دولة تجتث شعبها ـ يهود العراق (2)

وطنية الفرهود!!!

كما كان لليهود ألعراقيين دورهم ألرائد في حداثة الحياة ألأقتصادية وألأجتماعية وألثقافية ، فأنهم قد نشطو في فعاليات وأحزاب سياسية علمانية ذات برنامج وطني عراقي تنسجم مع سلوكياتهم ألأجتماعية في ألأنفتاح وألمدنية والتعايش ، فأنضموا ألى ألحزب ألوطني ألديمقراطي وحزب ألأتحاد ألوطني وحزب ألشعب وعصبة مكافحة ألصهيونية. ويعد الحزب الشيوعي من أبرز ألأحزاب العراقية ألتي أنتمى أليها شباب أليهود بفعالية. بمعنى آخر أن يهود العراق سياسيا تجردوا عن نزعتهم الدينية الضيقة لصالح مواطنة ألأمة العراقية في مرحلة يعج خلالها العراق بواجهات سياسية متصارعة منابعها صراعات دولية وأقليمية حاصصت الشعب العراقي سياسيا .

النازية الهتلرية من أقطاب الصراعات الدولية السائدة في تلك الفترة حيث وجدت نفسها في المجتمع العراقي بديلا فكريا عن قومية الدولة العثمانية وطائفيتها أسقط العراق في بركة المشروع السياسي العروبي وألأسلاموي ، الشحن النازي بواجهته العروبية لعب دورا مهما في بناء حواضن أجتماعية لمشروع سياسي قومي سحق الهوية العراقية مستفيدا من الوافدين العرب من مدرسين وموظفين ، فدعم الوزير المفوض لهتلر في بغداد نادي المثنى الذي كان يروج للفكر النازي بقناع عروبي محرضا على معاداة اليهود وتقويض دورهم ألجتماعي وألأقتصادي والسياسي في وطنهم بتهمة الجاسوسية للصهيونية العالمية.

ما طرحه ألقاموس ألسياسي ألعربي عن الصهيونية أنها حركة سياسية ، عنصرية، عدوانية، متطرفة،و الصهيونية الحديثة فكرة استعمارية ظهرت في اوروبا في عصر صعود حركة الاستعمار و الاستيطان في اوروبا،تسعى لإعادة مجد بني إسرائيل -اليهود- وبناء هيكل سليمان ، ثم إقامة مملكة إسرائيل ثم السيطرة من خلالها على العالم تحت ملك (ملك يهوذا) المنتظر .
سميت بذلك : نسبة إلى (صهيون) جبل يقع جنوب بيت المقدس يقدسه اليهود.

تمسك يهود ألعراق بثوابت المواطنة العراقية في مواجهة مصالح الصهيونية العالمية ، على الرغم من أن المندوب السامي البريطاني سمح بتأسيس جمعية صهيونية أغلقتها فيما بعد الحكومة العراقية عام 1934 ، ألا أن أعيان ورؤساء الطائفة اليهودية في العراق رفضوا التعامل مع الحركة الصهيونية، أعلن ساسون حسقيل عن ذلك في تصريح ورد في جريدة العالم العبرية عام 1909 مؤكدا أن العراق وطنهم وأورشليم مركزهم الروحي الديني، في الجهة ألآخرى من المعادلة أنصهر العرب العراقيون في معركة دولية تقودها النازية العالمية في العراق ضد اليهود بذراعها من القوميين العرب ، فبثت الفعاليات العروبية في العراق البلد المتعدد ألأعراق وألأديان والطوائف مشاعرالعداء وألتمييز ضد اليهود العراقيين سواء في الحياة العامة أوفي وظائف الدولة وألتعليم .

تجلت المنجزات( الوطنية) !!! للفكر النازي العربي بواقعة الفرهود ، أول حادثة شهدها المجتمع العراقي تبيح السرقة والقتل لمكون بشري عراقي بقصد أجتثاثه أجتماعيا لأسباب سياسية لا ترتبط بالمصلحة الوطنية العراقية ، في تلك الواقعة أغار أنصار النازية العربية في العراق منهم جنود وشرطة على أبناء وطنهم من يهود العراق أثناء حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941 ونهبوا اموال أموالهم وممتلكاتهم في مجزرة خلفت 130 قتيل و450 جريح . الفرهود لا تعد واقعة سطو أو قتل مادية مجردة فقط بل كشف عن لوثة أصابت ضمير المواطنة العراقية و فتحت ألأبواب على فرهدت وأجتثاث مكونات عراقية أخرى لأسباب بررها المشروع السياسي العروبي وألأسلام السياسي.

بمجرد أعلان دولة أسرائيل عام 1948كثفت ألنازية العربية حملاتها في شحن الرأي العام ضد اليهود ، فأضطر رئيس الوزراء السيد محمد الصدر ألى أن يصدر بيان بأسمه من خلال أذاعة بغداد يؤكد فيه على حماية مواطنة يهود العراق وعدم تسييس وجودهم ألأجتماعي بتهمة علاقتهم بألصهيونية ودولة أسرائيل، ألا أن ذلك لم يدم طويلا مع تسلم ألباجه جي رئاسة الوزراء حيث سعى الى أن يحقق طموحه السياسي بكسب ود أنصار النازية العربية ومضايقة اليهود العراقيين من خلال ممارسة ضغوط أقتصادية عليهم بعزلهم عن وظائفهم من دوائر الدولة ، وفرض قيود على التجار اليهود وأعمالهم الحرة في القطاع الخاص.

بعد أعلان الحكومة للأحكام العرفية من أجل مواجهة أزمة داخلية أستثنائية تستوجب مكافحة (الجواسيس والصهاينة) من العراقيين المنتمين للطائفة اليهودية!!!! تحولت وطنية الفرهود ألى آلية دولة ، فأصدرت محكمة عسكرية حكما بأعدام التاجر شفيق عدس ومصادرة أمواله بتهمة تصدير أسلحة ألى أسرائيل ودعم الحركة الصهيونية ماديا، و تم تنفيذالحكم به في ساحة عامة في البصرة . أزدادت ألضغوط النفسية على اليهود بقصد عزلهم وتهميشهم إذ بث أنصار العروبية أشاعات بين أوساط ألرأي العام أليهودي توحي بأن ألدولة العراقية عازمة على أجتثاث أليهود من العراق وفق مخطط منظم، ذلك ما أكدته عدة أجراءات أتخذتها الحكومة برئاسة توفيق السويدي ضد اليهود كمنعهم من السفر، و في 5 شباط عام 1950 أصدرت قرارا بأسقاط الجنسية العراقية عنهم لمن يرغب بأسقاطها فتشكلت لجنة في مديرية الجنسية والسفر للنظر في الطلبات المقدمة .

وفق منهج وسلوك منظم زجت الدولة العراقية اليهود في محرقة وطنية الفرهود بالتهميش والعزلة ومن ثم ساقتهم ألى ألأجتثاث، فتزايد عدد المطالبين بأسقاط الجنسية عنهم أو الهاربين منهم بتصاعد الهجمات والعنف ضدهم، حتى بلغ عدد اليهود الذين أسقطت عنهم الجنسية وتم تسفيرهم ألى قبرص ومن ثم ألى أسرائيل 110 آلاف من الرجال والنساء وألأطفال، البعض ألآخر منهم فقد هاجر بشكل تدريجي ألى بقية دول العالم بألأخص الدول الغربية ككندا وأستراليا وانكلترا وفرنسا... ألخ، أما أموالهم فقد أصدرت حكومة نوري سعيد قرارا بتأسيس أمانة للأموال ألمجمدة من عقارات وأموال منقولة تعود لليهود العراقيين.

بعد عام 1958 حرصت حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم على تصحيح ألأوضاع السابقة لليهود العراقيين بألغاء قانون أسقاط الجنسية عنهم، وأعادة أموالهم وأحترام حقوقهم المدنية والسياسية ،ألا أن ذلك لايمكن أن يتحقق بسهولة في مجتمع سادت فيه حمى وطنية الفرهود، حتى تصدى أنصار القومية العروبية بعد عام 1963 في عهد عبد السلام عارف لمقاليد السلطة فشنوا حرب دينية وطائفية وقومية ضد مكونات الشعب العراقي ألتي لا تنسجم مع ألمصلحة السياسيةلأيدولوجيتهم .

في عهد عبد السلام عارف أعيد العمل بقانون أسقاط الجنسية العراقية عن اليهود، وتفاقم تعرضهم للعنف والتصفية بعد عام1967 على الرغم من أصدار عدد من رجال الدين فتاوي بعدم التعرض لليهود وحسن معاملتهم كفتوى السيد محسن الحكيم و مفتي بغداد نجم الدين الواعظ . في ظل هذه الظروف أخذ وجود اليهود العراقيين ينحسرتدريجيا ألى حد أصبح عددهم بسيط جدا لا يتجاوز العشرات أغلبهم من كبار السن تغطست اقدامهم في طين ضفاف دجلة والفرات وتعلقت أناملهم بعذوق النخيل ، أما أموالهم المصادرة فأنها تدار من قبل دائرة ألأموال ألمجمدة أو أنها صودرت وتم بيعهاوأستغلالها دون سبب مشروع.

من خلال ما تقدم يمكن القول أن المشروع السياسي العروبي وألأسلاموي صادر الدولة العراقية الحديثة عند نشوءها لصالحه، وشخر في المجتمع العراقي منظومة سلوكية تشجع العنف والتمرد والتكفير، عندئذ عقدت ألأمة العراقية رحمها وأجهضت أبنها اليهودي العراقي بواقعة الفرهود المأثورة ألتي فتحت أيدلوجبا تفسر الوطنية بمظاهر السطو والسحل والقتل وألتسقيط ...!!!، من أجل وطنية الفرهود أجتثت الدولة العراقية اليهود العراقيين و أسقطت عنهم الجنسية وصادرت أموالهم وقتلتهم في الساحات العامة . أنها سابقة خطيرة لاأنسانية فتحت حملات أجتثاث دولة العراق لشعبها ..

ضرغام الشلاه
dgshallah@hotmail.com
24/12/2006