أجواء التعصب الطائفي والسياسي تسود الجامعات العراقية

جريدة الشرق الاوسط، 1/4/2004

بغداد: «الشرق الأوسط»
أثار نبأ اغتيال بروفيسور الرياضيات الدكتور عبد السميع الجنابي عميد كلية العلوم في الجامعة المستنصرية في بغداد طعنا بالسكين وإلقاء جثته على قارعة الطريق، الكثير من ردود الفعل الغاضبة في العاصمة العراقية.. ورغم نفي الخبر الا انه كشف الصراع العنيف الذي تشهده الجامعات العراقية والمخاطر التي يتعرض لها اساتذة الجامعات في ظل الفوضى وانعدام السلطة.
بدأت قصة الدكتور الجنابي عندما اراد تطبيق قرار لوزارة التعليم العالي يقضي بمنع استخدام الجامعات كمنابر للمظاهر الطائفية.. ففي عاشوراء اتشحت الجامعات العراقية بلافتات سوداء علّقها طلاب ينتمون الى احزاب شيعية لتأبين الإمام الحسين عليه السلام، غير ان الجنابي اعتبر ان هذه اللافتات تثير الطائفية، خاصة بعد انتهاء المناسبة التي رفعت فيها، وأمر برفعها من كليته الامر الذي قوبل بموجة من الاحتجاجات بين الطلاب الشيعة الذين نظموا اعتصاما دام لمدة اكثر من اسبوع رفعت خلاله لافتات تهدد بـ«قطع رأس» من يحارب الحسين، وطالبوا باقالة العميد الذي اضطر الى الاختفاء بناء على نصيحة الوزارة، ثم تشكلت لجنة تحقيقية كانت لا تزال تحقق معه عندما نشر خبر نعيه في الصحف.
معظم من التقيناهم رفضوا الكشف عن اسمائهم خوفا من المجهول الذي قد ينتظرهم، فاساتذة اغتيلوا وفق اتهامات متعددة وبعضهم لم يعرف حتى الآن سبب قتله.
قال الدكتور علي... «الدكتور محمد الراوي رئيس جامعة بغداد السابق ونقيب الاطباء العراقيين كان اول من لاحقته طلقات الاغتيال.. يومها قيل انه اغتيل بتهمة الانتماء الى حزب البعث، غير ان معظم الاساتذة كانوا بعثيين.. كان لا بد ان تكون بعثيا حتى تحصل على بعثة للدراسة في الخارج، واذا فصل او قتل كل البعثيين سنرى الجامعات خاوية من الكثير من الاساتذة»، وأشار الى انه «بدأت بالفعل هجرة عدد من الاساتذة لضمان حياتهم». منى الطالبة في جامعة البصرة قالت «اصبحت جامعتنا لا تطاق، فالاحزاب الشيعية سيطرت على كل شيء وهي تتدخل في كل شيء ابتداء من ملابسنا وانتهاء بالمواد التي تدرس». وقد اغتيل احد الاساتذة في جامعة البصرة لأن احدى طالباته رسبت في درسه! تقول منى «لا يمكن للطالب ان يبدي رأيا في الاحداث او ينتقد ما لا يعجبه.. ولا يمكن للاستاذ ان يتكلم بحرية والا واجه ما لا تحمد عقباه.. الشيء الوحيد الذي يمكن ان تنتقده هو نظام صدام.. اما اذا انتقدت سلبيات الوضع الحالي قد تتهم بأنك من ازلام النظام السابق».
يقول الدكتور (...) الموسوي الاستاذ في جامعة بغداد: «بعد اقرار قانون ادارة الدولة، طالبت بعض المرجعيات والحركات السياسية بتنظيم اضراب في الكليات والمعاهد.. في اليوم التالي وقف بعض الطلاب ممن ينتمون الى الحركات والاحزاب على ابواب الكليات برفقة بعض الغرباء لمنع الطلاب من الدخول الى كلياتهم.. واضطر الكثير من الطلاب الى الانتظار خارج الكليات الى حين ذهاب الغرباء للدخول، في حين غادر الآخرون الى بيوتهم».. واضاف «في يوم سابق دخلت حافلات الى الجامعة لتنقل الطلاب الى تجمع جماهيري نظم في ساحة الخلاني.. واجبر الطلاب ممن لم يذهبوا معهم على ترك قاعات الدراسة.. اخبرتهم بأن ذلك غير صحيح فكان ردهم عجيبا: هل الذهاب الى العوجة اولى من الذهاب الى كربلاء؟!.. واخيرا تلقيت نصيحة بترك الطلاب على هواهم لتنفيس الكبت الذي يعانون منه!». والعوجة هي مكان ولادة الرئيس العراقي المخلوع وكانت تقام مراسم اعياد الميلاد سنويا هناك، حيث كان ينقل الطلاب بحافلات الى تلك القرية! واضاف الموسوي «اليوم يجري نفس الشيء في الجامعات والدوائر، حيث تجمع مئات الآلاف من التواقيع للاعتراض على قانون ادارة الدولة وفق نفس الاسلوب الصدامي.. والويل لمن يعترض».
يرى الدكتور هشام (...) الاستاذ في جامعة بغداد «ان القياس على الزمن الماضي يسيء كثيرا للحركات التي تتصرف في كثير من الاحيان بصورة مشابهة لنظام صدام. على سبيل المثال تم تعليق لافتات اغلقت مدخل القسم الذي ادرس فيه، وعندما طلبت ازالتها قالوا لي: لو كانت اللافتات عائدة لصدام أكنت تستطيع طلب ازالتها؟».
يقول اشرف (...) الطالب في جامعة بغداد «لقد كان مرآب كليتنا اروع مكان لالتقاء الطلبة.. واليوم تأتي سيارات من الخارج تحمل اشخاصا من خارج الجامعة ليمارسوا طقوسهم من دون احترام للحرم الجامعي وللآخرين».. ويضيف «ان تغييب الآخر بلغ ذروته في هذه الايام، حيث تم تعليق اعلانات لاقامة معرض فني فقامت مجموعة مجهولة بتمزيق هذه الاعلانات رغم حصولنا على موافقة عمادة الكلية على تعليقها».
ويشتكي بعض الطلاب من ضعف سلطات الجامعة والعمادة، بل والوزارة ايضا. يقول الدكتور الجبوري (...) الاستاذ في الجامعة المستنصرية: «من الغريب ان نرى استاذا ذا مكانة علمية مرموقة يتملق لهذا التيار المتطرف او ذاك ويحجز قاعة الكلية لمدة اسبوع تقام فيها مراسم لا علاقة لها بالجامعة والعلم.. واذا اعترض احد اتهم بانه طائفي او بعثي». ويؤكد «البعض يحاول ان يدفع عن نفسه هذه التهمة، التي اودت بحياة عدد من الاساتذة بتمرير ما يجري والمصادقة عليه على امل ان تهدأ النفوس في وقت لاحق».
لكن اين وزارة التعليم العالي من الذي يجري على ارض كلياتها؟
يقول الدكتور علي (...) الاستاذ في جامعة النهرين (صدام سابقا) «ان موقف الوزارة ضعيف جدا كون الوزير من حزب اسلامي، اذ امر في بداية تعيينه بفصل رئيس جامعة بغداد الدكتور سامي المظفر وهو محسوب على التيار العلماني، لكن حركات دينية اخرى اعتبرت الامر قضية طائفية، ونشبت ازمة استمرت قرابة شهر انتهت بتعيين الدكتور موسى الموسوي رئيسا للجامعة، لكن الامر ليس بمن يتقلد رئاسة الجامعة بقدر ما كانت محاولة لتقليم سلطة الوزارة على الجامعات وهذا ما تم بالفعل». ويضرب الدكتور علي مثالا على ذلك بأمر الوزارة منع تعليق اللافتات الحزبية والطائفية او اي لافتة الا بموافقة مسبقة من العمادة «اذا طلبوا من العميد تعليق اللافتة ورفض فسيواجه مصيرا مشابها لمصير الدكتور الجنابي ان لم يكن اسوأ، اما اذا علقوا اللافتة من دون موافقة وهذا ما يتم في اغلب الاحوال فلن يتجرأ احد على رفعها او الاعتراض عليها او على مضمونها حتى ولو كان فيه ما فيه».
وترى الاستاذة الجامعية الدكتورة منى (...): «ان الطلاب بدأوا باساءة استخدام الحرية المتاحة لهم، وهم لا يعرفون حدود هذه الحرية، وان كثرة الاعتصامات والاضرابات والمطالبة بتغيير رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والاساتذة لا تمثل الديمقراطية بل الفوضى». ويقول الاستاذ علي محمد، استاذ علم النفس في جامعة بغداد «الامر لا يتعلق بطائفة دون اخرى، او فئة دون اخرى، الامر يتعلق بتركيبة العراقي الذي تعود على رفض الآخر المخالف له. في جامعة الحلة منع رجال الدين اكاديمية الفنون من تدريس الموسيقى، وفي السليمانية تمنع الجامعات الطلاب من اطلاق اللحى والطالبات من النقاب، وفي الموصل والبصرة يتعرض الشيوعيون الى مضايقات عديدة». وأكد «ان الامر يحتاج الى سنوات عديدة لتعلم الديمقراطية وقبول رأي الآخر».