أشكالية المكون الكوردي الفيلي في المشهد العراقي

يمكننا القول (أشكالية) المكون الكوردي الفيلي وليس (مشكلة) المكون الفيلي في العراق وذلك للتأكيد بأن الكورد الفيلية ليسوا مشكلة بل هم الحل لمعظم التحديات التي تهدد وحدة الصف الوطني العراقي أذا أستثمرت خصوصيتهم لصالح التقارب الوطني العراقي وأعادة بناء ما تصدع من اللحمة الوطنية العراقية والمشكلة الحقيقية هي في الآخرين. كما أن المسألة الكوردية الفيلية ليست مشكلة بقدر ماهي ألتباس وغموض متعمد يشوب فهم الكثيرمن المهتمين بالواقع السياسي العراقي وكذلك الأطراف السياسية والأعلامية ومن ضمنهم الكورد الفيليين أنفسهم لحقيقة القضية الكوردية الفيلية.
فبالرغم من عمق المعاناة وحجم الجرائم البشعة التي عاشها وتعرض لها الكورد الفيليون فهم مازالوا يعانون من التهميش والأقصاء وعدم التمثيل الحقيقي في البرلمان والحكومة العراقية بما يتناسب وحجمهم ودورهم المهم في الساحة العراقية وفي البنية الأجتماعية والسياسية والوطنية بالأخص وما يعكسه هذا التهميش والتغييب المقصود من أنعكاسات سلبية خطرة على الواقع العام في العراق وعلى أبناء هذه الشريحة بالذات والهدر الواضح لحقوقهم المنتهكة والتي شملت كل جوانب حياتهم ووجودهم. ليس هذا فحسب بل هم يتعرضون لضغوط كبيرة من هذا الطرف أو ذاك للتخلي عن تركيبتهم الثقافية المتنوعة والتخندق طائفياً أو عنصرياً مما يشكل خطراً حقيقياً على وحدتهم الأجتماعية وانسجامهم وتناغمهم الثقافي والسياسي وتعايشهم بسلام وتقبل أحدهم للآخر.
في الحقيقة أن ما تمارسه الأحزاب والكتل السياسية المهيمنة على الواقع السياسي في العراق تجاه الكورد الفيليين يعتبر أنتهاك صارخ للهوية الثقافية الفيلية المتعددة بطبيعتها والمنسجمة بكل تنوعاتها مع الواقع العراقي بكل صنوفه وأطيافه وتنوعه الثقافي وبالتالي فهو أنتهاك للهوية الوطنية العراقية الكبرى بذاتها رغم علمهم المسبق والبديهي بأهمية المكونات العراقية في حفظ الوحدة الوطنية وبالأخص ما يتمتع به الكورد الفيليون من خصائص ثقافية. كما تقوم هذه الأطراف وكل حسب أجندته بتشويه الحقائق وإلقاء التهم على المكون الكوردي الفيلي، وأتهامه بالتشرذم والتمزق والأنقسام الذي يزرعونه بأنفسهم في الوسط الكوردي الفيلي، حال فشلهم في خندقة الفيليين حسب أهواءهم وأتجاهاتهم وضمن أجنداتهم وبرامجهم الطائفية والقومية المتعصبة والمتطرفة لصعوبة أو لتعذر تعبئة المواطن الكوردي الفيلي للقتال ضد الآخر العراقي وأن أختلف معه عقائدياً أوعرقياً أو سياسياً وثقافياً.
لقد أمتاز الكورد الفيليون بحسهم الوطني العالي بعراقيتهم وبما يتلائم مع تركيبتهم النفسية والأجتماعية والثقافية رغم محاولات، البعث العنصري الطائفي خلال الحكم البائد، النيل من عراقيتهم وقتل وتهجير الملايين من أبناءهم لعدم توافق هذه الشريحة مع المشروع البعثي في بناء الدولة العنصرية الطائفية الكبرى ولما شكله الكورد الفيليون من عقبة حقيقية كبيرة في محاولاتهم لمسخ الهوية الوطنية العراقية وربط العراق بمشروعهم القومي الفاشي والمتطرف الفاشل. فالكورد الفيليون بطبيعتهم، وبما أكتسبوه من ثقافات طوعية أو مفروضة بحكم موقعهم الجغرافي وأندماجهم المبكر في الحياة المدنية العراقية، تجاوزوا التعصب القومي وصارت لهم وشائج عديدة وعريقة ومساهمات سياسية وثقافية وأجتماعية في مناطق الوسط والجنوب العراقية كما لم يكن للتطرف الطائفي محلاً في نفوسهم فكانوا على الدوام بجانب أخوانهم في كوردستان وشاركوهم كل معاناتهم ونضالاتهم على مدى التأريخ بكل ما أستطاعوا وبذلوا الغالي والنفيس من أجل نصرة القضية الكوردية. وبما أنهم كانوا متحررين دوماً من هاتين العقدتين الأساسيتين، التي تلعب اليوم دوراً خطيراً في تمزيق العراق، كانوا الأقرب دوماً من بقية العراقيين في المناطق الأخرى على أختلاف أنتماءاتهم العرقية والدينية بل وجد معظم الكورد الفيليون أنفسهم في المساحة الوطنية الأرحب من كل هذه الأنتماءات الضيقة والمحدودة وكان لهم دوراُ مميزاً في الحركات الوطنية واليسارية والليبرالية المتقدمة. لقد ساهمت الخصوصية الثقافية التعددية الفيلية في زرع بذرة مشروع حضاري متقدم في المجتمع العراقي بما يعمل على وضع أسس وبرامج حضارية وثقافية وسياسية وأقتصادية متنوعة ولولا العدوان البعثي الأجرامي المقيت كانت ستساهم وبشكل حقيقي في عملية البناء الحضاري والأقتصادي والتفاعل والتطور والتنوع الثقافي في العراق وكما هومعتمد تماماً في معظم دول العالم المتحضر في يومنا هذا.
لقد ساهم الكورد الفيليون في معظم الحركات السياسية القومية والوطنية والأسلامية واليبرالية التي عملت في العراق وناضلت ضد الدكتاتورية البعثية في العراق وبمشاركة جميع العراقيين ولكن ماتميز به المجتمع الكوردي الفيلي ومايزال هو التفهم الواعي للآخر وعدم التعصب والتطرف في الأنتماء وذلك بسبب تنوع أنتماءاتهم ومشاربهم الفكرية والثقافية على العكس تماماً ممن يمثلون المكونات الكبيرة الأخرى التي يشتركون معها عرقياً أو مذهبياً أو ثقافياً أو أجتماعياً ولعل ما نشهده اليوم من تناحر طائفي وعنصري بين الكتل والتيارات السياسية خير دليل على ذلك. والأكثر وضوحاً في هذا المجال هو الأقتتال الدموي والتناحر الفكري والسياسي داخل الطائفة الواحدة أو المكون الواحد وعدم حدوث ذلك في البيت الكوردي الفيلي رغم كل محاولات جرهم الى مثل هذه النزاعات والخلافات من قبل الكتل والقوى السياسية الفاعلة في المشهد السياسي ورغم ماسببته هذه المحاولات من بعض التصدعات الطفيفة في البيت الفيلي. وبالنتيجة فأن مايميز الكورد الفيليين من تعدد وتنوع الأنتماءات الفكرية والثقافية والسياسية يمكن أن تحسب لهم وليس عليهم كما يحلو للبعض تصويره وأيهام الآخرين به. ومما يثير التساؤل هنا وبقوة ماهو سر هذا الأقصاء والتهميش والأتهام بالأنقسام للكورد الفيليين في حين نجد تمثيلاً قوياً أو معتدلاً لمعظم ممثلي المكونات الأخرى بكبيرها وصغيرها رغم نزاعاتهم الداخلية الدامية والأختلافات الواضحة في توجهاتهم وأجنداتهم. وللأ جابة على هذا التساؤل وبوضوح علينا النظر الى خلفية الأجندات السياسية التي تحكم المشهد السياسي العراقي اليوم ومتابعة أمتداداتها الأقليمة والدولية في المنطقة. فالكورد الفيليون، حالهم حال معظم العراقيين المغلوبين على أمرهم والبعيدين تماماً عما يحاك لهم من أجندات ومؤامرات ومخططات وسياسات أقليمية ودولية، يفتقرون إلى أي دعم أقليمي ودولي حقيقي وأن كان هناك بعض الأهتمامات الهزيلة من هذا الطرف التابع أو ذاك، بأستخدام بعض المنتفعين وضعاف النفوس، فهي لاتعدو كونها خطط تكتيكية مرحلية غير جادة تحاول أستمالتهم وفق الحاجة والظرف المطلوب دون أن يكون لها وجود حقيقي على الأرض أو دون أن تؤسس لبناء ثابت ومتجذر لحل المشاكل الحقيقية، التي تواجه هذه الشريحة التي ظلمت على مدى عقود طويلة على يد العدو والصديق والشقيق، مثلما يحدث لمعظم العراقيين في ظروف الأنتخابات أوالأزمات السياسية. ومن ذلك كله يتبين لنا وبجلاء أن لا أستقرار ولا أسترداد حقيقي للحقوق ولاوجود لدور فاعل وحقيقي للكورد الفيليين إلا في ظل عراق معافى وسليم يعيش أبناءه بحب وسلام وتسودهم روح المواطنة التي دمرها صدام وأكمل تدميرها الآخرون وسيظل الجرح الكوردي الفيلي نازفاً طالما أستمرتكريس هذه النزاعات والصراعات الطائفية والعرقية وطالما أستمر تغييب وتهميش وقمع الأصوات الوطنية الحرة والمعتدلة وطالما أستمر نزف العراق.

فؤاد علي أكبر
16/05/2012