صفحة مضيئة في تاريخ الفيليين

عندما عدنا الى بغداد عام 2003 بعد غياب طويل، كانت المدن والشوارع قد غيرت اسماءها فيصعب على الزائر سائحاً كان ام مغترباً ان يستدل على طريقه الا بتكرار سؤال المارة واصحاب الاكشاك عله يجد مبتغاه.

لقد رسم الزمن خطوطه على ملامح الوجوه والعادات والتقاليد واساليب التعامل قد نالت نصيبها من التغيير الذي كان بحجم يشعر معه المهاجر العائد انه غريب وسط اهله واصدقائه وجيرانه، انه احساس الغربة يغرس انيابه في صدورنا من جديد، وهذا واقع كان علينا مجاراته وتقبله لاسباب عدة اهما اختلاف الثقافات وتنوع الخطاب وطرق التعامل والمعضلة الاهم هي اللغة الام المفقودة لدى الكثيرين.

في البداية رأيت الكثير من ابناء جلدتنا يتكلمون عن المظلومية والاضطهاد على جميع المستويات، وقد شعرت حينها بالامل ان تكون هذه المظلومية مدخلاً لرحلة البحث عن الحقوق المادية والمعنوية والمكانة الاجتماعية واستعادتها في ظل الاجواء التي سادت بعد التغيير واوحت اننا بصدد ولادة دولة ديمقراطية عصرية ستمثل انموذجا رائداً في المنطقة، واليوم وبعد قرابة عقد من الزمان ارى كماً هائلاً من المعترضين على اوضاعنا ولكن لايوجد من يشتكي، وكم هائل من الملفات العالقة بلا حلول واقعية.

لقد سعينا منذ البدء الى خلق اجواء تعيد الثقة بالنفس لدى ابناء شريحتنا ، وكان اول اهدافنا العمل على احياء لغتنا الام "اللهجة الفيلية" والتطرق الى ثقافتنا المنسية، في محاولة لايجاد فرصة لجمع شتات الفرقاء اذ لاحظنا منذ البدء ان خطاب كل فئة من فئات المكون الفيلي موجه الى جمهور معين محدد، لذا كانت الانطلاقة بناءاً على ما نؤمن به وبالامكانات المتوفرة لدينا في سبيل تحقيق الاهداف النبيلة وملىء الفراغ خاصة في مجال اختصاصنا وهو الاعلام.

لا احد يستطيع ان ينكر ان عائلة شفق كانت السباقة في كثير من الميادين بالنسبة لطرح قضيتنا خصوصاً في ظل افتقار الفيليين لأي اساس إعلامي يحمل معايير مهنية ، فلقد سادت الوسط الفيلي محاولات فردية واحياناً جماعية متقاطعة وهي في الغالب تحمل بصمات التكرار وتدور في دائرة استعراض المظلومية بروتوكولياً، في مقابل تجاهل جوانب اخرى مؤثرة جداً في دعم واسناد هذه القضية.

ارى اننا اليوم قادرون على القول ان الساحة الفيلية منقسمة بين اكثرية صامتة واقلية ناشطة والاخيرة تضم في طياتها توجهات وآراء مختلفة ، البعض منها متفائل والآخر متشائم، وقسم لديه طروحات ذات منهجية سليمة وآخر يستخدم اساليب غير لائقة في التعبير عما يجول بخاطره، قسم يحاول البناء وآخر يتحين الفرصة للهدم، وهذا الصراع هو جزء من الآفات العديدة التي تواجه الفيليين. انه سلاح خطير بيد من يحاول تهميشنا واقصائنا.

اكثر من 2800 يوم من العمل المتواصل اثمرت عن بث 57 الف ساعة من المواد الاذاعية المتنوعة من خلال اثير اذاعة الفيليين الوحيدة "راديو شفق"، واثمرت ايضاً عن نشر مئات المقالات وآلاف الاخبار والتحقيقات والمواضيع المتنوعة، وعدد كبير من الندوات والمؤتمرات حول قضيتنا وباقي قضايا المجتمع العراقي. ان تجربتنا في الاذاعة والمجلات والموقع الالكتروني والتي تربعت بكل فخر على عرش الريادة والانفراد على صعيد اللهجة الفيلية والتي تظافرت فيها جهود ثلة من الشباب من ابناء جلدتنا والذين لم يلجوا مسبقاً في عالم الاعلام واصبحوا اليوم وبشهادة كل المتابعين اعلاميين محترفين، ومع الدعم المعنوي الكبير من قبل محبي هذه المؤسسة، اقول ان كل ذلك يؤكد حقيقة ان اكبر انجاز هو بقاءنا على النهج الذي وعدنا به منذ البداية والاستمرار في تأدية هذا الواجب رغم كل التحديات والصعوبات والعصي التي حاول البعض ان يدسها في دولاب تقدم المؤسسة وتألقها.

كل متابع لديه الحق في ان يتكلم بما يعبر عن قناعاته، ولكن من يحاول ان يكتب صفحة تضاف الى تاريخ الفيليين المعاصر، يتحتم عليه ان يذكر شفق وما قدمته خلال هذه المرحلة، كما يقع على عاتق اولئك الذين عملوا معنا لفترات معينة ويعملون بمجال الاعلام الان، ان لايتناسوا حقيقة انهم وبكل فخر خريجوا مدرسة شفق.

ختاماً وبمناسبة اطفاء شفق لشمعة تأسيسها الثامنة، لابد من الاشارة الى المرحلة المقبلة والنهج الذي سنعمل على اساسه، فتجاربنا الماضية فرضت علينا اعادة الحسابات مراراً وتكراراً وسنواصل ذلك وفقاً لمعطيات الواقع، سنعمل بمنهجية علمية وعلى اسس وقواعد عالمية لصالح القضية الفيلية وسنتناول كل قضية بمستواها وحجمها وحدودها وسننظر للآخرين على مستوى افعالهم لا اقوالهم. سنواصل بذل الجهود لكي يبقى اسم شفق متميزاً يتقدم الصفوف، فلو قدر للزمن ان يعود للوراء واتيحت لنا فرصة الاختيار مجدداً لأخترنا نفس الطريق الذي سلكناه بصبر وتفانِ جعل مؤسسة شفق مدعاة للفخر والاعتزاز من قبل الكبار والصغار من المتصفحين والمستمعين فهي كيان راسخ يدافع عن هويتنا بشكلها الانساني.

جواد كاظم

المصدر: شفق نيوز، 28/5/2012