مذبحة أطفال غزة: صراع من أجل الكراسي أم من أجل التحرير؟

هل يستطيع عاقل أو مجنون أن يستوعب ما يجري في ( دولة غزة ) خاصة في العامين الأخيرين، وتحديدا منذ تولي حكومة حركة حماس مسؤولياتها قبل حوالي تسعة شهور؟؟.ما هذا الموت الذي يلاحق الفلسطيني طفلا وشابا ومدنيا وعسكريا وعلى يد فلسطينيين من بني جلدته كما يفترض؟. إنه ليس فلتانا أمنيا بقدر ما هو جريمة منظمة يقوم بها مجرمون مدربون وراءهم من يحميهم ويتستر عليهم ليلا ونهارا!. ما معنى أن يتم قتل اللواء موسى عرفات في وضح النهار ويتم خطف ابنه وتقوم السلطات الأمنية بمحاورة خاطفيه في مكان سكنهم لعدة أيام لحين تأمين الإفراج عنه، أي أن القتلة الخاطفين كانوا معروفين بالاسم والشكل والصورة، ورغم ذلك لم نسمع عن اعتقالهم وتقديمهم للمحاكمة؟. ما معنى الخطف الدائم لصحفيين أجانب وعاملين في مكاتب الإغاثة الدولية دون إلقاء القبض على واحد من الخاطفين؟. ما معنى المعارك الباسلة بين العائلات الفلسطينية كما حدث بين عائلتي ( أبو طه و المصري )وسقط فيها ما لا يقل عن ثلاثة عشر قتيلا، وتقوم السلطة بعقد ما أسمته اتفاق تهدئة بين العائلتين دون التحقيق في المسبب وتقديمه للمحاكمة؟. تخيلوا ( اتفاق تهدئة ) نفس التسمية التي تستعمل للاتفاقيات مع جيش الاحتلال!. وما معنى الاعتداءات التي تكررت على الكنائس والمدارس المسيحية من جيش يسمي نفسه ( جيش الهدى ) دون ملاحقة هؤلاء المجرمين الضالين ومعاقبتهم.

و من يتخيل الطريقة التي تم فيها قتل العميد ( جمال تايه ) مسؤول العلاقات الدولية في المخابرات العامة الفلسطينية وعلى بعد خمسين مترا من منزل رئيس الوزراء الفلسطيني (اسماعيل هنية )؟. وفي التفاصيل المشينة أن القتلة كانوا أربعة بعد قتله فتشوا الأوراق التي في سيارته بدم بارد وقرأوا بعضها، وعندما تحركوا بسيارتهم من مكان الجريمة، توقفوا لحظات لعجوز فلسطينية كي تعبر الشارع، مما يعني أنهم كانوا مطمئنين لأنهم يتحركون في منطقة آمنة لا خوف عليهم ولا ملاحقة لهم فيها! ورغم ذلك لم يتم القبض عليهم وهناك معلومات عن تهريبهم إلى مصر!!

ومن يتخيل جريمة ومذبحة صباح الاثنين الحادي عشر من الشهر الحالي، حيث قام القتلة المجرمون بقتل الأطفال ( أسامة 9 أعوام ) ، ( سلامة 6 أعوام ) ، و ( أحمد 7 أعوام ) وهم أطفال بهاء بعلوشة قائد جهاز المخابرات في غزة، وقتلوا معهم الشاب( محمود الهبيل 25 عاما ) وهو من العاملين في جهاز المخابرات ، ويتم قتلهم وهم يحملون الكراريس والكتب ومتوجهين لمدرستهم!. وفي نفس اليوم قام مسلحون باعتراض سيارة عميد من التوجيه السياسي والمعنوي ، ويسكن مخيم جباليا، واستولوا على السيارة واقتادوا العميد مكبلا وألقوه على شاطىء البحر!!.

هذه عينات فقط من نضال السنوات الأخيرة التي توجت يوم أمس الثلاثاء باشتباكات علنية في الشوارع بين قوات الأمن الفلسطيني التابعة للسلطة الفلسطينية و القوة التنفيذية التابعة للحكومة الحماسية، ووصلت طلائع الجرحى والمصابين للمستشفيات!!!!

وهل هذا صراع على السلطة أم من أجل التحرير؟؟

إن تطورات الشهور الماضية التي أعقبت فوز حماس في انتخابات التشريعي الفلسطيني وتشكيلها الحكومة الفلسطينية،أسفرت عن حقيقتين معاشتين في الشارع الفلسطيني هما: إن خسارة فتح للانتخابات كانت مفاجأة للحركة بقدر ما كان فوز حماس مفاجأة لحماس ذاتها، لم تكن مستعدة له مما عبّر عن نفسه في تخبط حماس من مسألة الاعتراف بإسرائيل، فحماس تدرك أنها خاضت انتخابات على قاعدة اتفاقية أوسلو التي عادت السلطة الفلسطينية على أساسها، وهذا الأساس هو الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير ودولة إسرائيل، وأساسا كانت المنظمة قد اعترفت بإسرائيل من جانب واحد ثماني سنوات قبل اتفاقية أوسلو عندما وافق المجلس الوطني الفلسطيني على قيام دولة فلسطين ضمن حدود عام 1967 في دورة المجلس المنعقدة في الجزائر عام 1988 . ويبدو تخبط حماس حتى هذه اللحظة فهي ضد الاعتراف بإسرائيل ومع هدنة طويلة معها، مرة لمدة ستين عاما ومرة لعشر سنوات فقط، ومن المهم ذكره أن مسألة الهدنة هذه كانت مطروحة على لسان الشيخ الشهيد أحمد ياسين، ومراوغة حماس هذه بين السياسة والمقاومة كشف بشكل واضح إغراءات الكراسي والسلطة لدى قيادات الحركة التي لم تصدق أنها أصبحت في هذه المراكز بدليل هذا التخبط ووقف كل أشكال المقاومة منذ تسلمها الحكومة رغم كل الجرائم والتجاوزات الإسرائيلية ، وتهميشها لكل الفصائل الأخرى من خلال حركة التعيينات بعشرات ألآلآف لكوادرها في مختلف الوزارات، وبدلا من أن يحاول وزير داخليتها تسلم مسؤوليات الأجهزة الأمنية القائمة، عمد إلى تشكيل قوته التنفيذية الخاصة التي تشتبك بشكل يومي مع أجهزة الأمن الفلسطينية. هل هذا صراع من أجل التحرير؟ لا...وألف لا...إنه صراع على من يحكم..على من يمسك بالكراسي والمسؤوليات والمالية وسندات الصرف والقبض، فليس كل فتح لصوصا ولكن بالمقابل ليس كل حماس شرفاءا!!!!.وإلا لماذا لم تعلن حماس حتى اليوم عمن من كوادرها وضع المادة الفوسفورية على كرسي الشهيد الشيخ أحمد ياسين مما سمح للأباتشي الإسرائيلية بتحديد مكان تواجده واغتياله؟. ومن هو من كوادرها الذي أبلغ سلطات الاحتلال عن لحظة وصول الدكتور عبد العزيز الرنتيسي لمنزله بعد اختفاء لعدة شهور كي يتم فصف سيارته وقتله؟؟ وقصص كثيرة تثبت أن حماس مليئة باللصوص والجواسيس كغيرها من الفصائل والتنظيمات بما فيها فتح!!.

دولتان: حماس في غزة وفتح في رام الله !

هذا الصراع على السلطة والكراسي والمناصب الذي يتمسح بالتحرير ومقاومة الاحتلال، ما عاد خافيا ولا ينطلي على الشعب الفلسطيني الذي يعاني من التنظيمات الفلسطينية بقدر ما يعاني من الاحتلال مع ملاحظة ( أن ظلم ذوي القربى أشد مرارة ....)، والواقع العملي أن حماس تتصرف وكأن قطاع غزة هو دولتها القائمة فعلا ولا يحق لأحد التحرك فيها بدون إذنها بما فيهم الرئيس الفلسطيني محمود عباس وهذا ليس تجنيا مني، فوزير شؤون اللاجئين الحماسي عاطف عدوان انتقد يوم الرابع من ديسمبر الحالي الرئيس عباس لأنه وصل إلى غزة ( عقر دار حركة حماس ) حسب كلماته حرفيا، وشنّ هجوما عليه وأن ( زيارته لغزة لا تبشر بالخير)، وعلى أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الذي وصفهم ب ( أنهم مجموعة من العجائز لا يمثلون إلا أنفسهم ). وحتى هذه اللحظة لم تأخذ الحكومة الفلسطينية الحماسية أي إجراء ضد وزيرها هذا فهو ما يزال يتحرك وزيرا ومسؤولا في ( عقر داره ) فهل هذا السكوت وعدم محاسبته على هذا الفرز هو موافقة على اللعب في ( عقر الدار ) كما يعيش الشعب الفلسطيني في خوف وهلع لم يستثن قتل الأطفال بطريقة أبشع من عمليات الاحتلال؟. و إلا لماذا يسود الضفة الغربية هدوءا نسبيا واضحا قياسا بما يجري في ( عقر دار حماس )؟. إذا وانسجاما مع الفرز الصومالي لعاطف عدوان يمكننا القول إن قطاع غزة هو ( عقر دار حركة حماس ) و الضفة الغربية هي ( عقر دار حركة فتح )، فرحمة بالشعب الفلسطيني لماذا لا تتوصلوا لتهدئة بين الطرفين يعقبها اعتراف كل بعقر دار الحركة الأخرى، ومن الممكن مستقبلا قيام مباحثات للوحدة بين ( العقرين ) سواء وحدة ( فيدرالية ) أو ( كونفدرالية )، وبعد تحقيق ذلك يتفرغ مسؤولو ( العقرين ) للتفاوض مع دولة إسرائيل حسب ما يتفقان عليه. إن هذا المقترح ليس هزليا أو نكتة ساخرة بقدر ما هو فكرة لتجنيب الشعب الفلسطيني مصائب القتال الداخلي الذي أصبح لا يقل جريمة وقذارة عما يرتكبه جيش الاحتلال!!. وبدون هذا أو غيره من الحلول سوف تزداد ألأصوات التي تتندم على أيام الاحتلال المباشر حيث لم يكن واحد من هؤلاء المجرمين يتجرأ أن يرفع سلاحه في وجه جنود الاحتلال ولو بنسبة واحد من المائة كما يشهرون هذا السلاح على أطفال وشباب ونساء شعبهم...في ظل سكوت الكل على ملاحقة هؤلاء المجرمين و انشغالهم بالصراع على السلطة والكراسي...هل نملك غير الدعاء: قاتلكم الله !!!!.

د.أحمد أبو مطر
ahmad64@hotmail.com
www.dr-abumatar.com
13/12/2006