في الذكرى السنوية للشهيد عزالدين سليم 17 مايس ...

في الذكرى السنوية للشهيد عزالدين سليم 17مايس ..... العودة والرحيل احتشد الألوف من الجماهير في معبر الشلامجة الحدودي صباح يوم 17/5/2003 لاستقبال الشخص الذي طالما راودتهم الأماني بعودته بعد تلك الغيبة القسرية منذ عام 1975 حينما خرج متخفيا عبر الصحراء إلى دولة الكويت ومنها إلى إيران الإسلامية بعد نجاح ثورتها ضد الشاه بهلوي ، وبعد سقوط الصنم مباشرة بادر إلى إرسال بعض الرسائل المسجلة على أشرطة الكاسيت بضرورة استثمار إسقاط النظام من قبل التحالف الدولي بالطريقة المثلى ، وكان ابرز ما في كلماته المسجلة تلك دعوته للتسامح واستعداده للمشاركة في العمل على بناء نظام جديد وإشاعة مفاهيم الإسلام الداعية إلى احترام حقوق الآخرين . إن هذه الأفكار التي سبقت الرجل قبل عودته وجدت صدى طيباً لدى شرائح واسعة من المجتمع العراقي وكان اليوم الموعود عند البوابة المهملة في الحدود العراقية الإيرانية ، ولكن المفاجأة التي لم يكن يتوقعها احد إن عزالدين سليم ومع الشهرة والمكانة التي كان يتمتع بها عند أبناء مدينته الطيبة البصرة وتوابعها وانتظارهم الطويل له لكي يأتي بصورة تليق بالعائد المنتصر ، وصلت القافلة التي تقله وهي مؤلفة من سيارة وحيدة ( دبل قمارة ) ومجموعة صغيرة من المرافقين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ونزل هو على مرأى من الحشود في الجانب الآخر وعبر الحدود ماشيا ليستقبله الناس بالأحضان والدموع والأهازيج ويعودون به إلى بيته الذي فارقه منذ 28 عاما . لم يكن عزالدين سليم من ذلك النمط من السياسيين الذين يحاولون أن يحيطوا أنفسهم بهالة مفتعلة من الأبهة والبهرجة بكثرة المرافقين أو تصنع تنظيم جدول مواعيد والتزامات بقصد الإيحاء بالأهمية فهي وان تفعل فعلها في كثير من الأحيان ولكنها تعمل في المقابل على وضع حواجز بين المسؤول والقاعدة الشعبية ، الأمر الذي لم يكن موجودا في تاريخ أبي ياسين ولا في قاموسه فمع عمق الأفكار التي كان يتبناها وعظمة المشاريع التي يسعى لتحقيقها لكن البساطة والعفوية جعلت منه قريبا من قلوب الناس ولم نجد شخصا التقى به أو جالسه إلا وقد وقع تحت تأثيره أسيرا مأخوذا بطريقته وبأسلوبه في إقناع الآخرين بأفكاره والعودة لمجالسته التي لا تُمَلّ . في الأشهر الأولى لعودته كرس كل أوقاته للقاء مختلف شرائح المجتمع البصري وكان حريصا على الاستماع بقدر حرصه على تنظيم زيارات إلى مختلف الجهات الدينية والثقافية ومؤسسات الدولة وكانت اللقاءات التي أجراها والندوات التي أقامها ذات اثر كبير في تنظيم شؤون المحافظة قبل أن يذهب إلى بغداد لينظمّ إلى تشكيلة مجلس الحكم وهي الخطوة التي كان مترددا كثيرا في اتخاذها قبل قبولها تحت إلحاح عدة جهات كان لشهيد المحراب السيد محمد باقر الحكيم الدور الأكبر فيها . من المحطات المهمة خلال هذه السنة كانت زيارته لمسقط رأسه ومربع صباه وشبابه ، الأرض التي وضع فيها أولى خطواته في الدعوة إلى الله ، وخط الشروع الأول في انطلاق رحلته الجهادية والفكرية ، ولن يبارح الذاكرة ذلك اليوم الذي شق فيه موكب الإبن العائد إلى أهله بعد طول الغياب شوارع الهوير ، كان يوما خالدا في تاريخ ناحية الهوير التي أصبحت تعرف بعد استشهاده بناحية الشهيد عزالدين سليم فقد خرجت الجماهير عن بكرة أبيها صغارا وكبارا مع أبناء القرى والعشائر القريبة وغصت بهم الطرقات وكانت محطته التي أحب أن يعود من خلالها هي نفس المحطة التي انطلق منها قبل هجرته ــ جامع الهوير الكبير ــ ويومها ألقى خطابا مؤثرا تذكر فيه إخوانه وأبناء مدينته من الدعاة الذين استشهدوا على يدي النظام ولم يتمالك نفسه فخنقته العبرة وبكى وهي من المرات النادرة التي يرى فيها باكيا فقد كان الرجل يتحلى بالصلابة والتجلد عند أصعب المواقف وهو ما عرف عنه طول حياته الشريفة . عرف عن الشهيد السعيد تفرده في مواقف كثيرة ، وليس سرا القول انه كان يختلف في أفكاره ومنهجه عن كثير من رجال المعارضة العراقية لنظام البعث الصدامي وكانت نظريته التي أحب أن تُطبّق في عراق ما بعد صدام هي نظرية حكومة الإنسان ، فقد كان يرى إن العراق بحاجة إلى حكومة تحترم الإنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن دينه أو مذهبه أو انتماءه العرقي وان البلد خرج من فترة حكم البعث مريضا فهو بأمس الحاجة إلى فترة نقاهة تضع الحرب فيها أوزارها لكي يتعافى المجتمع وتبنى مؤسسات الدولة ثم يختار الناس ما يشاءون عبر صناديق الاقتراع ، وعندما كان يرى القلق عند بعض ( الإسلاميين ) من تلك الفكرة كان يتساءل ... لماذا القلق ؟ نحن كدعاة للإسلام علينا أن نعمل بجد لكي نقنع المجتمع من خلال عملنا وإخلاصنا وعلينا أن نركز في هذه المرحلة على توفير الخدمات ، فإذا نجحنا في ذلك وأقنعنا الناس بأننا قادرين على تحقيق ما يتطلعون إليه وعوّضناهم عن سنوات الحرمان وأقنعناهم ان المصلحة العامة أهم عندنا من مصالحنا الشخصية فان وصولنا عبر الانتخابات سيكون مضمونا . أما نظريته الثانية ( تديّن السياسة ) بدل تسييس الدين ، فقد كان يسعى إلى إشاعتها والتثقيف عليها وهذا ما خلق له كثيرا من المشاكل وأغاظ المناوئين الذين حاولوا بشتى الطرق إبعاده والتضييق عليه ومع ذلك فانه كان لا يتوانى عن العمل المشترك ومد يد العون والمشورة والعمل على تقريب وجهات النظر وقد تكلم الشيخ الياور عن ذلك ( كان الشهيد عزالدين سليم يمثل الحجر الكريم في تشكيلة مجلس الحكم وحمامة السلام فيه ) . كانت لقاءاته مع الأخضر الإبراهيمي انعطافة مهمة في تاريخ العراق الحديث ، فقد أربك بأطروحته الحسابات وعطّل المشروع الخبيث الذي جاء به الإبراهيمي بدفع من الدول العربية المؤثرة ، فكانت اجتماعات أربيل حاسمة في الحفاظ على حقوق مكونات الشعب العراقي وخصوصا الشيعة الذين لم تفلح مخططات الإبراهيمي في ابتزازهم وكان لشهيد الفكر والوطن الكلمة الفصل في ترتيب الأوضاع قبل استلام السيادة . قبل حادث الاغتيال الغادر بيومين رن جرس الهاتف بُعَيد منتصف الليل وفوجئت بصوت الشهيد أسعد عبدالإمام عثمان الذي كان يعمل سكرتيراً خاصاً لعمّه على الطرف الآخر وبعد السلام وتبادل كلمات الاطمئنان عليهم وعلى الأستاذ وهم عائدون توا من شمال الوطن ، قال : الحاج أبو ياسين يريد أن يكلمك ، وكانت تلك المكالمة آخر العهد به . كان يبدو على صوته الإرهاق والتعب ولكنه كان متفائلا مستبشرا بما تحقق في اجتماعات أربيل ثم قال بلهجة المعاتب : لماذا لا تأتون إلى بغداد إني مشتاق إلى رؤيتكم جميعا وكأنه يريد أن يودعنا ، فاعتذرت عن تقصيرنا وبررت ذلك بالتزامات الوظيفة والدوام ، وسألته : ألا تأتي إلى البصرة ؟ فأجاب إن شاء الله بمجرد أن تنتهي فترة الشهر ــ وهي مدة رئاسته للمجلس ــ نعود ولن نغادرها وقال نصاً ( البصرة محتاجتنا ) ولكنهم جاءوا قبل الموعد محمولين على الأكتاف حيث رووا ارض الوطن بدمائهم من اجل حريته في يوم الاثنين 17/ 5/ 2004 في نفس يوم عودته قبل سنة . فسلام عليه وعلى إخوته الذين استشهدوا معه وعلى شهداء العراق جميعا.

طالب سهر وادي
talebsaharwadi@yahoo.com

المصدر: صوت العراق، 14/5/2012