الكورد الفيلية: لماذا تلقون اللوم على الضحية المسلوبة الحقوق والمهدورة المصالح؟

دأب عدد من السياسيين العراقيين والكوردستانيين على اشتراط وحدة صف الكورد الفيلية من أجل استرجاع حقوقهم والتعامل مع التبعات الكبيرة والنتائج السلبية الضخمة للسياسات الظالمة التي طبقها النظام الشمولي السابق ضد الكورد الفيلية والتي ادت الى ارتكاب جرائم التطهير العرقي الابادة الجماعية وجرائم ضد الانسانية التي تضمنت اسقاط الجنسية والتجريد من جميع الوثائق الثبوتية وغيرها والتهجير القسري الى خارج العراق ومصادرة كل الممتلكات المنقولة وغير المنقولة وتفتيت العوائل والتشتيت وحجز وتغييب اكثر من 20،000 من خيرة الشبيبة الكوردية الفيلية وغيرها التي اصدرت بها المحكمة الجنائية العراقية العليا حكما واصدر مجلس النواب العراقي قرارا بشأنها.

ولكن المؤسف جدا والغريب حقا هو ان بعض الاخوة من الكورد الفيلية أنفسهم يلقون اللوم كله وبشكل يجلب الانتباه على الكورد الفيلية انفسهم ضحايا تلك الجرائم وضحايا عدم جدية السلطات الحكومية والاحزاب السياسية المتنفذة في تنفيذ القوانين والقرارات الصادرة والوعود والعهود الانتخابية وعدم اتخاذها خطوات عملية وفعلية لإلغاء تلك التبعات الكبيرة والنتائج السلبية الضخمة ووضع حلول عملية منصفة للقضايا العالقة. المبرر الوحيد الذي يقدمه هؤلاء الاخوة في تصريحاتهم هو وجود التعددية في صفوف الكورد الفيلية. قسم من هؤلاء الاخوة يستخدم كلمات عقلانية موضوعية، مثل عدم وحدة الصف والانقسام والتشتت، وقسم آخر يستخدم كلمات عاطفية ذاتية، مثل التشرذم، لتبرير عدم استعادة الكورد الفيلية لحقوقهم المهضومة وهدر مصالحهم الاساسية وتهديدهم بجرائم تطهير عرقي وابادة جماعية جديدة.

اولا: التعددية هي أساس كل نظام ديمقراطي في العالم. واذا انعدمت التعددية فمعنى ذلك وجود نظام شمولي دكتاتوري، حزب واحد وقائد واحد وفكر واحد ... الخ، كما كان الوضع زمن النظام السابق. فهل تريدوننا ان نشمي على خطاه؟

ثانيا: نسأل الجميع أي من المكونات العراقية والكوردية موحدة الصفوف وليس فيها تعددية؟ العرب، شيعة وسنة؟ الكورد في الاقليم؟ الشبك؟ الايزيديين؟ التركمان؟ المسيحيين؟ الاخرين؟ أي منها لها حزب واحد؟ وأي منها لها قائد واحد؟ وأي منها لها فكر واحد؟

ثالثا: ونسأل الجميع ايضا ما هي العلاقة بين اعادة الحقوق المهضومة ووحدة الصف؟ لم نسمع بمثل هذا الربط بين وحدة الصف واستعادة الحقوق أو التمتع بها في أي بلد أو زمن آخر، سوى في العراق الجديد! ونسألهم اين حقوق الانسان الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صادق عليه العراق (وغيره من المواثيق الدولية) ؟ واين الحقوق الواردة في الدستور العراقي الذي يصرح السياسيون ليل نهار بانه هو الذي يجب رجوع الجميع اليه؟

رابعا: هناك قوانين وهناك حكم صادر عن المحكمة الجنائية العراقية العليا وقرار اجماعي صادر عن مجلس النواب العراقي وقرارات عديدة صادرة عن مجلس الوزراء كلها تترتب عليها تبعات قانونية وتشكل الاساس القانوني والسياسي لإعادة حقوق الكورد الفيلية. ولكن هناك عدم جدية وعدم متابعة وعدم مسائلة ومحاسبة في التنفيذ العملي الفعلي لهذه القرارات لأسباب عديدة لا نريد ذكرها هنا كي لا نخرج عن اطار الموضوع. كما ان هذا الحكم وأي من تلك القرارات لا تشترط على الكورد الفيلية وحدة الصف كي تعاد لهم حقوقهم.

خامسا: وضع الدولة "حلولا" ترقيعية خاطئة لقضيتنا (شهدائنا المغيبين، جنسيتنا، وثائقنا، ممتلكاتنا ومهجرينا ومناطقنا وبيوتنا التي رحلنا عنها قسرا) أدخلتنا في انفاق من الروتين المهلك ولا ضوء في نهايتها وزجتنا في دهاليز من البيروقراطية المعذبة التي لا نتيجة ورائها وتسبب ارهاقا وتكاليفا اضافية يجب ان ندفعها لاستعادة ما هو أصلا ملك لنا نحن اصحابها الشرعيين والقانونيين. وما تحويل قضية ممتلكاتنا من قضية بيننا وبين الدولة (وزارة المالية) الى "نزاعات ملكية" بيننا وبين الساكنين فيها سوى مثال على ذلك. ونفس الحال ينطبق على استعادتنا لوثائقنا وغير ذلك.

سادسا: اجبارنا على التعامل مع جهاز اداري بيروقراطي غارق في الروتين لا زالت تعشش فيه نفس أفكار وممارسات النظام السابق المعادية للكورد الفيلية، جهاز يستشري فيه الفساد المالي والاداري بتفوق، جهاز يعمل كل ما في وسعه من أجل عرقلة قضايانا كي لا نستعيد حقوقنا المغتصبة.

سابعا: وجود قوى سياسية لا تريد انصافنا وتعمل على إعاقة استعادة حقوقنا، قوى تكن لنا عداءً مبطنا تهددنا وتنذرنا بتهجير قسري جديد من وطننا العراق وبمصادرة حقوقنا وهدر مصالحنا. وما تصريحات المحمداوي سوى تعبير عن آراء ومواقف هذه القوى المقربة من بعض اجنحة السلطة، رغم أن الكورد الفيلية مواطنون من اتباع دينها ومذهبها.

ثامنا: لماذا تنسون الاهمال والمساومات على حقوقنا ومصالحنا من قبل جميع القوى السياسية الحاكمة بدون استثناء رغم وعودها وعهودها الكثيرة منذ سنة 2003؟ فعلى سبيل المثال لا الحصر، كان الكورد الفيلية في البداية ضمن المكونات التي ناقشت هذه القوى شمولها بنظام الكوتا ليكون لهم تمثيل في مجلس النواب العراقي ومجالس المحافظات التي يقطنون فيها مثل (الكورد) الايزدية و(الكورد) الشبك والمسيحيين والصابئة المندائيين، ولكنها (تلك القوى) ساومت على حقوقنا وضحت بمصالحنا لأسباب مصلحيه أنانية قصيرة النظر وقررت في النهاية التضحية بنا وعدم شمولنا بهذا النظام مما ادى الى تهميشنا أكثر من السابق، ساومت علينا رغم كل تضحياتنا بالغالي والنفيس ايام الشدائد من اجل تلك القوى ودعمنا لها لعقود من الزمن وتعرضنا لأبشع الجرائم وأكبر الويلات واضخم الخسائر البشرية والمادية وأعمق المعاناة بسبب دعمنا لها.

تاسعا: لماذا تطلبون من الكورد الفيلية ما لا تطلبونه من الاخرين؟ ولماذا تطلبون من الكورد الفيلية ان يفرضوا على انفسهم نظام شمولي غير حضاري، ان يكون لهم تنظيم واحد وقائد واحد وفكر واحد؟ انكم بهذا الطرح غير العقلاني وغير الموضوعي وغير المشروع تقدمون الذرائع الجاهزة على صحون من ذهب لجميع الذين يريدون استمرار سلب حقوقنا وهدر مصالحنا وتهميشنا ويهددونا بارتكاب حملات جديدة من التطهير العرقي والابادة الجماعية والتهجير ضدنا. انكم بهذا تلقون اللوم على الضحية وتسببون الضرر والاذى لجميع الكورد الفيلية بمن فيهم انتم انفسكم ايضا لأنكم جزء منهم.

عاشرا: الكتاب العراقيون المنصفون في مواقفهم وكتاباتهم عن الكورد الفيلية، الاستاذ زهير كاظم عبود نموذجا حسنا في آخر مقال له في 15/4/ 2012 بعنوان (أما آن الاوان لإنصاف الكورد الفيليين؟)، يؤكدون بحق وصواب على ضرورة انصاف الكورد الفيلية الذين لم تنصفهم دولة العراق لحد الان وذلك بإعادة حقوقهم كاملة دون ان يلقوا لوم عدم انصافهم عليهم انفسهم او على تعدديتهم كما يفعل عدد من السياسيين والكتاب الكورد الفيلية مع الاسف الشديد.

قسم من هؤلاء الاخوة يقدم هذه الذرائع بسبب عدم قراءتهم للوضع السياسي العراقي وعدم متابعتهم للتطورات السياسية في العراق بعد عام 2003. قسم آخر يقدم هذه الذرائع لتبرير عدم تحقيق نتائج مرغوب فيها للقوى السياسية التي ينتمون اليها بدل تقديم تقييم موضوعي لذلك. وقسم ثالث يجرفه التيار ويردد فقط ما يقوله الاخرون دون ان يحلل ويدرك مدى ضررها بالمكون الكوردي الفيلي الكبير عدديا في العراق والمهجر. وقسم رابع ينتقد هذه الذرائع اذا طرحها شخص يختلف معه سياسيا ليعود ليكررها هو نفسه بعد مرور فترة من الزمن.

قضيتنا قضية سياسية، كما اكد اتحادنا مرارا وتكرار منذ تأسيسه، نتجت عن قرارات سياسية اتخذتها الانظمة السابقة على اعلى المستويات، خاصة النظام الدكتاتوري السابق (قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 666 الصادر بتاريخ 7/5/1980).

الملاحظ ان بعض السياسيين وكتاب المقالات من الكورد الفيلية يعطون مع شديد الاسف تصريحات تقلل من شأننا بالرغم من وجود ارقام صادرة عن مصادر رسمية عليمة بعكس ما يقولون. تصريحاتهم وكتاباتهم تقلل من عددنا في بغداد بوجه الخصوص الى 35،000 في حين يذكر الاخرون مئات الالاف وبعضهم يكتب عن مليون ونصف، وتقلل من عدد المهجرين منا الى ربع مليون في حين وجود ("الاحصاءات المتوفرة تشير الى ان نحو 600 الف كوردي فيلي سيق الى مراكز الاحتجاز والمخيمات،" كما أكد رئيس هيئة الادعاء العام في قضية الكورد الفيليين في المحكمة الجنائية العراقية العليا، القاضي عبد القادر الحمداني، شفق نيوز 7/4/2012)، وتقلل من عدد شهدائنا الى خمسة أو سبعة آلاف في حين (أكد دولة رئيس الوزراء أكثر من مرة ان عدد شهداء الكورد الفيلية هو "أكثر من 20،000" محجوز مغيب). تصريحات وكتابات بعض الكورد الفيلية تخلق البلبلة والتشويش الاعلامي وتثير الشكوك عند الاخرين. نحن لا ندعو الى المبالغة ولكننا ندعو الى الاخذ بالأرقام المقدمة من مصادر رسمية عليمة بدل اختلاق ارقام تعكس مزاجنا السياسي.

كي نكون موضوعيين وأن لا نضر مكوننا وأنفسنا المطلوب منا نحن الكورد الفيلية كي يكون لنا وزن سياسي وصوت مسموع ان نقبل بوجود اختلافات فيما بيننا وان نتعلم كيف نتعامل معها ونديرها بان نرتب بيتنا الكوردي الفيلي ونوحد صيغة خطابنا وننسق جهودنا ونشاطاتنا داخل العراق وخارجه، كل حسب قدراته بتواضع ودون تكبر والغاء الآخر، ودون تجيير لجهود الاخرين. كما علينا ان نشخص العوامل الموضوعية الفعلية (التي اشرنا الى بعضها اعلاه) لعدم اعادة حقوقنا واسباب هدر مصالحنا وتهميشنا (عوامل واسباب ليست بيدنا وليست من عملنا نحن الكورد الفيلية بل هي بيد الدولة - بسلطاتها الثلاث – وعدم انصافها لنا وتقصير القوى السياسية التي تحكم العراق منذ سنة 2003) بدلا من القاء اللوم كله على الكورد الفيلية، على انفسنا نحن الضحايا المهمشين.

ونحتاج أيضا ان نفهم العملية السياسية الجارية في العراق الجديد على ما هي بشكل موضوعي بعيدا عن العواطف، وتشخيص القوى الفاعلة والمؤثرة فيها كي نعرف كيف نتحرك بصواب وحذر وبشكل مؤثر لاسترجاع حقوقنا وحماية مصالحنا. علينا ان نتعظ بالمثل الدارج "الحق يؤخذ ولا يعطى" الذي يعكس ثقافة التعامل مع الحقوق في العراق.

الاتحاد الديمقراطي الكوردي الفيلي
18/4/2012

www.faylee.org info@faylee.org