نيقولا بافاريه عن لبرالية قرننا (1)

بافاريه هو باحث فرنسي معروف أصدر كتبا وأبحاثا هامة منها كتاب "فرنسا التي تتداعى" الصادر عام 2004، وكتاب "عالم جديد وفرنسا الهرمة" الصادر في 2006، وكنت قد توقفت لدى الكتاب الأول عام 2004 في مقال بعنوان هل فرنسا تتداعى؟!"
في هذا المقال نستعرض بحث المؤلف حول لبرالية القرن الحادي والعشرين، وهو واحد من فصول عديدة عن تطور الفكر اللبرالي الغربي منذ القرنين السابع والثامن عشر جمعها ملف مهم لمجلة "لو بوان" عدد يناير وفبراير 2007، وقد ناول كل باحث قرنا من القرون المذكورة مستعرضا المفكرين وفلاسفته اللبراليين، وتطور اللبرالية، وكيف أنهم متنوعون وبينهم خلافات ولكن ثمة قاسما مشتركا بينهم هو التأكيد على حرية الفرد وحقوقه واستقلالية تفكيره وحقه في الاختيار بعيدا عن استبداد أية سلطة سواء كانت دينية أو الدولة.
يقول بافاريه في عناوين بحثه إن اللبرالية فكر سياسي مبني على احترام حريات الفرد، وفي عالم العولمة، المعرض لصراع الهوية [ أى إثنية أو دينية]، فإن اللبرالية هي أكثر من أي وقت مضى محرك للديمقراطية، والنمو الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية."
يبدأ البحث بالتأكيد على أن كل قرن يخضع لمبدأ ما. إن بداية القرن الحادي والعشرين، التي تعقب أوهام نهاية التاريخ وانتصار ديمقراطية السوق، تتميز من جهة بالتوتر بين دينامية العولمة والثورة التقنية، ومن جهة أخرى باحتدام العنف بين الهويات، وخصوصا العنف الناتج عن صعود التطرف الديني. وهكذا تجد اللبرالية نفسها في موقع المفارقة: فمن ناحية كونها محرك التحولات الديمقراطية والرأسمالية، ومن الناحية الأخرى كشماعة تنسب لها كل مظالم العالم.
منذ انهيار جدار برلين في 1989، شهد اقتصاد السوق تقدما ملحوظا في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا. إن الاقتصاد العالمي يحقق عملية نمو حوالي الخمسة والنصف بالمائة سنويا، وهذا يفيد أولا البلدان النامية، ويساعد أيضا على أن يخرج من الفقر مئات الملايين من سكان "الكتلة الاشتراكية" السابقة، كما يفيد الصين والهند والبرازيل.
يلاحظ الباحث أنه برغم هذا الإنجاز فإن اللبرالية متهمة بالضبط بسبب التقدم الذي يتحقق بفضلها كتهدئة العلاقات بين الدول، والحريات العامة، وضمان أمن الفرد وحقوق الإنسان، وارتفاع القدرة الشرائية، ووضع أنظمة للضمان الاجتماعي. في مقابل ذلك تتجمع ضد اللبرالية قوى متناقضة: كالحركات الأصولية التي تستهدف الغرب، والدول التي قطعت علاقاتها مع الولايات المتحدة مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا والأكوادور، وكذلك تيارات الحماية الاقتصادية المعادية للعولمة، وهي تيارات قوية في البلدان الصناعية، سيما في أمريكا وأوربا. إن الأحزاب الشعبوية تزدهر في غرب أوروبا، مستفيدة من مناخ عدم الاستقرار الاجتماعي الناجم عن العولمة، والمشاعر المعادية للأجانب، أما في شرق أوروبا، فإنه الحنين للأنظمة السابقة، والتهاب المشاعر القومية، وخيبة الأمل بسبب سياسات المرحلة الانتقالية، أي من نظام شمولي والاقتصاد المخطط وهيمنة الدولة إلى نمو اقتصاد السوق وتحديات الديمقراطية.
إن الحملات ضد اللبرالية تنبع لحد كبير من الالتباس في فهمهما ومن التبسيط غير العلمي. إن فهم اللبرالية في فرنسا خاصة يعاني من أخطاء كبيرة لكون خصومها يعتبرونها نموذجا أنكلوـ سكسونيا ليس إلا، وقرين الأحزاب المحافظة. إن اللبرالية أولا ليست "اقتصادوية" بمعنى تفسير كل شئ بالعامل الاقتصادي وحده ولا تعنى بغير الاقتصاد. إنها أولا مذهب سياسي ولد مع جون لوك، ومونتسكيو، وفلاسفة التنوير الفرنسيين. إنها تركز على دور استقلالية الفرد، ودور السياسة، ولا تعتبر التاريخ مجرد تعاقب آلي لأنظمة الإنتاج. إن اللبراليين يدركون تماما للعلاقات بين الديمقراطية والرأسمالية، أي أن الديمقراطية مرتبطة باقتصاد السوق كما برهن تاريخ القرن المنصرم، بينما يمكن للرأسمالية أن توجد خارج نطاق الحريات العامة. هذا ما تشهد به أمثلة الأنظمة الاستبدادية في أسبانيا فرانكو وتشيلي بينوشه، وكذلك رأسماليات الدولة في الصين واقتصاد السوق في روسيا ذو الطابع السوفيتي.
أما الزعم الفرنسي بأن اللبرالية هي مجرد نتاج أنجلو – سكسوني، فبالعكس، إنها ابتكار أوروبي مشترك ظهر في القرن 18 مع نمو وصعود الدول، ومقدمات الثورة الصناعية، وتبلور نظام قاري بعد الخروج من الحروب الأهلية، وغلبة العقل النقدي في وجه تسلط الدين وملكية الحق إلهي. إنها تعود لحد كبير لتاريخ فرنسا السياسي والفكري. إن الثورة الفرنسية في مرحلتها الأولى كانت لبرالية أكيدة بإعلانها حقوق الإنسان والمواطن، وإرادة جعل الحرية مبدأ عالميا. إن مفكرين وفلاسفة فرنسيين كثيرين قد ساهموا مساهمات كبرى في تطور الفكر اللبرالي، مع مونتسيكيو، وكونستانت، وتوكفيل وآخرين في القرون الماضية إلى ريموند أرون، وجان فرانسوا ريفيل وغيرهما في العصر الحديث.
[ ملاحظة: سنورد هذه الأسماء وغيرها بلغاتها في الحلقة التالية.]

عزيز الحاج
28/2/2007