرافي (الذي تترتب عليه موضوعيا، واقعيا وتاريخيا، نتائج وتبعات سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية). فأغلبية الكرد الفيلية يقطنون المناطق ذات الأغلبية السكانية العربية الوسطى والجنوبية من العراق ولهم كشريحة عراقية مظلومية مزمنة ترتبت على قرارات سياسية اتخذتها دولة العراق على أعلى المستويات زمن النظام السابق.

 

تمثيل الكرد الفيلية في مجالس هذه المحافظات هو لتحقيق العدل والمساواة ومنع تكرار هضم حقوقنا من جديد وليس "إضافة ظلم جديد إلينا"، شأنهم شأن الإخوة المسيحيين والشبك والايزيديين والصابئة، إذ أن ضمان تمثيل الكرد الفيلية في مجالس المحافظات بصيغة قانونية ودستورية هو تحقيق لحق وواجب ديمقراطي مشروع. أما دغدغة المشاعر، والمبالغة في تبسيط الأمور وطرحها بشكل يبعدها عن الموضوعية، وإدخال المسألة في ملعب أو حلبة الصراعات الكتلية الضيقة وفي حملات الدعاية لانتخابات مجالس المحافظات أو للانتخابات البرلمانية القادمة من قبل هذه الجهة أو تلك، فَزَبَد لا ينفع الكرد الفيلية في شيء ويبدو أن حقوقهم ستضيع من جديد في ملعب أو حلبة الصراعات السياسية الحزبية والكتلية الضيقة.

 

إن الذي يفيد وينفع الكرد الفيلية هو خطوات جدية وممارسات فعلية في الواقع العملي لا أقوال ودعايات أثناء الحملات الانتخابية يتم نسيانها بعد انتهاء الانتخابات.  فقضايا الكرد الفيلية لا زالت عالقة بدون حلول جذرية وذلك بسبب عدم وجود نصوص دستورية وقانونية لحل هذه القضايا حلا جذريا والافتقاد إلى آليات محددة ومؤسسات لوضع هذه الحلول موضع التنفيذ والتطبيق وتشكيل لجنة وزارية لمتابعة ذلك، ولكن هناك ألآن بدلا عن ذلك "نوايا حسنة" عند بعض المسئولين وتدخلات إيجابية من قبل دولة رئيس الوزراء وغيره من المسؤولين الكبار في الدولة في قضية تشملهم أو معاملة تتعلق بهم. ماذا سنفعل إذا تغير المسئولون الحاليون عند تداول السلطة في النظام الديمقراطي في العراق الجديد؟ أو إذا حصل لهم شيء، لا سامح الله؟ إن إدخال قضايا الكرد الفيلية في الدستور والقوانين العراقية هو الضمان الحقيقي والأفضل لهم بدلا من الاعتماد على النوايا الحسنة والتدخلات الايجابية المسئولين بين الحين والأخر. وسيجعل ذلك أكثر صعوبة تكرار ما أُنزله النظام السابق على جيلنا من مصائب وويلات وخسارة وإبادة بشرية وتطهير عرقي، على أجيالنا القادمة.

 

فلو طالب الكرد الفيلية وصرخوا مطالبين باسترجاع حقوقهم كمواطنين عراقيين وصبروا لأكثر من خمسة سنوات ونصف فلا من مستجيب وكأن أصحاب القرار لا يفقهون شيئا عن ما حل بالكرد الفيلية من مظالم وكيف "هضمت حقوقهم وتعرضوا لأبشع تنكيل وسلب"، وان طالب الكرد الفيلية بضمهم للمادة 50 كأقلية قومية في المحافظات التي يقطنوها من أجل ضمان تمثيلهم في مجالسها، قيل لهم "ان الكرد الفيلية مكون مهم من مكونات الشعب العراقي" وانكم "جزء لا يتجزء من النسيج العراقى ...علينا ان لانطالب بحقوقهم كافليه وإنما كمواطنين عراقيين."

 

أليست الأقليات القومية والدينية مكونات (أساسية) من الشعب العراقي؟ أليس أبناء الأقليات القومية والدينية في العراق "مواطنون عراقيون"؟

 

لذا من الضروري كخطوة أولى إدراج شريحة الكرد الفيلية كأقلية قومية كردية في المحافظات التي يقطنوها والتي أكثريتها السكانية هم من إخوتهم العرب، مثل بغداد وواسط وغيرها، أسوة ببقية الأقليات القومية والدينية في العراق، كي يتم تمثيلهم في مجالس المحافظات بشكل عادل. وهذا حق ديمقراطي مشروع لهم.

نكرر هنا أن الكرد الفيلية كشريحة لن يستطيعوا أن يحققوا مكاسب حقيقية ملموسة لأنفسهم ولن يحقق لهم أحد مثل هذه المكاسب ما لم يرصوا صفوفهم ويوحدوا كلمتهم ويعملوا سوية، وما لم يدخلوا العملية السياسية على المستوى الوطني ومستوى المحافظات كمجموعة متماسكة بصيغ مناسبة يتم تبنيها بالتوافق وبالحفاظ على علاقات جيدة مع الجميع، ورسم سياسة مشتركة مستقلة ترمي إلى تحقيق وضمان حقوق ومصالح وآمال شريحة الكرد الفيلية عموما بعيدا عن ألتأثيرات السياسية السلبية لأي طرف كان. ويقول المثل "ما حكّ جلدك مثل ظفرك". ومن الممكن أيضا عرض القضية الكردية الفيلية على منظمات حقوق الإنسان والمنظمات الأممية (الأمم المتحدة) والعالمية والمحافل الإقليمية والدولية المختلفة. يتطلب هذا تنسيق مواقف التنظيمات الكردية الفيلية واتفاقها على القضايا الأساسية.

ونؤكد هنا أيضا صحة المثل القائل "لا يضيع حق وراؤه مطالب". فليس أمامنا نحن شريحة الكرد الفيلية طريق آخر سوى المواصلة والمثابرة وعدم الإصابة بالإحباط وانكسار المعنويات والاستسلام للأمر الواقع، وأن نتابع قضايانا في مختلف المحافل العراقية والإقليمية والدولية والأممية كي نستطيع استرجاع وانتزاع حقوقنا المغتصبة وكي نُفشل محاولات القوى وألاجهزة وألافراد الذين قد يبغون نشر روح الإحباط وانكسار المعنويات وزرع أليأس بين صفوفنا ليحققوا غرضهم ومصالحهم الأنانية في أن نستسلم ونتخلى عن مصالحنا وننسى حقوقنا في نهاية المطاف.

الاتحاد الديمقراطي الكوردي ألفيلي                 info@faylee.org  www.faylee.info

27/10/2008