الجـرح العـراقـي ...

العراق كأي بلد آخـر ’ يحمـل جروحاً تاريخيـة ’ وفـي حاضره تتكون جـديدة وتشفى قديمـة ’ لكن ما يميزه عـن غيـره هو جرحـه الأكبـر ... مصيبته وكارثتـه ’ انـه جـرح ضعـف الأنتماء الوطنـي لأهلـه ’ ولا اريـد هنـا اتهام الملايين من العراقيين ’ فالشعب عاش سنوات الأرهاب والتشويـه ’ المصاب بنسبـة 70% من الأميين واكثر منهـا الفقر والأوبئـة يمكن ان نجـد لـه عـذراً ’ لكنـي الوم حظـه الذي سلط عليـه قيادات ورمـوز لا تشبهه ولا علاقة لهـا بـه ’ لكنهـا اصابت منـه مقتلاً فـي عافيـة الأنتـماء للوطـن .

لا ضيـر ولا عيب’ بـل ايجابي جـداً ان يتكون العراق كأمـة من قوميات واديان ومذاهب وطوائف ’ لكـن ان تتحول تلك الأيجابيـة الى مخاطـر عنصريـة وطائفيـة ومذهبيـة ’ فتلك هـي الكارثـة والجـرح الأكبـر الذي يميـز تاريـخ العراق وحاضـره ويهـدد مستقبلـه .

قـد يختلف معـي البعض ’ لكنـي دائمـاً احتاج الى دليل مثلمـا احمـل دليلـي بيـدي .

اسمحوا لـي ان لا اجامـل الحقيقـة ’ واقسـم الواقـع العراقي الى ثلاثـة مكونات رئيسيـة ( مثلث الجرح العراقـي ) .

1 ـ عـرب المناطق الغربيـة : نجحت قياداتهـا ان تقنع ابناء العراق هناك ’ علـى ان طائفتهـم المختاره ’ لا يمكن للعراق ان يكون عراقاً عربياً اسلامياً بدون قيادتهـا وسلطتها واستحواذهـا على جغرافيـة العراق وثرواتـه وحقهـا فـي تقرير مصير الناس ’ وان العراق قطـراً وليس امـة بذاتهـا ’ وانـه جـزاءً من كل آخـر ولا مصيـر لـه خـارج اطاره وانتماءه القومـي والأسلامـي ’ لأجـل هـذا شرعنت العنف والتآمـر والخيانـة وسائلاً لتحقيق تلك الغايـة الشريـرة ’ مثـل تلك القيادات فـي واقـع الأمـر قـد تكون عراقيـة ’ لكنهـا في واقع الحال بلا عراقيـة’ وتلك مصيبـة الوطـن فيهـم .

2 ـ عـرب الجنوب والوسـط : استطاعت قياداتهم ورموزهـم ان تمسـخ الوطـن الى مذهب ’ وتقنع الملايين مـن اهـل العراق هناك ’ على ان الوطـن في افضل حالاتـه لا يعنـي الا الطائفـة والمذهب والعتبات المقدسـة بحوزاتهـا ومرجعياتها ’ وبفتـوة تستطيع ان تحرك الملايين في تظاهرات وحشود منفعلـه هائجـة فاقدة الرشد تقاتل نفسهـا لطمـاً وتطبيراً وجلـداً دامياً ’ مـع انـه من الصعوبـة تجميـع بعض المئآت من تلك الحشود من اجل قضيـة وطنيـة او مـن اجـل مصالحهـم والأعتراض على اسباب مآساتهـم على الأقـل ’ واستطاعت تلك القيادات ايضاً حرف الأنتماء الطائفـي ودفعـه خارج حـدود الأنتماء الوطني واصبحت التبعيـة الطائفيـة بديلاً عـن الأنتماء الحقيقي لأغلب ابناء الجنوب والوسط ’ ذلك هو الوجـه الآخـر لكارثـة الجرح ’ وان تلك القيادات هـي ايضاً عراقية بلا عراقيـة ومصيبـة ابتلى بهـا العراق .

3 ـ ابناء شعب كردستان : ومـع احترامي لخصوصيتهـم واحقيـة مطاليبهم وقرارهـم وتأ ييدي لمستقبلهم القومي ’

لكـن تبقـى الصناديق التـي حملت كما قيـل ( 99% ) تقريباً مـن الأصوات التي ترغب بالأنفصال عـن العراق ’ تعبـر عـن واقع آخـر يشكل خللاً قاتلاً فـي الأنتماء الوطني ’ ولا الوم بذلك الشعب الكردي على الأطلاق’ لأنـه ضحيـة كغيره من ابناء الشعب العراقي’ حيث استطات قياداتـه ايضاً خلط اوراقـه حفاظاً على اوضاعهـا ومكاسبهـا ومستقبل سلطتهـا ’ واستطاعت ان تقنع الملايين من الأكراد على ان كردستان سوف لن تخسـر اذا ما خسر العراق ولم يلحقها الأذى اذا ما دمـر ولا تموت بموتـه ’ او ربمـا سيحصلون على مكاسباً عكسيـة ’ وهذا هو الخطاء الفادح الذي دفـع وسيدفـع ضريبتـه بنات وابناء كردستان دون ان تشاركهـم فيـها قياداتهـم .

قيادات تركمان العراق لم يكن انتماءهم الوطني بأفضل حالاً من غيرهـا ’ حيث استمرت قلوبها تخفق مـع اطماع الجار الشالي للعراق ’ اضيف الى ذلك قيادات بعض الأحزاب والتكتلات والأطراف التي ولدت من احشـاء ايديولوجيات الأمهات الأجنبيـة واستمرت تراوح على عكازات ازدواجيتهـا بين الوطـن والمنشاء ... بين الأنتمـاء والتبعيـة ’ تقف معضمهـا فـي الجانب الآخر من الجدار ’ حيث التزمت وضيق الأفق الأيديولوجـي .

استثنـي هنـا الشرائح والأقليات الأخرى لمكونات الشعب العراقي ’ فهـي ضحيـة الجميع والأكثر تعلقاً وحباً للعـراق واحتماءً بالوطـن مـن فتك القروش القوميـة والطائفيـة والمذهبيـه .

ذلك هو مثلث الجرح العراقي وتقاسيم مكوناتـه ’ الباب الذي ظـل مفتوحـاً امام الغزات والمحتلين والمغامرين المحليين ’ وعلى جوانبـه تتربع دول الجوار العروبي الأسلامي تتسلى بعذاباتـه وتحفر فيـه جروحاً من الحقد والأطماع ’ ومن ذات الجرح دخل القطار الأمريكي في 08 / شباط / 1963 محملاً بالزمر الكريهة من البعثيين والقوميين والأسلاميين ’ ودخل الأحتلال واستقر اخيراً ضيفاً مفروضـاً مدججـاً بعجائب وغرائب الأرهابيين والتكفيريين والمليشيات المسلحـة وفرق الموت اليومي ومخاطـر كارثـة تدويـل هويـة وثروة وجغرافيـة العراق وقضيتة ’ مضافاً الى كل ذلك تيـزاب المحاصصـة الذي يحفر في الجرح فتنـة رهيبـة .

لسبب واحـد اجـد عـذراً للجماهير بملايينهـا ’ من شمال الوطن الى جنوبـه ’ ومن شرقـه الى غربـه ’ حيث اتذكرهـا عندما التفت حول ثورة 14 / تموز / 1958 الوطنيـة وساهمت بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم بخياطة جرحهـا عبر اربعـة اعوام تقريباً كان شفاء الجرح في متناول يـد الثورة ’ لكن القوى التي لا تريد شفاءً لـه وان يعيش العراق امناً مستقراً مزدهـراً استنقرت محلياً واقليمياً ودولياً وتآمرت حتـى فتحت الجرح ثانيـة ومزقت ضماداتـه بأنقلابهـا المشترك الأسوذ فـي 08 / شباط / 63 ’ للسبب ذاتـه اتهم القيادات القوميـة والدينيـة والمذهبيـة والحزبيـة بمسؤوليتهـا عن مقتـل ثورة 14 / تموز وزعيمهـا الشهيـد عبد الكريم قاسـم ’ ولا يوجـد من بينهـا من لا يحمل اثـراً من سيماء المسؤوليـة .

تلك هـي قناعتي ’ ولا ينفع معهـا رغبتي على ان لا اكون مصيباً ’ بحثت عبثاً وجهلاً عن عكسهـا فـي كتابات الكبار من مثقفي الطوائف والقوميات والمذاهب والأيديولوجيات ’ فلـم اجد مع الأسف ما يقنعني ’ واحياناً يفاجئني بين سطور كتاباتهـم القيـح الكثيـر من نزيف الأنتماء لأسباب ذلك الجرح المخيف مع ذلك يعتقدون خطاءً على انهم يكتبون وطنيـة ’ وعندما يرون دموعاً عراقيـة بين سطور ما يكتبـه بعض الوطنيون او يشمون فيهـا رائحة الحقيقة يستنفرون ويثورون شتمـاً وتشهيراً واتهاماً مفبركاً ووعيداً ’ ويعتقدون خرافـة ان ذلك واجباً وطنياً .
من سيعيـد خياطـة جـرح العراق ويضع ضماداتـه عليـه ويسهر على مداواتـه ويرعاه حتـى الشفاء التام ... ؟

انهم ابناء العراق بجميع مكوناتـهم ’ فقـط عندما يكسرون حواجـز الطائفيـة والعنصريـة والمذهبيـة التي تفصلهم عن العراق ’ ويلتقون جميعاً داخـل خيمـة الوطـن ’ يطهروا قلوبهم وضمائرهـم وخلفياتهم من كل ما هـو ليس وطنيـاً ’ متسامحون متحابون متوحدون ’ انذاك سيشفـى الجرح ويتعافا العراق ويصبـح قوياً بأهلـة وهم اقوياء بوطنهـم ’ ومثلما سيكون لهـم وحدهـم ’ سيكونون لـه وحـده .

حسن حاتـم المذكـور
04 / 03 / 2007