عيون من ذلك الزقاق

في يوم مثل أي يوم، مــســكــت قـلـمـي لأخــط هــمـوم وأحـزان ابناء جلدتي من الكورد الفيليين، فـإذا بـقـلـمـي يـسـقـط مـنـي ويـهـرب عـنـي فـذهـبـت لـه، لأسـتـرده فـإذا بـه يـهـرب عـنـي وعـن أصــابـع يــدي الـراجـفـه.

فـتـعـجـبـت وسـألـتـه، ألا يـا قـلـمـي الـمـسـكـيـن .. أتـهـرب مـنـي .. أم مـن قـدرنا الـحـزيـن؟ فـــأجــــابـــنـــي بــصــوت يـعـلـوه الـحـزن والأســى .. ســيـــدتي .. تــعــبــت.. من كــتــابــة مــعــانــاتــكم.. ومــعــانــقــة هــمــوم الأخــريــن..

إبــتــســمــت وقــلــت لــه .. يــا قــلــمــي الــحــزيــن .. أتــتــرك جــراحــنــا.. وأحــزانــنــا.. دون الــبــوح بــهــا؟ .. قـال.. إذهــبي وبــوحي بــمــا فــي أعــمــاق قــلـبــك لإنــســان أعــز لـك مـن الــروح .. بــدلا ً مــن تــعــذيــب نــفــســك.. وتــعــذيــب مــن لــيــس لــه.. قــلــب.. ولا روح .. ســألــتــه .. وإذا لم يكن لي من ابوح له اعز منك.. فــلــمــن أبــــــوح؟ فــتــجــهــم قــلــمـــي حــيــرة .. وأســقــط بــوجــهــه عــلــى ورقــتــي الـبـيـضــاء .. فــأخــذتــه.. وتــمــلـكـتـه .. وهــو صامت.. فــأعــتــقـدت إنـه قــد رضـخ لـي .. وســيــســاعــدنــي فــي كــتــابــة الشيء القليل الذي اعبر به عما يختلج في داخلي من مشاعر وأحاسيس تمثل فرحاً أو حزناً أو شوقاً أو رثاءً أو غيره من الفواجع والالام التي تعصر قلبنا في كل ساعة ويوم .. فــإذا بالــحــبــر يــخــرج مــن قــلــمــي مــتــدفــقــا.

فــتـعـجـبـت.. ونــظــرت إلــيــه قــائــلا ً.. مــاذا تــعــنــي؟ .. قـــال.. ســيــدتي أنــنــي بــــلا قــلــب ولا روح؟ أتــريــدينـنـي أن أخــط أحــزان قــلـبــك ولا أبــكــي فــؤادك الــمــجــروح؟

فــمــســكــت الــقــلــم لــكــتــابــة هــمــوم الكورد الفيليين والتي لو وضعت على الجبال ما استطاعت ان تتحملها .. فــبــكــى الــقــلــم قــبــل أن تــبــكــي عــيـونى .. لقد بدأت معاناتنا بهذه الخاطرة التي قرأتها واعجبتني كثيرا حتى ان عيني دمعت ووجدتها قريبة منا وتعبر عن مأساتنا كثيرا، وآسمحوا لي ان اعبر في هذه المقالة والتي تضم بعثرة حـروفـي حيث انني من وقت لآخر اكتب، معاناتنا التي يذكرها ويتذكرها الجميع لكن من دون حلول، الكل ينادي بمظلومية الكورد الفيليين، من يقول هجروا وسفروا وصودرت كل ممتلكاتهم، واخر ينادي عذبوا وقتلوا واجروا على اولادهم المؤسوف على شبابهم التجارب الكيمياوية، وثالث يقول بصوت ملئ بالحزن والاسى وتكاد العبرة تخنقه اغتصبوا بناتهم امام انظار رجالهم ولكنهم لم يستطيعوا ان يفعلوا شيئا، أيوجد ظلم اكثر من هذا؟ لكنها مجرد مواساة لا اكثر ونحن لانحتاج لهذه المواساة، بل نحتاج الى وقفة صادقة وجريئة لاسترداد حقوقنا التي اخذت منا رغما عنا.

اطفال الامس من الكورد الفيليين .. قد تحـــرروا من عبــودية قــهر الزمان، وغربـــة الأيــام، والحنين والشوق يردهم الى ذلك الزقاق الذي كان مليئا بضحكاتهم، والعابهم، وبراءتهم، ومدارسهم والحقائب التي كانوا يحملونها على ظهورهم وهم فرحون، ولم يخطر في بالهم ولو للحظة ان الطاغية كان يخطط ويدبر حتى ينتزع تلك الفرحة والطفولة البريئة بزجهم في السجون او في ارض الحرام الملغومة حتى يقتل البعض منهم والاخر يكتب له ان ينجوا، أيوجد ظلم في العالم اكثر وابشع من هذا الذي جرى علينا؟ صحيح انه في بعض الدول جرى ظلم على ابنائهم لكنه لم يصل الى هذه البشاعة في الظلم وانه جرى على كل كوردي فيلي سواء من سفروا منهم او ظل هاهنا يعاني الامرين، لكن مع كل الذي جرى لم ينسوه يوما علما ان الكثير منهم قد ترك ايران وتوجه الى بلاد المهجر المعروفة بأنسانيتها ومراعاة حقوق الانسان، والمعروفة بطبيعتها الخلابة، فنظرة واحدة لها تنسيك الدنيا ومافيها لكنها لم تستطع ان تنسي الكورد الفيليين محلة باب الشيخ وعكد الاكراد، وحي جميلة، وشارع فلسطين وغيرها من المناطق التي كانوا يسكنونها، وظلت هذه العيون تنظر اليها من بعيد وتتأمل بشوارعها وماجرى عليها حتى ان هذه المناطق كادت تنفطر من حزنها لهول ماجرى الى احبائها من الكورد الفيليين لكنها كانت حجر اصم بلاحول ولاقوة، فللاسف الجميع ومن هم من البشر ولهم السن واعين وآذان ظلوا صامتين ولم يحركوا ساكنا، والبعض منهم من اشاع املاك الكورد الفيليين وعدها من الغنائم، وفرح بما جرى عليهم ونسى ان الكورد الفيليين هم عصب الاقتصاد العراقي فبرحيلهم رحل معهم كل الخير. وتجد هناك دائما صيحات وصرخات تدوي في القلب والقلم يكتب الى متى تظل هذه العيون ترنو بنظرها الى ذلك الزقاق.

اسراء شاواز

المصدر: شفق نيوز، 17/5/2012