ضرورة الحل السياسي لقضايا الكورد الفيلية

ازدادت مشاكل الكورد الفيلية بعد وقوع العراق تحت السيطرة البريطانية وتأسيس دولة العراق الحالية اثر انتهاء الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وإعادة رسم الحدود حسب اتفاقية سايكس-بيكو، وتفاقمت معاناتهم من التمييز والتفرقة وعدم المساواة بعد أن قننها المشرع في قانون الجنسية رقم 42 لعام 1924 الذي أهمل الموضوعية في تحديد معايير "المواطنة" العراقية منتهكا بذلك أسس الحق والعدالة والمساواة لأن المشرع التزم في الأساس بالاعتبارات السياسية البحتة وتبنى المعايير السياسية عند صياغته مواد القانون والتي تنعكس جليا في إهماله لمبدأ "المواطنة" وتصنيفه للعراقيين إلى "أتباع" لبلدين أجنبيين مجاورين حكما العراق سابقا هما تركيا (التبعية العثمانية) وإيران (التبعية الإيرانية)، مفضلا إحداهما على الأخرى، معطيا الامتيازات للأولى ومجحفا بحق الثانية، وبذلك خرق المشرع والقانون أسس العدالة والمساواة بين "المواطنيين" العراقيين، وأهمل مبدأ "الجميع سواسية أمام القانون" و"العدل أساس الحكم".

استغلت الحكومات المتعاقبة على دست الحكم في العراق هذا القانون لأغراض سياسية داخلية بحتة لملاحقة قوى سياسية معينة وشرائح محددة من المجتمع العراقي، مثل الكورد الفيلية وغيرهم من مواطني العراق، متذرعة بذرائع لا تمت للقوانين بصلة مباشرة أو غير مباشرة، وركزت بشكل خاص على ملاحقة الناشطين السياسيين من الكورد الفيلية العاملين في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الشيوعي العراقي وإبعادهم قسريا عن العراق. كما استخدمته هذه الحكومات (خاصة بعد إلغاء النظام الملكي) أداة في السياسة الخارجية أيضا خاصة أوقات سوء وتأزم العلاقات مع هذه الدولة المجاورة أو تلك.
حاول المرحوم الزعيم عبد الكريم قاسم تصحيح الغبن الذي ألحقه قانون الجنسية بشرائح كبيرة من المجتمع العراقي إلا أن انقلاب 8 شباط 1963 انقلب على ذلك الإصلاح بتشريعه قانون الجنسية رقم 43 لسنة 1963 الذي كانت أسسه سياسية أكثر من سابقه وكان أكثر إجحافا بحق شرائح عراقية كبيرة، منهم الكورد الفيلية.
ثم جاء البعث ألصدامي مرة أخرى وهيمن على الحكم عام 1968 وتمادى في استغلال قانون الجنسية لإغراض سياسية وكأداة ضغط وملاحقة في سياسته الداخلية (خاصة ضد الحركة الكوردية في العراق والحزب الشيوعي العراقي وبقية قوى المعارضة) وفي سياسته الخارجية (خاصة تجاه إيران في بعض الأوقات) وأصدر قوانين جديدة ضد العراقيين من الكورد الفيلية وغيرهم حججها وأهدافها سياسية بحته وذات أغراض اقتصادية واضحة (مصادرة ممتلكات الكورد الفيلية التي لم تكن سوى فرهودا رسميا لتلك الممتلكات من قبل الدولة) وأبعاد اجتماعية ونفسية عميقة وتبعات ثقافية كبيرة ونتائج إنسانية أليمة جدا ومرعبة أحيانا. كان من بين هذه القرارات القرار ألسياسي الجائر الصادر عن أعلى سلطة سياسية، تنفيذية وتشريعية وقضائية فعلية، في دولة العراق آنذاك، وهو مجلس قيادة الثورة المنحل، القرار رقم 666 الصادرة في 7/5/1980.
1- القرار صادر عن أعلى سلطة سياسية في دولة العراق (مجلس قيادة الثورة، السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية الفعلية في العراق في حينه) وبتوقيع صدام حسين رئيس مجلس قيادة الثورة، رئيس جمهورية العراق، القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، وليس قرارا صادرا عن مديرية جنسية وسفر أو عن مديرية في وزارة الداخلية أو المالية أو عن مديرية أمن عامة أو مركز شرطة أو عن قضاء أو تنظيم سياسي.
2- القرار واضح وصريح في نصه ولغته العربية في فقرته (1) وهو أن الذين يتعلق بهم ويشملهم القرار هم من حملة الجنسية العراقية وعراقيون (تُسقط الجنسية العراقية عن كل عراقي) ولا يشمل القرار غير العراقيين ممن يحملون جنسيات أخرى. لا يشمل القرار كل العراقيين الذين هم من أصول أجنبية بل فقط العراقيين الذين "إذا تبين عدم ولائهم للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة" (أي لثورة 17- 31 تموز 1968). كما أن القرار واضح وصريح في نصه ولغته العربية في فقرته (2) وهو أن المُبعد هو عراقي ممن "أسقطت عنه الجنسية العراقية بموجب الفقرة (1)" من القرار. كما أن من الواضح أن للقرار ذرائع وأهداف سياسية بحتة هي "عدم الولاء لأهداف القومية والاجتماعية العليا للثورة"، التي تعني في حقيقة الأمر عدم الولاء التام للنظام السابق. إضافة إلى ذلك فان للقرار مرامي اقتصادية سلب بموجبه الممتلكات المنقولة وغير المنقولة العائدة للكورد الفيلية. إضافة إلى كونه يشكل جزء من ألأدوات التي استخدمها النظام في سياسته الداخلية للضغط على قوى المعارضة وفي سياسته الخارجية للضغط على جيران العراق وكان جزء من التحضيرات لشن الحرب والتطهير العرقي والإبادة الجماعية.
كان من بين الدواعي الحقيقة لإصدار القرار 666 من قبل السلطة الحاكمة آنذاك، أولا: دور الكورد الفيلية في صفوف قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية الكوردستانية والشيوعية والإسلامية خاصة ككوادر وكقيادات في أغلب هذه القوى، ثانيا: قوة الكورد الفيلية الاقتصادية خاصة التجارية في مركز السلطة بغداد، ثالثا: دورهم في مقاومة انقلاب 8 شباط 1963 في منطقة "عگد الأكراد" والصدرية وباب الشيخ.
وكان من بين أهم أهدافها، أولا: الانتقام من الكورد الفيلية للأسباب المشار إليها أعلاه، ثانيا: القضاء عليهم كمنبع للمعارضة العراقية وتصفيتهم كشريحة عراقية متماسكة بإلغاء عراقيتهم وبذلك أيضا إضعاف المعارضة العراقية بشكل عام والحركة الكوردية بشكل خاص خاصة في بغداد، عقر دار السلطة المركزية، ثالثا: إضعافهم اقتصاديا وماليا بالاستيلاء على ثروات وممتلكات الكورد الفيلية، رابعا: إرباكهم اجتماعيا وإنهاكهم نفسيا، خامسا: خلق صعوبات وضغوطات اقتصادية واجتماعية للنظام الجديد في إيران بإبعاد مئات الآلاف من العراقيين إليها كخطوات تحضيرية لجهود الحرب ضده.
أما ادعاء "عدم الولاء للوطن والشعب" الوارد في القرار فهو اتهام سياسي بحت وتهمة خطيرة جدا (شبيهة بما يسمى الخيانة العظمى، ألتي عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد في الدول التي ألغت عقوبة الإعدام)، ولكنها تهمة تستخدم جزافا وبسهولة وبشكل اعتباطي في العراق والعالم العربي والشرق الأوسط عموما ويستغلها الحكام والخصوم من أجل تشويه سمعة المقابل للقضاء عليه سياسيا وجسديا أحيانا كثيرة، أي أنها تهمة تستخدم كأداة سياسية لضرب المعارضين أو المخالفين أو الخصوم السياسيين حتى ولو لم تكن للتهمة في الواقع الفعلي أية حقيقة أو صدق أو مبرر موضوعي، وتترتب عليها غالبا تبعات واسعة حتى لو لم يتم إثبات التهمة بإثباتات وبينات وشواهد يتم التوصل إليها بعد استجواب وتحقيق من قبل سلطة تحقيقيه أو قضائية وبدون محاكمات ومرافعات ولو صورية. إلا أن هذه التهمة الخطيرة تُتخذ بقرارات سياسية بحتة من أعلى السلطات السياسة في البلد وتطبق من قبل السلطات السياسية وتُنفذ من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية والحزبية وليس القضائية. كما حصل مع شريحة الكورد الفيلية إذ كان القرار 666 قرارا سياسيا صادرا عن أعلى سلطة سياسية، هي مجلس قيادة الثورة، وطبقته لجنة سياسية عليا خاصة برئاسة نائب رئيس الجمهورية السابق طه ياسين رمضان، ونفذته الأجهزة الأمنية والعسكرية والإدارية والحزبية ولم يكن للسلطة للقضائية أي دور فيها، مما يؤكد ويثبت مرة أخرى كونها قضية سياسية بحتة.
بما أن معاناة ومشاكل الكورد الفيلية على ضوء ما جاء أعلاه هي معاناة ومشاكل ناتجة لأسباب وقرارات سياسية بحتة صادرة عن أعلى السلطات السياسية في الدولة، فان وضع حد نهائي لهذه المعاناة الطويلة ووضع حلول جذرية لهذه المشاكل لا يتم إلا بإصدار قرارات سياسية من أعلى السلطات السياسية، التشريعية والتنفيذية، في دولة العراق الديمقراطية الجديدة بسَنّ قانون من قبل مجلس النواب العراقي حول الكورد الفيلية العراقيين وقضاياهم ومشاكلهم يلغي القرار رقم 666 لسنة 1980 وجميع القرارات الجائرة الأخرى وكل ما نتج عنها من إجراءات وترتب عليها من تبعات في جميع المجالات ليشمل الكورد الفيلية الذين لم يتم إبعادهم عن وطنهم العراق والذين تم إبعادهم عن العراق قسرا واعتباطا وتعسفا، سواء الباقين منهم لحد ألآن في إيران أو ممن تركوها إلى بلدان أوربا الغربية وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من بقاع العالم. وينبغي أن يتضمن مثل هذا القانون رد الاعتبار إلى الكورد الفيلية وجميع ضحايا القرار 666 ورفع تهمة "عدم الولاء للوطن والشعب" الباطلة عنهم وتقديم اعتذار عما سببه لهم هذا القرار بهذه التهمة الخطيرة الباطلة وما تبعها من تطهير عرقي وإبادة جماعية (آلاف من الشهداء المحجوزين المغيبين) وما سببته لهم من معاناة ومآسي وويلات، وتعويضهم أو تعويض ذويهم عن كل الأضرار التي ألحقتها بهم، على أن يكون هذا القانون ملزما لجميع فروع السلطة داخل العراق وخارجه. كما تتطلب إصدار قانون جنسية يلتزم بالأسس الديمقراطية الموضوعية وبمعايير "ألمواطنة" وبقيم العدالة والمساواة بين جميع العراقيين دون تفرقة وتمييز قد يبني على أية ذريعة كانت وعدم تسييس قانون الجنسية لكي لا تتكرر مآسي وويلات العراقيين ومن بينهم الكورد الفيلية.
وتتطلب مثل هذه القرارات السياسية وجود إرادة سياسية فعلية لدى أصحاب القرار وتعني اتخاذ قرار سياسي ووضعه موضع التنفيذ من قبل قيادات القوى السياسية الفاعلة والحاكمة ألآن في العراق، وعلى رأسها التحالف الكوردستاني والائتلاف العراقي ولأسباب واضحة، لوضع حد لما تعرض له الكورد الفيلية من الحملات أللإنسانية ألقاسية على يد دولة العراق خاصة منذ بداية الثمانينيات التي كان من بين أهم أسبابها الرئيسية دورهم البارز في الأحزاب الكوردستانية والديمقراطية وعملهم في صفوف بقية قوى المعارضة الديمقراطية والوطنية الدينية والعلمانية.
نعلم جيدا أن توفر الإرادة السياسية لاتخاذ مثل هذا القرار السياسي يتوقف على جدول أولويات هذه القوى السياسية وعلى حسابات "الربح والخسارة" لديها، حسابات ألمكاسب السياسية والانتخابية والاقتصادية وغيرها التي تتوقع أن تجنيها مقارنة مع "الكلفة" السياسية والانتخابية والاقتصادية وغيرها التي من المحتمل أن تتحملها.
كما نعلم أيضا أن استمرار الحياة السياسية الديمقراطية تعنى إجراء انتخابات دورية وتبادل السلطة بشكل سلمي اعتمادا على النتائج التي تفرزها تلك الانتخابات. والانتخابات الديمقراطية هي بشكل عام ومبسط عقد ملزم ولكن غير مكتوب لفترة الدورة البرلمانية (تستمر لأربعة سنوات) وعملية تبادل بين الناخبين والقوائم الانتخابية (أصوات مقابل مكاسب). وإذا نقضته أو لم تلتزم به القوائم الانتخابية فإنها ستفقد ثقة وأصوات الناخبين في الجولة التالية من الانتخابات، وكنتيجة لذلك ستفقد كراسي الحكم ومقاليد السلطة. مع العلم أن عملية الانتخابات في العديد من البلدان النامية تتأثر بعوامل أخرى من بينها الوضع الأمني السائد والثقة بالعملية السياسية والتهديدات وشراء الأصوات وغيرها.
إن مثل هذا الحل السياسي لا يتحقق من تلقاء نفسه بمعجزة أو بسحر ولا ينزل من الفضاء ولا يأتي من الغيب بل يتحقق باتخاذ هذه القوى السياسية الحاكمة خطوات عملية بعد توفر الإرادة السياسية لديها واتخاذها لمثل هذا القرار السياسي ووضعه موضع التنفيذ ومتابعة تنفيذه. ولكن السؤال الكبير الذي طال انتظار الكورد الفيلية والمتعاطفين مع قضاياهم للحصول على جواب عليه هو: إلى أي مدى تتوفر فعلا مثل هذه الإرادة لدى القوى المشاركة في العملية السياسية، خاصة القوى السياسية الموقعة على الاتفاق الرباعي الأخير، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة الإسلامية، والأحزاب السياسية الوطنية الديمقراطية الأخرى المشاركة في الحكومة حاليا؟ ومتى ستترجم هذه الإرادة التي نتوقع أنها متوفرة لديها إلى برنامج عمل للتطبيق بعد اتخاذ قرار سياسي بهذا الشأن، كما يأمل الكورد الفيلية وجميع الوطنيين المنصفين من الكورد والعراقيين من مختلف المكونات والشرائح؟
تجدر الإشارة هنا إلى أن وثيقة "المبادئ الوطنية لاتفاق القوى السياسية واليات العمل" الصادرة في بغداد في 16/8/2007، الصادرة عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني والمجلس الأعلى الإسلامي وحزب الدعوة، تنص في:
"الجانب السياسي: أولا: ضرورة التكاتف والتعاون من اجل إنجاح العملية السياسية التي لا يمكن تجزءتها جغرافيا ودفعها باتجاه استيعاب ممثلي المكونات والقوى السياسية العراقية بشفافية وانفتاح بين مختلف الإطراف في مواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية". و" ثالثا: معالجة المشاكل الموروثة من الحقبة الماضية التي تنعكس سلبا على العلاقات بين الشرائح العراقية المختلفة."
نتوقع، بعد طول انتظار، أن تجد هذه الفقرات وغيرها من الوثيقة الرباعية طريقها إلى التنفيذ بشكل عام وخاصة تلك التي تشمل الكورد الفيلية وقضاياهم ونأمل أن لا تبقي مثل سابقاتها مجرد كلمات وأقوال في تحرك سياسي عابر ليس المقصود منه أن يكون للتطبيق الفعلي.

الاتحاد الديمقراطي الكوردي ألفيلي
2/9/2007
www.faylee.org
info@faylee.org