حول مؤتمر بغداد الدولي

وجهت الحكومة العراقية، وربما بمبادرة أمريكية، دعوة إلى دول الجوار العراقي والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وممثلين عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي والاتحاد الأوروبي لعقد مؤتمر دولي في بغداد في العاشر من شهر آذار/مارس الجاري، للتداول حول الوضع الأمني المتدهور في العراق، وربما قضايا ساخنة أخرى تخص المنطقة، مثل البرنامج النووي الإيراني ولبنان وفلسطين. كما ورحبت وزيرة خارجية أمريكا، الدكتورة كونداليزا رايس، بعقد هذا اللقاء وأفادت بأنه سيعقد على مستويين، الأول دون المستوى الوزاري، والآخر على المستوى الوزاري، و ستحضر أمريكا اللقائين. وهذا يعني أن أمريكا لأول مرة ستجلس مع عدوتها إيران، في غرفة واحدة بعد ما يقارب ثلاثة عقود من القطيعة بينهما.

والمعروف أن المقترحات التي قدمتها (مجموعة دراسة العراق) برئاسة بيكر- هاملتون للإدارة الأمريكية قد تضمنت فتح الحوار المباشر مع إيران وسوريا، كجزء من الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق، إلا إن إدارة الرئيس بوش رفضت هذه النقطة في البداية، بينما رحب بها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ولكن يبدو أن حصلت الآن تغييرات في الموقف الأمريكي بهذا الخصوص لصالح الاقتراح المذكور.

والسؤال هو، لماذا غيرت الإدارة الأمريكية موقفها ووافقت على الجلوس على طاولة واحدة مع الوفد الإيراني وجهاً لوجه؟

هناك كثير من التفسيرات من قبل المحللين السياسيين، وكل حسب موقفه من أمريكا وإيران وما يجري في العراق. فأعداء أمريكا يتمنون لها الهزيمة ويريدون للعملية السياسية في العراق الفشل برمتها، وحكموا على المؤتمر بالفشل وحتى قبل عقده، بل وبمجرد الإعلان عنه. فهؤلاء يروجون أن قبول أمريكا بالتفاوض المباشر مع إيران ما هو إلا اعتراف منها بهزيمتها وضعف موقفها وبداية التحضير للانسحاب من "المستنقع" العراقي الذي لا يختلف عن انسحابها من فيتنام. كما وإن اللقاء مع سوريا يعني تخلي أمريكا عن لبنان وإعادته إلى الوصاية السورية. وبالتالي فيصورون العملية وكأنها انتصار لإيران وسوريا وحزب الله وحماس وجيش المهدي وفلول البعث وحلفائهم القاعديين، وهزيمة منكرة لأمريكا وخلفائها، وفشل دمقرطة العراق والمشروع الأمريكي في نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط .

إلا إننا لو تفحصنا الأمر ملياً ومن جميع الجوانب، لوجدنا أن هناك عدة عوامل أدت إلى ترحيب جميع الأطراف المعنية بهذا المؤتمر. فبعد أربعة أعوام من الصراع الدموي في العراق، بلغ الجميع الإعياء والإرهاق دون نتيجة ويبدو أن الكل يريدون الخروج من هذا المأزق مع الاحتفاظ بماء الوجه بشكل وآخر. إلا إن أمريكا ورغم تعرضها لبعض الخسائر، ولكنها في نفس الوقت وكدولة عظمى، تتمتع بقدرات فائقة تستطيع معها تحمل الخسائر، ولن تجد عن إنجاح العملية السياسية في العراق بديلاً، ولأن الانسحاب قبل تحقيق الأهداف المرجوة سيكون كارثة عليها وعلى العالم، وستضطر أمريكا العودة إلى العراق ثانية مع أكثر كلفة. وفي هذه الحالة فأمريكا تحاول استخدام جميع الوسائل، وكدولة عظمى، لن تخسر شيئاً بالجلوس على طاولة واحدة مع إيران وسوريا في جميع الأحوال.

وإيران من جانبها بدأت تشعر بالخناق يضيق عليها، إذ تدرك أن هناك خطة تحاك ضدها بعناية من عدة أطراف وعلى وشك أن تطبق عليها من جميع الجهات. ولا بد أنها أدركت أخيراً أن أمريكا ومعها الدول الأوربية واستخباراتها التي خلقت المليشيات والأحزاب الإسلامية في أفغانستان في عهد الحكومة الشيوعية انتهت ليس بسقوط النظام الشيوعي وطرد القوات السوفيتية من أفغانستان فحسب، بل وأدت إلى استهلاك اقتصاد الاتحاد السوفيتي وانهياره التام ومعه المعسكر الاشتراكي كله. وفي هذه الحالة فإيران تعلم جيداً أن هذه الدوائر الغربية ليست بعاجزة عن خلق ذات الظروف في إيران أيضاً والتي ستنتهي بذات النتائج التي حصلت في أفغانستان.

وفعلاً بدأت تباشير هذه السياسة تلوح في الأفق الإيراني، فقد سمعنا عن نشاطات الحركات القومية من قبل البلوش في جنوب إيران (بلوجستان)، والكرد في الشمال الشرقي (كردستان الإيرانية)، والعرب في عربستان، إضافة إلى تفشي تذمر قطاعات واسعة من الشعب الإيراني بسبب مصادرة الحريات، والأزمة الاقتصادية الخانقة، وتبديد الثروات النفطية الهائلة على التسلح والبرنامج النووي الباهظ التكاليف، وتبذير المليارات من الدولارات على إثارة الصراعات الدموية في لبنان والعراق وفلسطين ليس للشعب الإيراني فيها ناقة ولا جمل.
كما وتدرك إيران أيضاً، أن تواجد الأساطيل الأمريكية والبريطانية في الخليج هي ليست من أجل نزهة سياحية لقواتها، بل هي ضمن استعدادات لتوجيه ضربة خاطفة وقاصمة لها إذا ما تمادت إيران في عنجهيتها. وإن حصلت الضربة فإنها ستدمر منشآتها العسكرية والنووية ومؤسساتها الاقتصادية وموانئها وتتركها في دمار شامل لا تقوم لها قائمة، تماماً كما حصل لنظام صدام حسين خلال حرب تحرير الكويت وبالتالي تحرير العراق. كذلك نعرف أن دول العالم وخاصة الأوربية منها هي مع أمريكا في موقفها من برنامج إيران النووي. فإيران وحليفتها سوريا منبوذتان الآن في العالم وتعانيان من العزلة الخانقة.
أما سوريا فهي الأخرى بلغ بها الإعياء حداً، فقد أدركت أنها لا يمكن لها العودة إلى لبنان بدعمها لحزب الله، ولا تحرير مرتفعات الجولان بالعنتريات الفارغة، ولا إعادة حكم البعث في العراق بدعم الإرهاب فيه، ولا تحرير فلسطين بدعم حماس المناهضة لحل الصراع العربي-الإسرائيلي. وهذه السياسة الطائشة لا تجلب على الشعب السوري سوى الكوارث.
لذا فهناك احتمال توجيه ضربة أمريكية –بريطانية-إسرائيلية خاطفة وماحقة لإيران بسبب سلوكها المعادي للغرب وبرنامجها النووي الذي يعرف الجميع أنه لا يشكل خطراً على إسرائيل التي هددها الرئيس الإيراني بمسحها من الخريطة فحسب، بل والأكثر هو خطر إيران النووية على الدول العربية. إذنْ، هناك قناعة لدى الحكومات العربية حليفة أمريكا، أن الخطر الداهم على العرب الآن هو ليس من إسرائيل بل من إيران، لذا يجب عليهم نسيان خلافاتهم الجانبية وخلافاتهم مع إسرائيل، وتوحيد الجهود والتعاون مع أمريكا لمواجهة الخطر الإيراني.
وتخوف العرب من إيران النووية اليوم لا يقل عنه عندما انتصرت الثورة الإسلامية عام 1979 عندما راح بعض زعمائها يعلنون عن تصدير الثورة إلى دول الجوار، مما أثار الذعر والهلع بين الحكومات العربية من هذا الخطر، فحركوا النظام البعثي في العراق بقيادة صدام حسين وأشعلوها حرباً شعواء احترق فيها الشعبان، العراقي والإيراني، لثمانية أعوام ومازال البلدان يئنان من نتائجها الكارثية وإلى أجل غير معلوم.

وما أشبه اليوم بالبارحة! ففي رأيي، تمر إيران والدول العربية وأمريكا في نفس المرحلة التي مرت بها بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979. ويبدو أن القيادة الإيرانية الحالية قد شعرت بالمخاطر التي تهدد سلطتها بالزوال، وتعرف جيداً أن الدول العربية تشعر بالخطر الإيراني وعلى استعداد التحالف مع أمريكا لإلحاق الهزيمة بها. لذلك من المقرر أن يسافر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى الرياض اليوم، السبت الثالث من آذار/مارس الجاري، للقاء بالعاهل السعودي الملك عبدالله وتوسطه لدى أمريكا لدرء خطر الضربة الأمريكية المحتملة عليه وعلى نظامه.
إضافة إلى الحقائق المذكورة أعلاه، فإن إيران قد وصلت إلى قناعة أنه إذا انسحبت أمريكا من العراق قبل استتباب الأمن فيه وإلحاق الهزيمة بالإرهابيين، فسيتحول العراق المخرب إلى ساحة لحروب بين دول المنطقة وبالتالي إلى مستنقع لها ولدول الجوار، وهذا يعني نهاية النظام الإيراني والسوري أيضاً.

ولهذه الأسباب مجتمعة، نعتقد أن مؤتمر بغداد الدولي ضرورة ملحة لتحقيق أمن وسلامة العراق والمنطقة، ولأنه سيوفر الفرصة لكل من يريد المساهمة في مساعدة الشعب العراقي وخلاصه من محنته أن يثبت مصداقيته، كما ويعطي المجال لجميع الأطراف بالخروج من الأزمة الخانقة مع الاحتفاظ بماء الوجه. وكما جاء في تقرير بيكر-هاملتون، أن دعوة إيران وسوريا إلى طاولة المفاوضات سيكون بمثابة امتحان لهما للكشف عن صدق نواياهما اتجاه الشعب العراقي. فهاتان الدولتان طالما أعلنتا مراراً وتكراراً ودون توقف أنهما حريصتان على استقرار الشعب العراقي وتريدان له الخير والأمن والاستقرار والازدهار، فإذا رفضتا التعاون في دحر الإرهاب في العراق في هذا المؤتمر، فسوف ينكشف زيف ادعاءاتهما للشعب العراقي وللعالم أجمع.
وعندها ستحل عليهما الضربة الماحقة وفي هذه الحالة يجب أن لا تلومان إلا نفسهما.

د. عبدالخالق حسين
3/3/2007