قضية الكرد الفيلية: إجراءات جزئية أم حل متكامل؟

 

مقدمة

مشاكل المواطنين العراقيين من الكرد الفيلية ظهرت بسبب أطر فكرية ونتيجة قرارات ومواقف سياسية منذ تشكيل الدولة العراقية الجديدة في أعقاب مؤتمر القاهرة الذي عقدته المملكة المتحدة في مارس (آذار) 1921 والذي انعكس إطارها الفكري في تشريع قانون الجنسية العراقية رقم 42 لسنة 1924 والتعديلات التي جرت عليه لاحقا. اعتمد المشرّع مبدأ "التمييز" وتبنّى القانون قاعدة "التبعية" بدل مبدأ "المساواة" وقاعدة "المواطنة" في نظرته لسكان العراق عند تأسيس الدولة الجديدة. لذا أعتبر العراقيين جميعا أتباع لدولتين أجنبيتين مجاورتين هما تركيا وإيران وقسَّم أهل العراق إلى "تبعية عثمانية" (أي أتباع لتركيا) و"تبعية إيرانية" (أي أتباع لإيران) ولم تكن هناك أية "تبعية عراقية"، تبعية للوطن الذي يقطنون فيه وهو العراق. وعند التطبيق العملي للقانون في دوائر الدولة تم إعطاء القاطنين في العراق أما صفة "التبعية العثمانية" (أي التركية) وصاروا عراقيين "اصلاء" ومواطنين من الدرجة الأولى يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، أو صفة "التبعية الإيرانية" نظرت إليهم  الدولة كمقيمين "دخلاء" ومواطنين من الدرجة الأخيرة، بحقوق مواطنة مقيدة جدا لا يُقبلون للعمل في الكثير من دوائر وأجهزة الدولة، خاصة كضباط في القوات المسلحة والشرطة وفي السلك الدبلوماسي وغيرها أو كموظفين في وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والإعلام والخطوط الجوية العراقية وغيرها. وصار أحيانا حتى وجودهم في العراق في خطر دائم ولو بدرجات متفاوتة، وفي صعود ونزول حسب توجهات النظام الحاكم في العراق وحسب بارومتر العلاقات السياسية بين الحكومتين العراقية والإيرانية.

استخدمت الحكومات العراقية في العهد الملكي هذا القانون كأداة في سياستها الداخلية إذ كانت علاقاتها مع إيران اعتيادية وجيدة ولكن استغلته في محاربتها للحزب الشيوعي العراقي وللحزب الديمقراطي الكردي (الكردستاني فيما بعد) وقامت بإبعاد العديد من الكرد الفيلية النشطاء في صفوف هذين الحزبين من قياديين وكوادر وأعضاء إلى إيران بحجة "التبعية الإيرانية".

بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في انقلاب 17 - 30 تموز 1968 استخدمت الحكومة العراقية هذا القانون كأداة ليس فقط في سياستها الداخلية بل الخارجية أيضا واستغلته كورقة ضغط داخلية ضد الحركة الكردية وكورقة خارجية مع الحكومة الإيرانية. لذا قامت بحملات كبيرة أبعدت خلالها عشرات الآلاف من الكرد الفيلية عام 1969 ثم عام 1970 وما بعدها بعد توقيع اتفاقية آذار مع القيادة الكردية. ولكن بعد توقيع اتفاقية الجزائر سنة 1975 وانتكاسة الحركة الكردية وتحسن العلاقات مع إيران الشاه لم تتخذ الحكومة العراقية أية إجراءات مشابهة ولم تحصل عمليات أبعاد معروفة للكرد الفيلية خلال تلك الفترة.

على أثر التوتر الشديد في العلاقات بين حكومة البعث والحكومة ألإيرانية واعتقاد النظام ألبعثي بتوفر فرصة جيدة لتصفية حساباته القديمة مع الحكومة الإيرانية بدأت حكومة البعث التحضيرات لشن الحرب على إيران بتشجيع العديد من الدول. كان جزء من هذه التحضيرات "تقوية الجبهة الداخلية"، خاصة السيطرة التامة على العاصمة بغداد مركز السلطة السياسية، وعلى الاقتصاد العراقي خاصة قطاع التجارة يجب عدم التقليل من الأهمية الكبيرة التي أعطتها الحكومة لهذا القطاع بدلالة إعدام مجموعة من التجار في وقت لاحق. وكما هو معروف فأغلبية الكرد الفيلية كانوا تاريخيا ولا زالوا من سكنه بغداد وكان لهم الباع الطويل في قطاع التجارة خاصة تجارة الجملة منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي. لذا اصدر مجلس قيادة الثورة قراره السيئ الصيت رقم 666 في 7/5/1980 ذو الأثر الرجعي الذي أسقط به "الجنسية العراقية عن كل عراقي من أصل أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب ... والثورة" (أي عدم ولائه للنظام ولحزب البعث) وأمر بإبعادهم عن العراق. كانت من بين الذرائع غير المباشرة للنظام السابق لإصدار هذا القرار الجائر محاولة اغتيال طارق عزيز، الذي يحاكم حاليا لمشاركته في ارتكاب جرائم كبرى، عند البوابة الخلفية لجامعة المستنصرية يوم 1/4/1980 التي اتهم بها النظام حزب الدعوة الإسلامية وألقى بلائمة تنفيذها الفعلي المباشر على طالب كردي فيلي يدرس في تلك الجامعة اسمه سمير غلام علي. بدأت حملة التسفيرات يوم 4/4/1980 بكبار التجار بعد دعوتهم لحضور اجتماع في غرفة تجارة بغداد لاستلام إجازات استيراد جديدة من الوزير المختص ثم اتسعت لتشمل عامة الكرد الفيلية حسب خطة مبرمجة مهيأة مسبقا.

القرار رقم 666 الصادر عن مجلس قيادة الثورة، أعلى سلطة سياسية في العراق آنذاك، وبتوقيع رئيس المجلس ورئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة، يتكون من شطرين، إسقاط الجنسية العراقية عن العراقيين وإبعادهم عن العراق. ولكن تشعّبت عن ذلك القرار قرارات وقوانين أخرى وتشكلت لجنة عليا خاصة برئاسة نائب رئيس جمهورية وعضوية وزراء ومسئولين كبار لتطبيق مختلف بنود تلك القرارات المترابطة وتفرعاتها التي شملت كل الجوانب المتماسكة للحياة القانونية (إسقاط الجنسية والتجريد من الوثائق والمستمسكات) والأمنية (حجز الأطفال والشبيبة الكردية الفيلية) والسياسية (تهمة جماعية غير محددة "عدم الولاء للوطن والشعب ...") والاقتصادية (مصادرة الممتلكات المنقولة وغير المنقولة) والاجتماعية (تفكيك وتشتيت العوائل) والثقافية (حجز وتغييب الكوادر العلمية والفنية وغيرها) والسيكولوجية (اعتداء واغتصاب) والإنسانية (ضرب وشتائم واهانات) وحتى العائلية (الزواج والطلاق حسب القرار رقم 474 الصادر عن مجلس قيادة الثورة بتاريخ 15/4/1981) للمبعدين، وطبقت بشكل مبرمج ومخطط، وشملت أيضا الهوية القومية لغير المبعدين منهم أيضا (قرار تصحيح القومية رقم 199 الصادر عن مجلس قيادة الثورة في 6/9/2001).

 

إجراءات جزئية متناثرة أم حل شامل متكامل؟

هنالك طريقتين للتعامل مع قضية ضحايا القرار 666 لسنة 1980، خاصة الكرد الفيلية، إحداهما اتخاذ إجراءات إدارية جزئية ترقيعية متناثرة تتعامل مع جزئيات وتشعبات قضية سياسية أصلا، أو تبني حل سياسي جذري شامل ومتكامل للقضية برمتها وبكل أبعادها وتفرعاتها.

على ضوء ما جاء أعلاه فالإجراءات الجزئية المتخذة من قبل الحكومة الحالية إجراءات متناثرة ومبعثرة تُفتت قضية متماسكة الجوانب والأبعاد ولا ترقى، مع شديد الأسف، إلى مستوى القضية الأساسية الكبيرة المتداخلة والمتشابكة، مع تقديرنا العالي لهذه الإجراءات واحترامنا الكبير للقائمين على اتخاذها وتنفيذها، وستبقى مثل هذه الإجراءات إجراءات جزئية وترقيعية وموضعية لقضية لا يمكن تجزئتها والتعامل مع جزئياتها بالترقيع بشكل منعزل عن بعضها البعض. وستبقي هذه الإجراءات ترقيعية صغيرة (استخدمت كلمة ترقيعات لأنها شائعة شعبيا في العراق وتعبر خير تعبير عند الإشارة إلى عدم جدوى محاولة تصليح تمزق أو عطب أو خلل بشكل جزئي موضعي فقط وليس بشكل كلي وشامل، ولم تستخدم بأي معنى أو قصد آخر) ولا تشكل حلا حقيقيا للقضية الأساسية. كما أن مثل هذه الإجراءات الترقيعية الصغيرة يمكن استغلالها بالقول "ألم نعمل لكم كذا وكذا؟ أو ألم نحقق لكم كذا وكذا؟ فماذا تريدون؟".

ويجب أن لا يفوتنا أن نلاحظ أن غالبية مثل هذه الإجراءات الجزئية، خاصة المتعلقة بشهادة الجنسية والمستمسكات الثبوتية، جاءت عادة قبيل مواعيد إجراء الانتخابات والاستفتاء. وهذا ما نلاحظه حاليا أيضا في الإجراءات المكررة (للمرة الثالثة على الأقل في السويد مثلا) التي أتت وتكاثفت قبيل انتخابات المحافظات المزمع إجرائها في الأشهر القليلة القادمة.

تحتاج قضية الكرد الفيلية إلى حل حقيقي كلّي وشامل ومتكامل يتطلب من القوى السياسية العراقية والكردستانية الفاعلة  توفر الإرادة السياسية لدى قادتها الذين بيدهم الحكم بعد تغيير نظرتهم ومواقفهم وأسلوب تعاملهم مع مجمل القضية الكردية الفيلية إلى طريقة شمولية وبأسلوب متكامل وليس بأسلوب التجزئة والتفتيت (أي كمشكلة رئيسية أنتجت مشاكل ثانوية متداخلة ومتشعبة ولكنها مترابطة مع بعضها البعض وليس كأجزاء وكمجموعة من المشاكل الصغيرة الموضعية المتناثرة المنفصلة عن بعضها البعض) واتخاذ قرارات سياسية جذرية وعملية تبدأ بتعديل قانون الجنسية العراقية لتنقيته من كل شوائب التمييز ومخلفات التفرقة، وبنقض القرار رقم 666  (أساس المشكلة والقضية بالرغم من أن القرار لا يذكر الكرد الفيلية العراقيين بالذات بالاسم بل يشمل "كل عراقي" ("تسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي") - والغالبية العظمى من المشمولين بالقرار هم من الكرد الفيلية) على نفس المستوى السياسي والدستوري والقانوني الذي أتخذ به. ومن الأهمية القصوى رد الاعتبار السياسي والقانوني للكرد الفيلية باتخاذ القرارات وسن القوانين المتماسكة من قبل السلطات السياسية العليا في البلاد متمثلة بمجلس النواب ومجلس الوزراء ومجلس رئاسة الجمهورية، وكذلك تشكيل لجنة متابعة عليا ذات صلاحيات لتقوم بمتابعة تنفيذ القرارات وتطبيق القوانين بكل امتداداتها السياسية والدستورية والقانونية وجميع تشعباتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية وتحديد موارد مالية كافية لها من ميزانية الدولة لتستطيع تطبيق القوانين وتنفيذ القرارات المتعلقة بمهامها.

وبعكسه ستبقى المشاكل والمصاعب تلاحق هذا الجيل من المواطنين العراقيين من الكرد الفيلية وستلاحق أجيالهم القادمة في المستقبل كما لاحقتهم لحد ألآن ولاحقت أجيالهم السابقة.

أمثلة متعددة من ألإجراءات الجزئية

هناك أمثلة متعددة على الإجراءات الجزئية المتناثرة التي لم تحقق إلى الآن الأهداف المرجوة منها، من بينها وعلى رأسها قضية المستمسكات والوثائق الثبوتية وقضية الممتلكات المتنازع عليها وقضية "شهادة الجنسية"، وقضايا أخرى لم تتخذ بشأنها لحد الآن إجراءات منها قضية مصير ومكان رفات الشهداء المحجوزين المغيبين وقضية بقاء المبعدين قسرا في مخيمات في إيران وقضية المشاركة في المصالحة الوطنية وفي العملية السياسية. جميع الإجراءات الجزئية المتخذة حتى ألآن لم تَحل ألا الجزء اليسير من المشاكل الكثيرة لعدد محدود من أصحاب هذه القضايا رغم مرور أكثر من خمسة سنوات على سقوط النظام السابق ورغم الزيارات المتكررة للوفود إلى الخارج وملئ العديد من الاستمارات وتقديم العديد من الشكاوى لدى هيئة الممتلكات المتنازع عليها. نعم استطاع بعض السياسيين والمنتمين للأحزاب السياسية الحاكمة من الكرد الفيلية استرجاع ممتلكاتهم ومستمسكاتهم ووثائقهم أما جمهرة الكرد الفيلية فلم يستطيعوا لحد ألآن تحقيق ذلك، إلا قلة قليلة جدا بعد توكيل المحامين على حسابهم الخاص ودفع الإكراميات وغيرها من المحفزات المناسبة وتلبية كل الطلبات البيروقراطية الطويلة والمرهقة نفسيا والمنطوية على مخاطر أمنية عديدة. كما أن هذه الإجراءات الجزئية لا ترقي إلى مستوى توقعات وطموحات هذا العدد الضخم من الضحايا أصحاب القضية من حكومتنا الديمقراطية الاتحادية الموقرة، وكمؤشر قريب على هذه الحقيقة النتائج التي حققها أو لم يحققها آخر وفد حكومي أرسل إلى السويد والنرويج في بداية حزيران 2008 لحل قضية شهادة جنسية الكرد الفيلية المقيمين في هذين البلدين والذي سبقته وفود أخرى إلى السويد لنفس الغرض.

فلو كانت قضية الكرد الفيلية قضية صغيرة أو ثانوية لترك النظام السابق أمر اتخاذ القرارات والإجراءات والأوامر بشأنها لمديرية السفر والجنسية (إسقاط الجنسية) ومديرية الأمن العامة (اعتقال وحجز وتغييب الأطفال والشبيبة) وجهاز الشرطة (الإبعاد إلى المناطق الحدودية) ومديرية التسجيل العقاري (مصادرة الممتلكات غير المنقولة) والى آخره، ولصدرت بتوقيع مدرائها العامين أو مدراء شعبها. ولكنها كانت قضية كبيرة ورئيسية للنظام السابق لا أساس لها في القانون، لذا اصدر ت أعلى سلطة سياسية في البلاد آنذاك مجلس قيادة الثورة وبتوقيع رئيس المجلس، رئيس الجمهورية، القائد العام للقوات المسلحة، قرارات في هذا ألشأن. كما لم تشكل لجان في هذه المديريات لمتابعة تنفيذ القرارات المتخذة بل تشكلت لجنة عليا برئاسة نائب رئيس جمهورية وعضوية وزراء ومسئولين كبار آخرين في الدولة لمتابعة تنفيذها. كل هذا يدل بشكل لا يقبل الشك أو التأويل على أن القضية كانت قضية رئيسية أعطاها النظام السابق أهميته الكبرى واهتمامه البالغ بسبب ضخامة القضية وكثرة تشعبانها المتشابكة والمتداخلة وتعدد تفرعاتها الكثيرة المترابطة، ولكي يستطيع التعامل مع القضية برمتها بشكل منهجي ومبرمج، لكي يكمل كل خيوط الجريمة التي أقدم عليها ضد أعداد هائلة من أبناء الشعب العراقي، خاصة الكرد الفيلية، لم ترتكب ذنبا أو جرما محددا وبدون إجراء أية محاكمات ولو صورية وبدون توجيه أية تهمة محددة ولو مختلقة أو باطلة ضدهم، إلا إذا اعتبرنا كون المواطنين العراقيين كردا فيليه هو بذاته تهمة و"جرم جماعي" يستحق كل ذلك العقاب الجماعي وكل تلك الويلات والمآسي والمعاناة التي أنزلت عليهم، فالكرد الفيلية وأطفالهم وشبيبتهم المغيبين لم يوجه النظام السابق ضدهم تهمة محددة (سوى تهمة جماعية عامة وغامضة هي "عدم الولاء ... للثورة")، مثل محاولة اغتيال رئيس النظام (قضية الدجيل) أو تهمة القيام بعصيان أو تمرد أو تعاون مع دولة أجنبية (قضية الأنفال) ولا تهمة القيام بانتفاضة لقلب النظام (الانتفاضة الشعبانية)، ولم يؤسسوا حزبا معارضا (قضية إعدام أعضاء حزب الدعوة الإسلامية) ولا تهمة التلاعب والمضاربة بالأسعار ومخالفة "قوانين التجارة "(قضية إعدام التجار) والى آخره من التهم الباطلة للنظام السابق.

نبين للتوضيح أن النظام السابق لم يطلب من المواطنين الذين أسقط عنهم جنسيتهم العراقية مراجعة مديرية الجنسية والسفر من أجل تمشية معاملة إسقاط جنسيتهم وتسليم وثائقهم الثبوتية وبقية مستمسكاتهم بشكل بيروقراطي، ولم يطلب من الذين صودرت ممتلكاتهم غير المنقولة أن يراجعوا مديرية التسجيل العقاري (الطابو) لتمشية معاملة ممتلكاتهم غير المنقولة المصادرة، ولم يطلب منهم مراجعة البنوك لتمشية معاملة تجميد ودائعهم، ولم يطلب منهم مراجعة مديرية الأمن العامة لتسليم أطفالهم وشبيبتهم وتمشية معاملة حجزهم كي يتم تغيبهم وقتلهم قتلا جماعيا فيما بعد، والى آخره. كل ما حصل كان فرض عقاب جماعي دون وجود متهمين محددين بقرار سياسي مركزي (القرار رقم 666) لأسباب سياسية (بذريعة عدم الولاء ... للثورة أي لانقلاب 17-30  تموز 1969) اتخذ من قبل أعلى سلطة سياسية في البلاد (مجلس قيادة الثورة)، شمل مئات الآلاف من المواطنين العراقيين، خاصة الكرد الفيلية، دون أن يُطلب منهم مراجعة أية دائرة حكومية ودون إجراء أية معاملات بيروقراطية روتينية ودون توجيه أية تهمة محددة ضدهم ودون إجراء تحقيق معهم أو محاكمة من جهة قانونية ودون صدور حكم قضائي ودون صدور قرارات إدارية من قبل الدوائر المختصة ذات العلاقة، بل تم أخذ هؤلاء المواطنين العراقيين المسالمين المبعدين والمحجوزين من بيوتهم بالجملة غالبا تحت ظلام الليل وتم أحيانا جمعهم في وضح النهار من مدارسهم ودوائرهم وأماكن عملهم الأخرى ووحداتهم العسكرية والى آخره، من قبل الرفاق الحزبيين وعناصر الأجهزة القمعية من أمن ومخابرات واستُجوب بعضهم لدقائق وتعرضوا للضرب والاهانه والشتائم، ولم ينفع توسلهم وطلبهم ألرأفة والرحمة بأطفالهم وبشبيبتهم الذين فصلوا عنهم وبالمسنين والمرضى والمعوقين والحوامل. وتم حجز عدد من أطفالهم (لا تتجاوز أعمارهم 12 سنة) وألالاف من شبيبتهم الذين أنهوا خدمة العلم العراقي أو كانوا يؤدون الخدمة العسكرية الفعلية للدفاع عن وطنهم العراق. ثم تم وضع الضحايا المبعدين في سيارات عسكرية أو حافلات (باصات) ذات زجاج ملون لحجب الرؤية واقتيدوا إلى المناطق الحدودية وصدرت لهم ألأوامر وأجبروا بالتوجه شرقا في العراء في أراضي وعرة وفي الجبال وفي حقول الألغام في ظروف مناخية قاسية، وأمروا بان لا ينظروا إلى الوراء وتم إطلاق النار في الهواء لإرهابهم مما أدى إلى العديد من حالات الإجهاد والمرض والموت والإجهاض والإسقاط. هذا هو ما حصل لنا وكان هذا هو الأسلوب الهمجي غير الإنساني الذي تعاملت به سلطات دولة العراق في ظل النظام السابق مع مواطنيها. فلماذا يطلب منا النظام الحالي ويجبرنا أن نراجع الدوائر المختلفة والسفارات ونرجو وندفع المحفرات والمغريات من أجل استرجاع ما أُخذ منا عنوة في وضح النهار بدون وجه حق أو قانون أو شريعة، سوى شريعة الغاب، شريعة "القوي" المفترس الذي لم يعرف للقيم السماوية والإنسانية والأخلاقية معنى، علما بان الغالبية العظمى من المواطنين العراقيين المبعدين قسرا، خاصة المقيمين لحد ألآن في المخيمات والساكنين خارج المخيمات في إيران، ليست لديهم الإمكانيات الكافية بالأسلوب المتّبع حاليا لاستعادة ما سلبه منهم النظام البائد.

ألحل الشامل متوفر لو توفرت الإرادة

لو توفرت الرغبة والإرادة لدى قادة العراق في حل القضية لتشكلت لجنة عليا لحل قضية الكرد الفيلية ولقامت، على سبيل المثال لا الحصر، بحل مسألة المواطنة والجنسية والمستمسكات الثبوتية بمراجعة سجلات مديرية الجنسية والإقامة وتحرت عن أسماء العراقيين الذين أسقط النظام السابق جنسيتهم العراقية وجمد قيود قسم منهم ورقن قيود الآخرين، وعمل جداول بأسماء المسقطة عنهم جنسيتهم والمصادرة ممتلكاتهم وإرسالها إلى الجهات المختصة داخل العراق وخارجه للقيام بإصدار شهادات الجنسية والجوازات لهم ولأحفادهم، ولقامت بحل مسألة الممتلكات غير المنقولة بالرجوع إلى سجلات مديرية التسجيل العقاري (الطابو) لمعرفة أسماء الذين صودرت ممتلكاتهم وأي ممتلكات صودرت وباسم أي وزارة أو جهاز في الدولة سجلت وعدد المرات التي تم فيها بيع وشراء الملك (العقار) وأسماء البائعين والمشترين، وعمل جداول وإرسالها إلى هيئة حل نزاعات الملكية لإعادة الممتلكات غير المنقولة إلى أصحابها الشرعيين أو إلى ورثتهم وتعويض المالكين الحاليين من قبل الوزارة أو الجهة الرسمية التي سُجلت لها الممتلكات بعد مصادرتها. هذين هما مجرد ركنين من ألقضية تمت الإشارة إليهما كمثلين على ما يمكن عمله لحل الأركان ألأخرى والمسائل المتداخلة الأخرى في قضية العراقيين الذين أسقط النظام السابق جنسيتهم العراقية وأبعدهم عن وطنهم. مع العلم أن النظام السابق وثق مجمل إجراءاته وحفظ السجلات وخزن المعلومات في أضابير وأقراص الكترونية. فلماذا عدم الرجوع إليها لإعادة الحقوق إلى أصحابها؟ وهل لأحد مصلحة في إخفائها وعدم الوصول إليها؟

ولماذا لا يرقى مستوى تعامل النظام الديمقراطي الاتحادي ألتعددي الحالي مع قضية الكرد الفيلية إلى نفس مستوى تعامل النظام الدكتاتوري الدموي البائد مع القضية؟ ولماذا يجري حاليا تفتيتها والتعامل مع جزئياتها الثانوية المتناثرة بدلا من التعامل مع القضية الأساسية ككل متكامل ومترابط ومتماسك، أي مع أساسياتها وجذورها الفكرية والسياسية، الإيديولوجية، وأطرها الدستورية وأبعادها القانونية؟ لماذا لا يشرع مجلس النواب قوانين ترد الاعتبار للكرد الفيلية وتثبت عراقيتهم دستوريا وقانونيا وتزيل عنهم ختم (طمغة) "من أصل أجنبي" أو "إيراني" أو حتى "فارسي" كما يحلو للبعض وصفهم، وترفع عنهم تهمة "عدم الولاء للوطن والشعب"، وتلغي كل القرارات والقوانين المتعلقة بالقضية والمتفرعة عنها كي لا تتكرر مثل هذه المآسي ثانية لأية شريحة عراقية أخرى؟ ولماذا لا يتخذ مجلس الوزراء قرارات جذرية وعادلة حول الجوانب العملية ألأساسية المتعلقة بقضية الكرد الفيلية، وليس تفرعاتها الثانوية، من أجل إنصافهم ورفع الظلم والاضطهاد والضيم عنهم؟ ولماذا لا يصدر مجلس رئاسة الجمهورية إعلان مبادئ يؤكد فيه أن العراق الديمقراطي الاتحادي الجديد يرفض ويعتبر من غير القانوني توجيه التهم وفرض العقوبات الجماعية ضد أية شريحة أو مجموعة سكانية عراقية ويحرم إسقاط جنسيتهم وإبعادهم عن وطنهم وبعدم جواز تجريدهم من مستمسكاتهم ووثائقهم ومصادرة ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة ويحرم حجز وتغييب أطفالهم وشبيبتهم، ويعبّر فيه عن موقفه تجاه ما حل بالعراقيين المسقطة عنهم جنسيتهم العراقية، وأغلبيتهم من الكرد الفيلية، من اضطهاد وتمييز وتفرقة وظلم وتطهير عرقي وقتل بالجملة للآلاف من أطفالهم وشبيبتهم، وعن ضرورة وضع حلول جذرية ودائمة لقضيتهم بمختلف جوانبها وتشعباتها كي لا تتكرر مثلها لهم ولأي شريحة عراقية أخرى في المستقبل؟

هل تستوي الأقوال والأفعال؟

وبما أن هناك الكثير من الأقوال الايجابية من حكومتنا الاتحادية في بغداد حول إنصاف الكرد الفيلية وعن رفع الظلم عنهم، والقليل من الأفعال الذي ينعكس في اهتمام ضعيف وأولوية واطئة وتلكأ واضح وتسويف مستمر ومحاولات تمييع وتفتيت، لا نعرف مصدره ولا ندري من يقف ورائه، وتفضيل تبني الإجراءات الجزئية الترقيعية بدل النظر لقضية الكرد الفيلية كما هي فعلا، كلُّ متكامل ولو متشعب. لذا لا طريق آخر أمام الكرد الفيلية سوى الاستمرار في المطالبة بحقوقهم، إذ "لا يضيع حق ورائه مطالب"، وإذا توقفت مطالبتنا بحقوقنا فستضيع هذه الحقوق حتما بمرور الوقت وبقوة النسيان. والمطالبة بالحقوق وباسترجاعها حق أنساني وديمقراطي مشروع ويمكن أن تكون بأشكال متنوعة ووسائل مختلفة من نشر البيانات إلى القيام بالاعتصامات إلى اللقاءات إلى المقابلات مع وسائل الإعلام إلى جلب القضية إلى انتباه المجتمع الدولي، المحافل الدولية ووسائل الإعلام العالمية. كما ينبغي لا نقتنع بسهولة أو نقبل إقناعنا بأننا استرجعنا حقوقنا وحققنا أهدافنا بمجرد إن يتم اتخاذ إجراء جزئي هنا وخطوة انفرادية هناك حول جانب أو آخر من جوانب قضيتنا ألكبيرة.

ما الذي نستطيع عمله؟

وماذا يستطيع الكرد الفيلية عمله أيضا على ضوء ما جاء أعلاه وعلى ضوء تجاربهم السياسية والانتخابية خلال الفترة المنصرمة التي تتجاوز الخمسة سنوات، خاصة وان انتخابات المحافظات على الأبواب وموعد الانتخابات النيابية يقترب أكثر وأكثر؟ يستطيعون الحصول على دور مهم نسبيا خاصة في انتخابات محافظة بغداد والانتخابات القادمة وتحقيق وزن انتخابي يعتد به إذا رصوا صفوفهم ووحدوا خطابهم السياسي ونسقوا وتوصلوا إلى قواسم مشتركة تجمعهم وتضع المصالح العامة المشتركة لشريحتهم قبل أي اعتبار آخر ودخلوا الانتخابات كمجموعة أو كتلة موحدة، أما بقائمة مستقلة أو ضمن قائمة كبرى كمجموعة موحدة، وتوصلوا إلى تحالفات تخدم جهودهم ومصالحهم المشتركة ليستعيدوا ويصونوا حقوقهم الإنسانية والدستورية والقانونية ومصالحهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وليضمنوا مستقبل أجيالهم القادمة كما يفعل الآخرون. أما إذا بقينا على حال التشظي وبقيت جهودنا مفتتة وتتقاذفنا الأمواج الداخلية وتعصف بنا الرياح الخارجية فلا أمل يُرجى ولا مكسب يُتوقع والذي سينتظرنا جميعا ليس سوى الآهات والحسرات.

لننظر حوالينا للساحة السياسية العراقية، فماذا نشاهد؟ نشاهد (مع وجود استثناءات قليلة) جميع الكيانات السياسية تقريبا، حتى تلك التي لها أهداف مختلفة، قد دخلت في تحالفات مع بعضها لعلمها علم اليقين أنها لوحدها لا تستطيع تحقيق الكثير. نرى التحالف الكردستاني والائتلاف العراقي وجبهة التوافق وقائمة العراقية وغيرها تشكلت كمجموعات متعاونة تعمل وتنسق جماعيا. لذا نراها تتمتع بمواقع سياسية مهمة ولها تأثير قوي واستطاعت أن تحقق مكاسب كبيرة يفوق كثيرا مواقعها لو كانت متشظية وتأثيرها لو بقيت متفتتة ولما استطاعت تحقيق كل تلك المكاسب المهمة والكبيرة.

فالمؤهلات متوفرة لدينا وقواسمنا المشتركة تفوق كثيرا ما قد نختلف عليه. قد يكون ما نحتاجه هو تهيئة أرضية مناسبة واتخاذ خطوات بناء الثقة وأخذ العبر ونتعلم الدروس من هذا الواقع الحي وهذه التجارب الملموسة التي أشير إليها أعلاه؟ فهل لدينا القدرة والإرادة لبلوغ ذلك؟ أم نستمر في السماح للأمواج الداخلية أن تتقاذفنا وللرياح الخارجية أن تعصف بنا ليصيبنا وهن وإحباط أكثر لنقبل الاستسلام في نهاية المطاف، خاصة والوقت ليس في صالحنا والنسيان مجحف بحقنا ولا يرحمنا و"القطار" يوشك أن يفوتنا، إن لم يكن قد فاتنا حسب قول سياسي عراقي بارز ("فاتهم القطار"، كما قال مؤخرا أحد السياسيين البارزين في مجلس النواب العراقي عند أثارة احد أعضائه لقضية الكرد الفيلية في جلسات المجلس)؟

الاتحاد الديمقراطي الكوردي الفيلي

1/7/2008