الى السيدة سعاد خيري: لطفاً حذاري من لوي عنق الحقيقة

كتبت السيدة سعاد خيري عشرات المقالات، وخاصة منذ سقوط النظام الديكتاتوري في العراق عام 2003 ولحد الآن. وتناولت هذه المقالات في عناوينها مواضيع شتى، ولكنها بغالبيتها تتشابه من حيث فكرتهاالأساسية. فما هذه المقالات الا تكرار لفكرة واحدة تقول أن جميع المصائب التي يتعرض لها العراقيون هي من صنع الولايات المتحدة فقط في محاولة لتجاهل أطراف أخرى تقوم بأعمال القتل اليومية في العراق والذين تشير اليهم السيدة سعاد خيري في غالبية مقالاتها بإعتبارهم "مقاومة وطنية باسلة" أو "فخر الشعب العراقي وتزيد من إندفاع الشبيبة الى صفوفها متحرريين من الرعب واليأس وكل قيود التخلف من طائفية وتقاليد بالية!!"، كما جاء في مقالة سابقة لها.
في آخر مقالة للسيدة سعاد خيري والذي نشر على موقع الحوار المتمدن، تشير الى أمر مثير للدهشة ومخاف للحقيقة والواقع أيضاً حيث تقول ما يلي:"وجاء تفجير شارع المتنبي استكمالا لكل جرائمها-تقصد الولايات المتحدة- ضد مرافقنا الحضارية التاريخية والمعاصرة، وقتلها للعلم والعلماء وتفجيرها للجامعات وقتل الطلبة، لتحرمنا من مرفق بقي وسيبقى مصدر اشعاع للنور والمعرفة، ومقر تحدي ناشريه لجميع الانظمة الدكتاتورية واجراءاتها في تحريم الكتب الثورية". وهنا تضع السيدة سعاد المسؤولية أيضاً في إرتكاب جريمة تفجير شارع المتنبي على عاتق الولايات المتحدة وجيشها في العراق، في حين ان الوقائع والشواهد تشير الى فعل انتحاري يقوم به عادة المجرمون العرب القادمون من وراء الحدود*(إقرأ بيان شعراء بغداد).
بالطبع من حق اي انسان ان يكره من يشاء ويذم من يشاء، فلا حساب على ذلك. ولكن مما يحير في هذا الزمان أن يعمد كاتب او محلل الى لوي عنق الحقيقة كي يتجاوب مع تنظيراته ورغباته وأحلامه في رؤية الواقع. وهذه هي الطامة الكبرى التي يتعمد جملة من الكتاب الى الوقوع فيها. أن الموضوع لا يتعلق بأخطاء وكوارث إرتكبها جنود الولايات المتحدة والتي كشفتها الادارة الامريكية نفسها تفادياً لردود الفعل العالمية. فقد إعترفت الولايات المتحدة بهذه الانتهاكات، وأدانتها احد ابرز وجوه السياسة الامريكية وهي كندوليزا رايس حين قالت ان هناك اخطاء تجاوزت الالف في العراق. كما ان الحديث لا يدور عن تقييم ما حدث في التاسع من نيسان وسقوط النظام جراء الاجتياح الامريكي للعراق. فهناك آراء مختلفة حول ذلك وتقييمات متعارضة في الشارع العراقي بين مرحب بسقوط صدام وهم الأكثرية وبين من ادان الحدث وهم الاقلية. وسوف يحسم التاريخ تقييمه لاحقاً.
إن الحديث يدور حول من يقوم فعلياً بأعمال القتل الجماعي في العراق سواء على اساس مذهبي او عرقي او ديني او مناطقي، و ينفذ اعمال التدمير لدور الثقافة والمراكز التجارية والصناعية والخدمات ودور العبادة من كنائس ومساجد وغيرها. لقد اصبح واضحاً للجميع إن من يرتكب هذه الاعمال الشريرة ما هي الا زمر من تنظيم القاعدة بالتحالف مع يقايا اجهزة النظام او المتعصبين المذهبيين من كل الالوان سنية كانت ام شيعية أو من تضرر من سقوط النظام، اضافة الى تلك الشراذم من المجرمين المحترفين الذين اطلق سراحهم من قبل صدام حسين قبيل الحرب وأصبحوا الآن في عداد "المجاهدين والمقاومة"، ويقومون بتقديم خدمات الموت الى انصار القاعدة وبقايا النظام على "اساس القطعة". ومن المؤسف أن تدافع السيدة سعاد خيري عن هذه الزمر الشريرة وبحرارة ، دون ان تستذكر أكثر من 100 شيوعي عراقي قتلوا غدراً منذ التاسع من نيسان عام 2003 ولحد الآن على يد من تدافع عنهم، وهم زمرة التكفيريين وبقايا اجهزة العسف الفاشية البعثية. هذه الاجهزة لم تكتف بسفك دماء الالاف من الشيوعيين في ظل النظام السابق ومنذ شباط الاسود عام 1963، بل واستمرت بعد الاطاحة به.
لو كانت د. سعاد خيري ملتزمة بشرف مهنة الصحافة وبشرف الكلمة الصادقة لكان عليها ان تتجه الى المدن التى طغى عليها الارهاب مثل تكريت والفلوجة والرمادي وغيرها، أو الى أولئك الذين هربوا من هذه المدن الى الخارج فراراً من طغيان هذه الزمر، كي تتيقن وتتأكد من الجوهر الشرير لهذه "المقاومة" ومن يساندها وتستمع عن قرب الى الضحايا بالدرجة الاولى من أهالي هذه المدن، والى النساء اللاتي فرض عليهن الزواج من "المجاهدين" او غلفن بالبرقع وفرض عليهن السجن في البيت. كما كان عليها ان تذهب الى المدن والاحياء العراقية الفقيرة التي تتعرض يومياً الى شرور الارهابيين والانتحاريين القادمين من الحدود كي تسأل ابناء وبنات هذه المدن عن هوية هؤلاء الانتحاريين وتكف عن الدفاع عن هذه الزمر التي تنعتهم بـ "البواسل" وتسدي لهم النصح والتعليمات والتوجيهات بالمزيد من القتل والتدمير. كان عليها أن تقول الحقيقة للقارئ، لا أن تكتب مسلسلاتها المليئة بما هو مخالف للحقيقة.
إن هؤلاء القتلة وبإعترافاتهم من على شاشات التلفزة في قناة الجزيرة أوالزوراء وعلى مواقعهم في الانترنت يؤكدون ويصرون على انهم يمثلون اقصى آيات التخلف والردة والتعصب المذهبي والطائفية، فكيف تنعتهم سعاد خيري بأنهم " متحررون من كل قيود التخلف البالية وقيود الطائفية". ما هذا التجاهل للواقع. كيف كان يخاطب الزرقاوي العراقيين؟ هل بنغمة تقدمية يسارية علمانية متحررة من الطائفية والتقاليد البالية؟ وأين هي التقدمية في توجيهات "حارث الضاري"، وما هي علاقة التقدمية بخطابات حيش محمد وكتائب ثورة العشرين وجيش المهدي؟.
إن نظرة سريعة الى بياناتهم لهي كافية لدحض هذه الإدعاءات. إن من يقرأ المقالات الكثيرة للدكتورة سعاد خيري يقع في دوامة الأسف والأسى على وقوع هذه السيدة، وهي ذات الماضي السياسي الطويل والتضحيات والمعانات على ايدي من تدافع عنهم الآن، في فخ تبرير افعال القوى الظلامية وتزيين القتل والعنف وتكفير من يخالفها في الرأي وتـرديد الاتهامات حول العمالة للأمريكان حتى لقادة الحزب الشيوعي العراقي، تماماً وعلى نفس طريقة الزرقاوي وأذنابه من حركة التكفير والهجرة وجيش انصار السنة وحزب "العودة" وهرطقات مشعان الجبوري ومن لف لفهم. كنا نتوقع ان تبادر السيدة سعاد خيري الى تقديم حلول واقتراحات مفيدة لكيفية حل المشاكل المعقدة والخطيرة المتراكمة منذ اربعة عقود التي تواجه العراقيين، لا ان تلجأ الى لوي عنق الحقيقة.

دحام هزاع التكريتي
تكريت – جمهورية العراق
11/3/2007