متى يحتفل الشعب العراقي حقا بأعياده؟

أيها الشعب العراقي المنكوب:
تحية لأبنائك من أعماق قلبي النازف دماً، وأنا اشهد هذه الأيام التي يحتفل بها العالم اجمع بأعياده حيث التقت الأعياد الثلاث، عيد الميلاد لدى الإخوة المسيحيين، وعيد الأضحى للمسلمين، وعيد رأس السنة الجديدة.
كان أملي أن تحتفل أيها الشعب العراقي المظلوم من قبل حكامه الطائفيين، قادة المليشيات التي تمارس القتل بأبشع الأساليب ضد بني جلدتهم مسلمين ومسيحيين وصابئة ، عربا وأكراداً ، شيعة وسنة.

وطنك العراق اليوم منكوب بمستعمريه الجدد الذين احرقوا الحرث والنسل بحجة تحريره من طغيان نظام الدكتاتور صدام حسين الذي حكم العراق أربعة عقود، وصدّق من صدّق من المواطنين ألطيبي النية والبسطاء لتلك الأكذوبة التي مارسها المستعمرون ضد الشعوب منذ أمد طويل ، فإذا بهم قد حولوا العراق إلى خراب تقشعر من هوله الأبدان ، وحولوا الإنسان إلى وحش آدمي ، وعذرا للوحوش الكاسرة التي تملآ غابات العالم، فهي لم تسلك في حياتها ما يسلكه الوحوش الآدميون في عراقنا المذبوح اليوم حيث لا يشبعوا من الدماء المسفوحة على أيديهم ، ولا تثير مشاعرهم وعواطفهم آلاف الجثث للمواطنين الأبرياء التي يقطعون رؤوسها، ويرمونها في المزابل كل شهر، وكل جريرتهم أنهم يحملون اسماً سنيا أو شيعيا أو مسيحيا أو صابئا أو كرديا أو أيزيد يا أو تركمانياً.

بالهول الكارثة التي حلت بالعراق وشعبه على أيدي المحررين الجدد أبناء بوش، وعلى أيدي هذه العصابة المجرمة من أدعياء الدين من كلا الطرفين الشيعة والسنة الذين جاء بهم محرر العراق السيد بوش، ونصبهم حكاماً على العراق، وشرّع لنا دستورا ديمقراطيا !!، استهدف تمزيق العراق باسم الفيدرالية والديمقراطية الأمريكية، وانتخب لنا مجلس إمعات أطلقوا عليه مجلس النواب، تقوده قادة المليشيات المسلحة التي لا تدين بالولاء للعراق، وكل جهة منها ترتبط بشكل أو بآخر بدولة من دول الجوار، وتخدم مصالحها في المنطقة.

الشعب العراقي اليوم ضحية صراع هذه العصابات التي لا تمت للدين وقيمه النبيلة بصلة، رغم العمائم التي يضعونها فوق رؤوسهم التي لا تفكر إلا بالاستئثار بالسلطة، ونهب الثروة العراقية دون وازع من ضمير، أو خوفا من عقاب القانون ، فقد أصبحت اليوم كل واحدة من هذه العصابات حكومة قائمة بذاتها، لها جيشها الخاص ، فهذا جيش المهدي ، وذاك جيش بدر، وثالث جيش محمد، ورابع جيش السنة ، وخامس جيش ثأر الله ، وسادس جيش الفضيلة ، وهناك جيوش وجيوش تظهر لنا كل يوم جديد ، وباتت هذه الجيوش تستولي على مساكن الآخرين وتهدد أصحابها، وتقتل من لا يمتثل لأوامرها، وحكومتنا الوطنية !! متغافلة عما يجري في وطني المغتصب، وشعبنا الذي يفتقد لأبسط الحقوق الإنسانية، وهذا العراق الذي كان يوماً ما مناراً يهدى الإنسانية نحو التطور والرقي والازدهار، قد عادوا به القهقرى عشرة قرون إلى الوراء، وخربوا البنية الاجتماعية العراقية أشنع تخريب، حتى باتت عملية إصلاحه تتطلب جهود عدة أجيال .

كيف يحتفل الشعب العراقي، شأنه شأن بقية شعوب الأرض، بعيد ميلاد السيد المسيح مخلص البشرية، ومسيحيي العراق بين هارب من وطنه ، أو مقتول، أو منكفئ في بيته، قافلاً بابه ينتظر بقلق بالغ متى تداهمه عصابة تتلبس جلباب الإسلام لتخرجه منه ، أو تقتله إذا لم يمتثل لأمرها .
كيف نطلب من العراقي المسلم أن يحتفل بعيد الأضحى، وعيونه تشاهد بألم وحسرة توجع القلب، الأضاحي من أبنائه أو إخوته أو أقربائه أو أصدقائه مذبوحة، ومرمية في المزابل تنهش فيها الكلاب ؟

كيف يحتفل الشعب العراقي بأعياده ومئات الألوف من العائلات قد شُردت من مساكنها على أيدي العصابات المجرمة، وهي اليوم تعيش في الخيام في وضع بائس يندى له جبين الإنسانية، وتتصاعد أعدادها يوماً بعد يوم ؟
كيف يحتفل الشعب العراقي ومئات الألوف من أبنائه تفترش الشوارع في الأردن وسوريا ومصر وغيرها من البلدان الأخرى، وقد تملكها اليأس ومزقها الألم، وهي تنتظر عطف الأمم المتحدة، ودول اللجوء الأوربية لتمنحها حق اللجوء الإنساني ، وقد ترك هؤلاء المواطنون عائلاتهم في العراق إلى مصير مجهول بانتظار الفرج كي يستطيعوا سحبهم وإنقاذهم من هذه الحالة المزرية والخطيرة التي لم يشهدوا لها مثيلا من قبل ؟

كيف تحتفل العائلة العراقية بهذه الأعياد ورب العائلة قد ترك عمله، وأغلق محله ومصدر عيشه وعيش عائلته، ولازم هو وأبناءه وبناته الدار والامتناع عن الذهاب إلى المدرسة والجامعة خوفاً من الاختطاف والاغتصاب كما جرى مؤخرا لثلاث طالبات في الجامعة المستنصرية حيث تم اختطافهن واغتصابهن وقتلهن على أيدي عصابات جيش المهدي المجرمين؟

كيف يحتفل الشعب العراقي بأعياده وقد عضه الجوع وأنهكته الأمراض وإصابته البطالة باليأس واستبد به القلق على مصير أبنائه، ومصير وطنه؟
كيف يحتفل الشعب العراقي بأعياده والخطف يجري على قدم وساق لفلذات أكباده من قبل العصابات التي تملأ الشوارع والطرق، وقد اكتست بملابس شرطتنا الوطنية !! التي ينطبق عليها المثل العراقي الدارج {حاميها حراميها}؟، ثم تطلب الفدية من ذويهم بعشرات الألوف من الدولارات الأمريكية الخضر ، وعندما تضطر العائلة لجمع الفدية من الأهل والأقارب ، أو تبيع دارها أو سيارتها لإنقاذ فلذة كبدها ، وتسلم الفدية للخاطفين، لكنها تجد في اليوم التالي ولدها أو رب عائلتها جثة ملقاة في المزبلة تنهش بها الكلاب ؟

كيف تريدون للعراقي أن يحتفل بأعياده وهو لا يجرأ على الخروج من بيته خوفا من انفجار سيارة ملغومة تزهق أرواح العشرات، وأحياناً المئات من المواطنين الأبرياء، أو مجرم لف بطنه بحزام ناسف يفجره بين المواطنين الآمنين فيقتل من يقتل، ويعوق من يعوق، ويجرح من يجرح، لكي يذهب إلى الجنة التي وعدوه شيوخه وسادته بها، حتى لكأنما باتت الجنة مأوى للقتلة المجرمين !!، متناسين تلك الآيات الصريحة التي تبشر القتلة بجهنم خالدين فيها !

استطيع أن اكذب على نفسي وعلى الآخرين، مدعيا احتفالي بأعيادي الدينية أو الوطنية، وأنا اشعر شأني شأن كل المواطنين العراقيين بالمآسي والويلات والفجائع التي تجري كل يوم . لا استطيع أن اخدع نفسي وأخدع الآخرين وأنا اشهد كل يوم عبر شاشات التلفزيون مناظر الأشلاء الممزقة للمواطنين، والشوارع والطرق المصبوغة بالدماء، والخراب الذي تلحقه مفخخات المجرمين بالممتلكات العامة والخاصة !

لا استطيع أن أدعي احتفالي بأعيادي الدنية والوطنية وأنا اشهد عبر شاشات التلفاز أطفال العراق المشردين الذين يجوبون الشوارع والطرقات، وقد باتوا ضحايا للاستغلال الجنسي البشع، أو ضحايا المخدرات، وفي وضع بائس جدا، في عراق يطفوا على بحر من النفط !
لن احتفل بأي عيد وأنا أتمزق حزنا وألماً وقلقا على مصير العراق، ومآسي شعب العراق الذي هو بكل تأكيد ضحية الامبريالية الأمريكية وعميلها الدكتاتور الجلاد صدام حسين، ونظامه الفاشي البشع، فكلاهما مسؤولان مسؤولية مباشرة عن الكارثة التي لحقت بالعراق وشعبه .

أيها الشهداء العراقيون:

دماءكم الزكية ذمة في أعناق الرئيس الأمريكي بوش والدكتاتور الأرعن صدام حسين ، والعصابة التي تحكم العراق اليوم ، والتي آلت على نفسها أن تنكل أضعاف أضعاف ما فعله الطاغية بنا حتى أوصلوا أبناء الشعب إلى أن يتحسروا على عهد صدام الأسود، فأي درك أسفل أوصلوا العراق وشعبه إليه.
لن أحتفل بأي من أعيادنا الدينية أو الوطنية حتى أشهد وطني العراق متحرراً من الهيمنة الإمبريالية، ينعم فيه المواطن بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان التي نص عليها الإعلان العالمي الصادر عن هيئة الأمم المتحدة منذ عام 1948 ، والتي يجري اليوم انتهاكها في العراق بأبشع صورة ، وأخيرا لا يسعني إلا أن اردد قول الشاعر الكبير المتنبي حيث قال:
عيد بأي حال عدت يا عيد لما مضى أم لأمرٍ فيه تجديد

حامد الحمداني
25 /12/2006