الرأي والرأي الآخر في القضية الفيلية
أظهرت استعدادات الشارع الفيلي لخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة ان هناك تبايناً واسعاً في التوجهات والآراء ، وقد عدَّ البعض هذا الأمر مدعاةً للتشرذم والضعف فيما عدها آخرون حالة صحية وضرورية للممارسة الديمقراطية ففي بيان صادر عن لجنة التنسيق الكوردي الفيلي يشير منظمو البيان الى ان عدم الاتفاق وتوحيد المواقف سيؤثر سلباً على مجمل استحقاقات القضية الفيلية وقد جاء في البيان: ( ولكن مع شديد الأسف، إن ما آلمنا ويؤلمنا ويؤلم الكثيرين من الكورد الفيليين هو غياب أخبار قيامهم بمحاولة أو محاولات جدية جماعية من اجل الاتفاق على النقاط المشتركة الكثيرة التي تجمعهم وتشكل قواسم مشتركة بينهم والتي تتعلق بالاضطهاد الذي تعرضت له شريحتهم بشكل جماعي (إن لم يكونوا أنفسهم فذوو قرباهم) وبالقضايا المشتركة التي تشملهم وتؤثر عليهم جميعا سلبا وإيجابا، والتنسيق فيما بينهم لحماية حقوق شريحتهم والدفاع عن مصالحها، وتشكيل لوبي كوردي فيلي فاعل ومتحرك في مجلس النواب وضاغط على مراكز السلطة والقرار. ومثل هذا الاتفاق والتنسيق ينفع جميعهم ولا يضر بأحد منهم أو بالجهات التي يدينون لها بالولاء. هذا ما كانت تتوقعه منهم شريحتهم كممثلين عنها. ولكن الاعتقاد الشائع بين الكورد الفيليين هو أن من بين أسباب عدم بذل محاولات جدية للاتفاق والتنسيق فيما بينهم هو كون الولاء للحزب والائتلاف والتحالف والتكتل الذي ينتمون إليه أقوى من الولاء لشريحتهم ومصالحها وحقوقها) . وهناك ايضاً من يدين حالة التشرذم ويؤشر لسلبياتها ومنهم الدكتور خليل شمة حيث يقول: ( أن ما يدعو الى الدهشة في قضية احترام حقوق الفيليين المدنية المغتصبة، فذاك أمر مسلم به، فانها ، اي الدهشة، تكمن في إنصاف الحلول وفي تلكؤ الجهات التنفيذية في تطبيق اهداف وواجبات دولة القانون في العدل والمساواة والتي من المفترض ان تكون ضمن اولوياتها . في السياق ذاته يمكن القول أن الفيليين كشريحة اجتماعية كبيرة هم على درجة كبيرة من تعلقهم بنجاح العملية السياسية، وعلى قدر أكبر من المسؤولية في احترامهم لما يواجه قادة العملية السياسية من متاعب ومشاغل وهموم أو في مواجهة ما يحاك من دسائس للردة عليها. وبما أن الفيليين مدركون لحساسية الفترة الانتقالية هذه، فأنهم على أمل أن تلتفت اطراف العملية السياسية وقادة الأحزاب والكتل الوطنية الى اهمية إزالة كامل تداعيات مظلوميتهم هذه وفي اقصر فترة زمنية ممكنة. الوجه الآخر السلبي من مظلومية الفيليين وعدم تبلور خطة عمل للقضاء على تداعياتها ، وللأسف نقول ، يكمن في التشرذم الذي لازم ويلازم المواقف العبثية والنشاطات الاجتماسياسية العقيمة للفيليين أنفسهم . فالفيليون ومنذ الساعات الأولى للسقوط هبوا يدا واحدة وموقفاً يشار اليه بالبنان من عملية التغيير لتحقيق ما يطمح اليه المواطن العراقي، بكل توجهاته المذهبية والعرقية. وأن إيمانهم بنجاح العملية السياسية وتعلقهم بها وصولا الى عراق حر، عادل، تعددي وديمقراطي، كان السبب في هرولتهم غير المسبوقة خلف احزاب وإئتلافات وكتل (وجلها وطنية) على أمل إزالة تداعيات مظلوميتهم اللاإنسانية. وتأسيسا على هذا الأمل ما انفكوا في الذهاب فرادى وجماعات لتشكيل كيانات وجمعيات كانت ولا تزال مدعومة من هذا الطرف أو ذلك، وهي أطراف كان الإستغلال الإنتخابي أحد أهم اهدافها، وأن تحقيق اجنداتها الحزبية ومصالحها الذاتية كان ولا يزال فوق كل اعتبار (وهو امر مشروع لا غبار عليه أو شك فيه)، في المقابل كانت هموم وطموحات الفيلي في التحرر مما يعانيه أمرا ليس بذات الأهمية لغير الفيلي. لهذا نرى أن عدم استقلالية التنظيمات الفيلية وافتقادها للحس السياسي المتعلق بقضيتهم المركزية "ازالة المظلومية" أدى بها الى عبودية تامة وبات نشاطهم السياسي والاجتماعي الهش يدور في فراغ يصعب الفكاك منه إن لم يتم التخلص من شرنقة الولاءات غير الفيلية) . اما على الجانب الآخر يرى آخرون ان الأختلاف حالة طبيعية وهي مدعاة للقوة وعامل مهم في انجاح المساعي التي تبذل لتحقيق مطالب الكورد الفيليين وبهذا الصدد يؤكد النائب علي حسين الفيلي: (ان الاختلافات بين أطراف المكون الفيلي امر طبيعي مع تعدد ارائهم، جاء ذلك في لقاء له مع وكالة (آكانيوز) واشار إلى أن "هذه الاختلافات والاعتراضات مبنية على الممارسة الديمقراطية الشرعية ، وشدد على (أن التشهير والتنكيل شيء دخيل على قاموس الكورد الفيليين) . وبين النائب علي حسين فيلي "بالنسبة لنا كفيليين فأن توجهاتنا واضحة بسبب المظلومية التي لحقت بنا، والتي يؤكدها ويقرها كل الأحزاب والمكونات العراقية، و أن الفيليين توفرت لهم أكثر من فرصة بعد سقوط النظام السابق لاسترجاع حقوقهم، لكن مشاكل العراق الكثيرة وضعت قضيتهم كقضية فرعية" . وأوضح فيلي أن "الثقل السياسي والثقافي والاقتصادي للكورد الفيليين قل في مناطق تواجدهم لتأثره بالمناخ السياسي العراقي الذي يحيط بهم" . وأضاف النائب الفيلي "مع تعدد الأفكار والتوجهات للكورد الفيليين فمن الصعب تواجد مرجعية سياسية ممثلة لهم، مبينا أن خير دليل على ذلك هو أن الحركات والأحزاب والمنظمات الفيلية انضوت تحت أحزاب مختلفة للمشاركة في الانتخابات العراقية المقبلة) . وهناك ايضاً من يرى ان اللجوء الى القانون والدستور هو الكفيل بحل مشاكل شريحة الكورد الفيليين ويتوجب على مختلف الاطراف المعنية بالقضية الفيلية ان تضغط باتجاه اصدار قانون ينظم ويحل الكثير من المشاكل العالقة التي تخص هذه القضية، حيث يقول الكاتب رياض جاسم الفيلي: (يحتم علينا كفيليين اللجوء إلى حقنا الدستوري في التظاهر والإعتصام وإستخدام حرية الرأي والتعبير والنشر وبأعلى صوت وأقوى حضور في الصحافة والإعلام والمحافل الدولية وتسليط الأضواء على قضيتنا وإقامة التجمعات والإجتماعات العامة وحملات الإدانة والإستنكار والتضامن وجمع التواقيع ومراجعة المحاكم ورفع الدعاوى القضائية ضد كل الإنتهاكات والتجاوزات وما يعرقل إعادة الحقوق المُغتصبة والمسلوبة ، وعبر ممارسة الحريات الديمقراطية والمشروعة بجميع وسائلها السلمية بعيداً عن إستعمال السلاح والقوة وفي أطار الأمن والنظام والآداب العامة وبموجب الدستور والقوانين والتشريعات النافذة ، كي نبرهن أننا أنموذج حضاري يؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان) .
كفاح هادي
المصدر: مؤسسة شفق، 11/12/2009